بيد واحدة ودفتر رسم .. غادة تواجه حياة ما بعد البتر
الأربعاء / 18 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:20 - الأربعاء 30 سبتمبر 2026 20:20
'غزة 'د. حكمت المصري: لم تكن غادة دبابش تعرف أن ساحة المدرسة التي اعتادت أن تركض فيها مع إخوتها وأطفال آخرين ستصبح المكان الذي ستفقد فيه يدها اليمنى، وأن المدرسة التي كانت قد تحولت إلى بيت لعائلتها بعد النزوح ستترك في ذاكرتها صورة مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت تحملها عن المدرسة؛ مكانًا للتعلم واللعب والدفاتر والأصدقاء.
في الثالث من أبريل 2025، كانت غادة، ذات الأعوام الثمانية، تلعب في ساحة مدرسة دار الأرقم مع إخوتها ومجموعة من الأطفال الذين يقاربونها في العمر.
كانت تلاحقهم ويركضون خلفها، بينما كانت الطائرات تحلق في سماء المنطقة. لم تكن تلك الساحة غريبة عنها؛ فمنذ أن نزحت عائلتها من منطقة التفاح شرق مدينة غزة، أصبحت المدرسة مأواهم، وصار أحد فصولها المكان الذي تنام فيه غادة بدل غرفتها التي تركتها خلفها.
كانت المدرسة قد تغيرت قبل أن تتغير غادة. المكان الذي كان يومًا يطعم الأطفال المعرفة، ويمنحهم دروسًا تناسب أعمارهم، أصبح مأوى للعائلات التي اقتلعت من بيوتها بفعل الحرب. وبينما كانت غادة تنام في الفصل الذي يفترض أن تجلس فيه على مقعدها وتتلقى دروسها، كانت تحاول مع إخوتها أن تصنع شيئًا يشبه الحياة الطبيعية في مساحة لم تعد طبيعية.
تقول والدتها صباح دبابش، البالغة من العمر 31 عامًا: 'كانت غادة تلعب مع إخوتها في ساحة المدرسة وتم قصف الساحة. كنت داخل الفصل والشظايا تتناثر فوقنا، وبمجرد خروج الدخان هرعت إلى الساحة أبحث عن أطفالي.
أخبروني أن غادة أصيبت وأن يدها اليمنى بُترت، فيما استشهد أخي في القصف نفسه.' نُقلت غادة إلى مستشفى المعمداني، وخضعت لعملية جراحية لمعالجة آثار البتر، وبقيت في المستشفى نحو شهر. وفي القصف ذاته، استشهد خالها، لتخرج العائلة من ذلك اليوم بخسارتين؛ واحدة تركت غيابًا لا يعوض، وأخرى بقيت حاضرة مع غادة في كل تفاصيل حياتها.
بعد خروجها من المستشفى، بدأت غادة تواجه نوعًا آخر من الألم؛ ألم التفاصيل اليومية. الكتابة التي كانت تستخدم فيها يدها اليمنى أصبحت صعبة، وارتداء الملابس يحتاج إلى جهد، وكذلك الاستحمام وتناول الطعام. حتى شرب الماء والرسم، وهي أشياء تبدو بسيطة لطفلة في عمرها، أصبحت تحتاج إلى أن تتعلمها من جديد.
كانت عائلتها تحاول البحث عن فرصة للحصول على طرف صