أفكار وآراء

نهاية الشرق الأوسط الأمريكي

انتهى الشرق الأوسط الأمريكي؛ فالنظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 بات واحدا من ضحايا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وقد أثبت عجز الولايات المتحدة وإسرائيل عن إزاحة النظام في طهران إفلاس عقود من العقوبات والعنف، فيما قوّض إخفاق واشنطن في حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية، أو إبقاء مضيق هرمز مفتوحا جوهر المقايضة الأمنية التي بررت شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة.

أما إسرائيل بسلوكها المتزايد تهديدا وتخليها عن أي تظاهر بالسعي إلى تسوية مع الفلسطينيين فقد أنهت مسعى واشنطن المستمر منذ عقود لجمعها مع الحلفاء العرب في شراكة أمنية دائمة.

ظل الهدف الأمريكي طوال خمسة وثلاثين عاما جمع حلفاء متباينين في نظام يحمي إسرائيل، ويحتوي العراق وإيران أولا، ثم إيران وحلفاءها من غير الدول.

ولم تكن حرب دونالد ترامب خروجا على هذه الاستراتيجية، بل نهايتها المنطقية: إزالة التهديد الإيراني بالقوة وفي ضربة واحدة. وكما حدث قبيل غزو العراق عام 2003 وفي حروب إسرائيل على حزب الله وحماس؛ بالغ مهندسو الحرب في تقدير القوة العسكرية، واستخفوا بتكيف الخصوم، وافترضوا اصطفاف الحلفاء، وتجاهلوا حياة المدنيين. كانت المغامرة التعبير الأقصى عن عيب السياسة الأمريكية، لا انحرافا عنها.

قد توحي الصورة الأولى بأن الحرب لم تبدّل التحالفات التي يقوم عليها النظام الأمريكي؛ فدول الخليج أمام حرب لم تُحسم، وإيران ازدادت جرأة قد ترفع مشترياتها من السلاح، وتطالب بضمانات أمنية جديدة، فتبدو الاستمرارية قائمة، لكن النظام القديم يفسح مكانه لشيء آخر. لم تُنه أزمة السويس عام 1956 النفوذ الإمبراطوري البريطاني والفرنسي فورا مع أنها كانت رمقه الأخير في الشرق الأوسط.

كذلك لن تختفي الهيمنة الأمريكية سريعا، إلا أن الشكوك المتراكمة في القوة الأمريكية وغاياتها تجاوزت نقطة التحول. ما كشفته حرب إيران، وقبلها حرب غزة، غيّر حسابات الحلفاء والخصوم، ولن يصلح هذا التصدع رئيس آخر أو جولة قتال جديدة.

تنذر السنوات المقبلة بمزيد من الاضطراب. لإسرائيل وإيران مصلحة مشتركة في إبقاء الشرق الأوسط غارقا في الفوضى والعنف، ولا تملك الولايات المتحدة وسائل كثيرة لكبح أي منهما.

تريد إسرائيل توسيع حدودها الفعلية، وضم أكبر مساحة ممكنة من فلسطين التاريخية، وفرض إرادتها بالقوة في أنحاء واسعة من المنطقة. وإذا لم يسقط النظام الإيراني قريبا، وهو احتمال يبدو بعيدا جدا، فستسعى طهران الواثقة إلى حماية نفوذها وتوسيعه عبر استنزاف واشنطن في صراعات «المنطقة الرمادية» المفتوحة التي طالما أجادتها.

ومع ذلك قد يتيح انهيار نظام إقليمي فرصة لبناء آخر أفضل شريطة أن تتخلى الولايات المتحدة عن استراتيجيتها الفاشلة. الظروف بعيدة عن المثالية؛ فمعظم قادة المنطقة وشعوبها يريدون بشدة هدنة من الضربات العسكرية والاضطراب الاقتصادي، لكنهم يحملون واشنطن مسؤولية جرّهم إلى الكارثة.

وربما يفتح التخلي عن دعم المستبدين، وعن منح الحلفاء حصانة من العقاب، وعن الاحتواء العسكري للأعداء بابا لعلاقة أمريكية أكثر اتزانا مع المنطقة قد تفضي في النهاية إلى الاستقرار الدائم الذي زعمت واشنطن طوال الوقت أنها تريده.

تصدعات في الأساس

تحددت الطموحات الأمريكية في الشرق الأوسط خلال عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية بمنافستها العالمية مع الاتحاد السوفييتي. منحت تلك المنافسة واشنطن اهتماما استثنائيا بسياسة المنطقة، وجعلتها في الوقت نفسه حذرة من التدخل العسكري المباشر.

أما النظام الحالي فقد أنشأته إدارة جورج بوش الأب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي في حرب الخليج عامي 1990 و1991. وأمام فرصة تاريخية للانفراد بمنطقة ظلت موضع تنازع جعلت واشنطن نفسها قوة لا غنى عنها، فأقامت القواعد والترتيبات الأمنية لاحتواء العراق وإيران، وكان دعمها العسكري والسياسي سندا لبقاء معظم أنظمة الحكم الإقليمية.

ولكي تمنح دورها شرعية تتجاوز الهيمنة المجردة أطلقت واشنطن عملية السلام العربية الإسرائيلية آملة في دمج حلفائها العرب وإسرائيل ضمن إطار أمني مشترك.

انقسمت المنطقة تبعا لذلك بين كتلة قادتها الولايات المتحدة، وضمت إسرائيل وتركيا ومعظم الدول العربية، وكتلة مقابلة أقل تنظيما شملت إيران وسوريا في عهد الأسد وفاعلين من غير الدول، بينهم حماس وحزب الله والحوثيون. وصمد هذا الهيكل بصورة لافتة طوال ثلاثة عقود حافلة بتحولات عالمية وإقليمية وأمريكية كبيرة.

تقول الرواية الأمريكية: إن هذا النظام وفّر قدرا من الاستقرار، وحمى تجارة النفط وأمن إسرائيل ومصالح مكافحة الإرهاب، وفي ذلك جانب من الحقيقة.

لم تواجه إسرائيل تهديدا من دولة أو تخض حربا مع خصم مكافئ منذ عام 1973، وربما دفعها ذلك إلى التقليل من صعوبة مهاجمة إيران. وتعاونت دول عربية معها ضد خصوم مشتركين من دون حل عادل لفلسطين، واستمر النفط في التدفق بأسعار معقولة، ولم تنازع قوة كبرى واشنطن هيمنتها بجدية.

بدت المكاسب الاستراتيجية لواشنطن كافية لتبرير كلفة الحروب اللازمة لحراسة النظام. أما سكان المنطقة فدفعوا ثمنا أفدح. خلال خمسة وثلاثين عاما شنت إسرائيل حروبا متكررة على جيران أضعف، وانهارت عملية السلام، ثم جاء هجوم حماس في السابع من أكتوبر، وأعقبه تدمير إسرائيل لغزة.

وفي العراق فرضت الولايات المتحدة اثني عشر عاما من العقوبات القاسية والقصف المتقطع ومحاولات تغيير النظام ومنع الانتشار قبل غزو 2003 واحتلاله الكارثيين. وفي ظل الرعاية الأمريكية مزقت الحروب لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.

استند النظام الإقليمي إلى ضمانات أمنية للدول العربية ولحكام مستبدين جالسين على قمتها. وكان صد التطلعات الديمقراطية جزءا من المقايضة بقدر الحماية من إيران. بدت انتفاضات 2010 و2011 للحظة قصيرة عصية على الاحتواء، لكن معظم الأنظمة الحليفة بقيت، ثم أحكمت قبضتها.

وشجعت واشنطن إصلاحات نيوليبرالية غذّت الخصخصة وفساد النخب وأفقرت الغالبية فيما أتاحت مكافحة الإرهاب توسيع المراقبة وقمع المعارضة باسم الأمن.

ازدهرت الدول النفطية الثرية وشرائح ضيقة من النخب، أما أكثر الناس فلم يجلب لهم النظام الأمريكي سوى العنف واليأس والحرمان. وبحسب معظم المؤشرات كان أداء الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية أسوأ من أي منطقة أخرى.

والمفارقة أن الضمانات الأمريكية شجعت الحلفاء على تجاهل مصالح واشنطن؛ فقد شعروا بحصانة من الهجوم الخارجي، فانصرفوا إلى مشروعاتهم من دون خوف من عواقب جدية. وجعل الانشغال بالسياسة الداخلية، وضعف فهم تعقيدات المنطقة، والمبالغة في الخوف من الصين وروسيا، واشنطن هدفا لتلاعب القوى المحلية.

أخفقت في كبح إسرائيل أو منع حلفائها العرب من تقويض أهدافها، فتجاهلوا انتقادات تدخلاتهم في ليبيا والسودان وسوريا واليمن، وعارض معظمهم الاتفاق النووي مع إيران عام 2015. ثم أضعف حصار قطر عام 2017 الجبهة التي احتاجت إليها حملة ترامب لـ«الضغط الأقصى».

دفعت انتفاضات 2010 و2011 الحكومات العربية إلى أشكال جديدة من التدخل بعدما تراجعت ثقتها في قدرة الولايات المتحدة واستعدادها لمواجهة ما عدّته أخطارا عاجلة.

رأت أن التهديد الداخلي قد يبدأ في أي مكان، حتى خارج حدودها، وقرأت إسقاط حسني مبارك في مصر عام 2011 دليلا على أنها لا تستطيع التعويل على واشنطن لإنقاذها من التحديات الداخلية، فقررت مطاردة الخطر بنفسها، وأسهم تدخلها في انقلاب عسكري بمصر وفي حروب أهلية عدة.

شجع النظام إيران وإسرائيل على زعزعة الاستقرار كلّا منهما بطريقته. تعاملت طهران مع العداء الخارجي بوصفه ثابتا، وبنت استراتيجية بقائها عليه.

لم تزعج العقوبات النظام؛ فقد أفقرت الناس، وعززت رجاله المسيطرين على الأسواق السوداء. وأنشأت إيران شبكة مسلحة من الحلفاء غير الحكوميين ازدهرت وسط حطام الحروب الأمريكية والإسرائيلية والسعودية. وحين حُرمت من التكنولوجيا الغربية طورت مسيّرات وصواريخ رخيصة في مواجهة منظومات خصومها الباهظة.

أما إسرائيل، وهي ديمقراطية لمواطنيها اليهود على الأقل، فتمتعت بأصلب الضمانات الأمريكية، وأتاح تفوقها العسكري وثقتها في دعم واشنطن لقادتها أن يقدّموا صون ائتلافاتهم الحاكمة، ودرء الأخطار السياسية الداخلية على معالجة القضية الفلسطينية أو تهدئة المنطقة.

وعندما حطم هجوم السابع من أكتوبر هذا الاطمئنان اختارت إسرائيل تصعيدا عسكريا شاملا، وأفرطت أكثر فأكثر في استخدام القوة، ورسخت احتلالها العسكري في غزة والضفة الغربية وأجزاء من لبنان وسوريا.

طال عمر النظام الأمريكي؛ لأن مقايضاته الأمنية لم تُختبر حقا. اشتكى قادة المنطقة من تخلي واشنطن عنهم، لكنهم لم يتصرفوا كأن ذلك احتمال جدي.

ولم تكن الحرب بين الدول خطرا ملحا؛ قصفت إسرائيل غزة ولبنان مرارا من دون أن تخشى دولة عربية حليفة هجوما إسرائيليا فيما بدت ضربة إيرانية مباشرة مستبعدة. وعززت هجمات الوكلاء الاعتقاد بأن التفوق الأمريكي يردع طهران.

بدأ اليقين يتزعزع عام 2019 عندما لم ترد واشنطن على هجوم منشآت النفط السعودية المنسوب إلى إيران، ثم حين ضربت مسيّرات الحوثيين الإمارات عام 2022. ظل الهيكل قائما، لكن الشقوق ظهرت.

في الوقت نفسه حاولت واشنطن تثبيت نظامها بتعاون معلن بين إسرائيل وحلفائها العرب. كان بناء تحالف مناهض لإيران هدفا لكل إدارة منذ 1991، لكن ترامب فصله عن أي تقدم فلسطيني.

رعت إدارته عام 2020 اتفاقات أبراهام مع البحرين والإمارات، ثم انضم المغرب، ووقّع السودان اتفاقا أوليا. وعندما حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية أساءت تقدير مكانة فلسطين لدى الجمهور السعودي، وأغفلت المنافسة بين الرياض وأبوظبي والعداء الشعبي للتطبيع، ولم تتوقع كارثة غزة.

ضربتان متتاليتان

سبق أن تعرض النظام الإقليمي الأمريكي لهزات قوية، منها غزو العراق عام 2003 وانتفاضات 2011، ثم أعاد تكوين نفسه في كل مرة. وقد وقع صانعو السياسة الأمريكيون في أسر البنية التي صنعوها مثل القوى الإقليمية المنضوية فيها.

دخل كل رئيس منذ بيل كلينتون البيت الأبيض متعهدا بتقليص الانخراط في الشرق الأوسط، وانتهى عائدا إلى السياسات والحروب نفسها.

قد تبدو أزمتا تدمير غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حلقة أخرى في هذه الدورة، لكنهما وجهتا معا ضربة قاتلة إلى الشرق الأوسط الأمريكي. جرف دعم الولايات المتحدة للهجوم على غزة، ولا سيما في عهد جو بايدن، ما بقي لها من سلطة أخلاقية.

ثم بددت كارثة ترامب في إيران وهم القدرة العسكرية الأمريكية المطلقة. وأظهرت الأزمتان للدول العربية ضآلة تأثيرها الفعلي داخل النظام الإقليمي، وتراجع العائد من الضمانات الأمنية الأمريكية.

لم يدرك المسؤولون في إدارتي بايدن وترامب الآثار الزلزالية لحرب غزة. افترضوا أن آراء قادة المنطقة وحدها مهمة، وأن هؤلاء نسوا الفلسطينيين منذ زمن ويتطلعون إلى علاقات أوثق مع إسرائيل القوية، وإلى ضمانات أمريكية أقوى.

ويجسد هذا العمى إصرار بايدن على تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية حتى بعدما جعل ارتفاع عدد قتلى غزة مثل هذا التعاون ساما سياسيا لدى الجمهور العربي الذي تطمح الرياض إلى قيادته.

عمّق الضغط الأمريكي للتعاون العربي مع إسرائيل الانقسامات.

واصلت الإمارات العمل مع إسرائيل خلال حرب غزة وضرباتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن وقطر. ووفق «وول ستريت جورنال» نسقت أبوظبي مع إسرائيل والولايات المتحدة لضرب أهداف إيرانية. راقبت السعودية هذا التقارب بقلق وسط خلافها مع الإمارات في سوريا واليمن، ورأت في دعم أبوظبي للحركات الانفصالية وشراكتها الإسرائيلية تهديدا للاستقرار ولقيادتها الإقليمية. جعل هذا الشرخ جمع القوى الكبرى خلف حملة واشنطن على إيران أشد صعوبة.

وإذا كانت غزة قد وضعت القيادة الأمريكية موضع شك فقد أكدت حرب إيران نهاية النظام. بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل من دون استشارة قادة الخليج رغم معارضتهم، وفي خضم مفاوضات بوساطة عُمانية، فعرضتهم لانتقام مباشر. خففت الدفاعات الأمريكية وطأة الهجمات، لكن ما نفذ منها أحدث أضرارا كبيرة وبدد صورة الاستقرار التي يقوم عليها النموذج الخليجي.

استهدفت إيران دول الخليج كلها، حتى عُمان وقطر، وركزت على البحرين والإمارات الموقعتين على اتفاقات أبراهام. وفي أسابيع أضرت بأجزاء واسعة من شبكة القواعد التي أسندت الهيمنة الأمريكية، أو دمرتها أو أفقدتها قيمتها.

تآكلت الثقة أكثر حين عجزت الحملة الأمريكية الإسرائيلية عن إزاحة النظام الإيراني. لطالما زعم دعاة القصف أنه سيزيل التهديد في النهاية، لكن القوتين أخفقتا، ثم وقفت واشنطن عاجزة فيما أغلقت إيران مضيق هرمز، وهددت اقتصاد الخليج. لم يعد الأمر تجاهلا لرغبات الحلفاء؛ فلقد انكشفت حدود القوة الأمريكية.

وتحولت الصدمة إلى غضب عندما قصفت واشنطن منشآت تخزين المياه الإيرانية، وإسرائيل مستودعات النفط. ولو ردت طهران بضرب مرافق المياه أو محطات الطاقة النووية في الخليج لأمكن أن يقود التصعيد إلى كارثة اقتصادية ودمار بيئي يجعل أجزاء منه غير قابلة للعيش.

خرج الخليج بخلاصة قاسية: لم تعد الضمانات الأمنية الأمريكية، وهي قلب المقايضة الإقليمية، جديرة بالاعتماد. وكانت المنطقة قد تعلمت عام 2011 أن واشنطن لا تحميها من الأخطار الداخلية.

فإذا كانت اليوم لا تستشير حلفاءها، ولا تهزم خصومها، ولا تحمي شركاءها من نتائج مغامراتها، فما قيمة وعودها؟ لقد انهارت المقايضة الأساسية، ولن يكون بناؤها من جديد سهلا.

هذه المرة مختلفة

شاع وصف حرب إيران بأنها «لحظة السويس» الأمريكية. ثمة شبه بينها وبين المخطط البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الفاشل لانتزاع القناة من مصر عام 1956، الذي منح جمال عبد الناصر انتصارا سياسيا مذهلا وصار عنوانا لأفول الإمبراطوريتين، لكنه لم ينه حضورهما فورا؛ حاربت فرنسا ست سنوات أخرى في الجزائر، وظلت بريطانيا مهيمنة في الخليج حتى انسحابها عام 1971. تحتاج الأحداث الكبرى إلى وقت حتى تظهر نتائجها كاملة.

كذلك ستتأخر آثار الكارثة الأمريكية في إيران. لن يختفي النظام الذي تقوده واشنطن في المدى القصير؛ فقد تنسحب من القواعد المدمرة، لكنها ستحتفظ بدور دفاعي مهم. ولن تقطع دول الخليج صلاتها بها سريعا؛ إذ لا ترى بديلا واضحا، وقد تعزز تلك الصلات. ولن تشكل هذه الدول تهديدا عسكريا لإسرائيل أو تقترب من إيران إلا بقدر الضرورة.

كذلك لن يفك الخلاف الأمريكي الإسرائيلي، على عمقه وطابعه الممتد عبر الأجيال، التحالف قريبا. وستحتفظ الدول العربية بعلاقات عمل مع إسرائيل وباستفادتها من تقنياتها العسكرية وأدوات المراقبة.

قد تبدو التعديلات الأولى طفيفة، فقد اتبعت الدول أجنداتها الخاصة حتى في ذروة الهيمنة الأمريكية، وأتقن أشد الحلفاء اعتمادا على واشنطن التسويف والإفلات من القيود والضغط داخل العاصمة الأمريكية. وسيواصلون تنافسهم المحلي وتقديم بقاء أنظمتهم والسعي إلى أمنهم، فيعملون مع واشنطن حينا ومن دونها حينا آخر.

غير أن استمرارية المدى القصير لا تعني قابلية النظام للبقاء. عند أزمة السويس، كان تفكك الإمبراطوريات الأوروبية قد صار محتوما بفعل صعود القومية ومناهضة الاستعمار، وبسبب الإنهاك الاقتصادي والسياسي للنموذج الإمبراطوري، لا بسبب إخفاق منفرد.

والنظام الأمريكي في الشرق الأوسط كان يتآكل منذ سنوات تحت وطأة الإخفاقات السياسية إلى أن بلغ فقدان الغاية المشتركة والعجز العسكري اللذين كشفتهما الأزمتان الأخيرتان.

ستُغرى واشنطن بالعودة إلى السياسات التي حكمت مقاربتها عقودا، والاتكاء على حكام قساة يخشون على عروشهم ويمارسون القمع، وهم نتاج المشهد الذي صممته.

وإذا تمسك القادة الأمريكيون بالمسار نفسه، فسيحصدون النتيجة ذاتها: اضطرابا دائما، وفشلا اقتصاديا وسياسيا، وانفجارات متكررة من العنف. قد تستدعي هذه الصراعات القوات الأمريكية على فترات متباعدة، لكنها ستظل تستهلك الاهتمام والموارد بلا طائل، وستتواصل الحروب الأبدية.

ربما يقبل صانعو السياسة في واشنطن ذلك؛ فقد اعتادوا إدارة النزاعات وصيانة العلاقات مع أطراف سيئة. إلا أن تجاهل التحول لن يوقفه.

سيزداد الحلفاء العرب الذين فقدوا ثقتهم بالولايات المتحدة استقلالا في حركتهم، وقد يتجهون إلى الدبلوماسية مع إيران وتوسيع صلاتهم بالصين وروسيا خلافا للرغبات الأمريكية، أو يتدخلون في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي، ويعيدون إشعال النزاع في العراق ولبنان وسوريا واليمن.

ستصوغ النظام الناشئ قوى تقع إلى حد بعيد خارج السيطرة الأمريكية. إسرائيل مصممة على مواصلة تدخلها العسكري مهما كانت رغبات واشنطن؛ فقد تابعت حربها مع حزب الله رغم مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي أُبرمت في يونيو، ولم تُبد استعدادا للانسحاب من جنوب لبنان. ويصر مسؤولوها على إبقاء قوات في سوريا، فيما لا تواجه في الداخل ضغطا جديا نحو سياسات أقل تشددا يردعها عن ضم الضفة الغربية أو استكمال تدمير غزة.

ولإيران بدورها حافز إلى إدامة عدم الاستقرار. يتيح الصراع المتواصل للنظام تحميل الخارج مسؤولية الأوضاع الصعبة، وتسويغ استراتيجية «المقاومة» أمام الإيرانيين. ورغم الأضرار الجسيمة بقي النظام متماسكا ونما نفوذه الإقليمي. أثبتت إيران قدرتها على التحكم الفعلي في مضيق هرمز وضرب حلفاء أمريكا، ومن غير المرجح أن تنهي نكسات حلفاء مثل حزب الله قدرتها على العمل عبر الوكلاء.

بل إن ضغط واشنطن على حكومتي العراق ولبنان الضعيفتين لنزع سلاح الفصائل الموالية لإيران قبل استعدادهما قد يفجر صراعات جديدة تكون الغلبة فيها لحلفاء طهران.

وستبتعد اصطفافات المنطقة عن التحالف المناهض لإيران الذي تتخيله واشنطن. قد تعقد دول خليجية تفاهمات منفردة مع طهران لتحييد نفسها بدل التعويل على الحماية الأمريكية.

كما قد تدور السياسة الإقليمية حول منافسة السعودية والإمارات على الصدارة. قبل الحرب بدأت الرياض تعبئة تحالف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا لموازنة المحور الإماراتي الإسرائيلي المدعوم أمريكيا. وستعود المنافسة بعد هدوء القتال، مولدة أزمات يصعب على واشنطن إدارتها.

ثم ستواجه معظم الأنظمة ضغطا شعبيا أشد مع انتقال آثار الحرب إلى الاقتصادات المتعثرة. ففي مصر تعمق زيادات أسعار الوقود والغذاء وخسائر إيرادات قناة السويس أزمتي المالية والبطالة.

وقد تفقد بلدان تضررت من خفض المساعدات الأمريكية استثمارات خارجية إضافية فيما تنشغل دول الخليج بمشكلاتها. وحين تجتمع المظالم الداخلية بالغضب من غزة قد تصبح المنطقة على أعتاب موجة احتجاج تضاهي انتفاضات ما قبل خمسة عشر عاما.

الفرصة الأخيرة

قد يعطل الانهيار العنيف للنظام القديم بناء نظام جديد، لكنه يمنح واشنطن فرصة لإعادة صياغة المقايضات التي أنتجت هذه النتائج. يبدأ التصحيح بمراجعة قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع حلفاء مستبدين وخارجين على القانون باسم الواقعية.

افترضت الولايات المتحدة أنها تستطيع تجاهل الرأي العام العربي ما دام الحكام يسحقون الاعتراض، وأن ترديد عبارات جوفاء عن حل الدولتين يكفي، فيما تضم إسرائيل الأرض تدريجيا، وتتجنب السلام الحقيقي. لذلك لم تبحث واشنطن عن سياسات تحظى بقبول شعوب المنطقة، وتعذر عليها التعامل جديا مع الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ لأن استراتيجيتها قامت على غيابهما.

لن تغير إدارة ترامب المزدرية بالديمقراطية وسيادة القانون في الداخل والخارج، هذا النهج. ويصعب تصور أن يصمم رئيس يتقلب بعنف بين الاستراتيجيات نظاما إقليميا جديدا، لكن خليفته سيملك فرصة حقيقية للقطيعة مع الوضع القائم ووضع استراتيجية أكثر اتساقا وفاعلية. والبداية هي نبذ التدخل العسكري كخيار أول، وإنهاء «الدبلوماسية بالغارات الجوية».

ينبغي أن تكون أولوية واشنطن الدفاع لا الهجوم. ويمكنها إثبات ذلك بالامتناع عن إعادة بناء القواعد المتضررة أو المدمرة في الخليج، وتوجيه الاستثمار إلى تبادل المعلومات الاستخبارية، والدفاع الصاروخي للشركاء الخليجيين، وصون حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وعلى الولايات المتحدة أن تطلب الاستقرار بالدبلوماسية والدفاع الجماعي بدل الاحتواء العسكري. كشفت كارثة إيران خواء وعود الحرب الحاسمة. حان الوقت لمسار يُدخل إيران في النظام الأمني الإقليمي بوصفها شريكا له مصلحة فيه.

وقد تنفتح دول الخليج على ذلك رغم غضبها؛ فالسعودية وإيران تقاربتا عام 2023 بعد جولة سابقة من العدوان الإيراني. واستحضرت إدارة أوباما تصورا مشابها خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، وتحدث جيه دي فانس عن «تحويل جوهري» للعلاقة مع إيران بعد اتفاق جديد. وعلى إدارة لاحقة أن تثبت سريعا أنها ستترجم الطموح إلى سياسة.

ينبغي أن يمتد التحول إلى علاقة واشنطن بحلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل. فالظروف مهيأة للمراجعة؛ أظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك في يونيو أن قرابة ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين يرون دعم واشنطن لها مفرطا، وصوّت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لوقف المساعدات العسكرية.

على الإدارة المقبلة استخدام هذا الزخم للضغط على إسرائيل كي تحترم حقوق الإنسان في جميع الأراضي التي تسيطر عليها، وتوقف الضم الزاحف للضفة الغربية وتدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.

وعلى نطاق أوسع يحتاج الاستقرار الإقليمي إلى عودة أمريكية جادة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومعارضة الحركات الانفصالية في سوريا واليمن، وردع تدخلات الشركاء وحروب الوكالة في السودان وليبيا، والتوقف عن دفع حكومتي العراق ولبنان إلى نزع سلاح الفصائل العراقية وحزب الله قبل اكتمال استعدادهما.

أما الاستقرار داخل الدول فيحتاج إلى تغيير ديمقراطي، أي تشجيع الإصلاح وحماية الحقوق وإنهاء المقايضة التي أتاحت للحلفاء المستبدين الإفلات من عواقب قمع بالغ. لن ترحب بعض العواصم العربية بهذه الرسالة، غير أن تغيير النظام الإقليمي يظل مستحيلا من دون معالجة اختلالات أنظمة الحكم فيه.

لن تصنع السياسات الجديدة شرقا أوسط مستقرا ومسالما بين ليلة وضحاها. في البداية لن تلقى تصفيقا يُذكر من شعوب اعتادت النفاق الأمريكي وإساءاته.

وقد تسبب حكومات أكثر استجابة لمجتمعاتها متاعب لواشنطن فيما يتنافس سياسيون طموحون في إدانتها. لكن منطقة تحكمها أنظمة أقل استعدادا لاتباع الولايات المتحدة في سياسات مكروهة، وأقل ميلا إلى سحق المعارضة الشعبية، ستكون على المدى الطويل أرسخ استقرارا من المنطقة الراهنة.

تجد واشنطن صعوبة في تصور شرق أوسط لا تهيمن عليه، أو تخيل بدائل حقيقية لنظامها مهما بلغ فشله. غير أن ذلك النظام ينتهي الآن، وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة أمام القادة الأمريكيين لتغيير المسار. وإذا عجزوا فسيرون الشرق الأوسط الأمريكي يتلاشى كما تلاشت قبله الإمبراطوريات الأوروبية.

مارك لينش أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، ومؤلف كتاب الشرق الأوسط الأمريكي: خراب منطقة

عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»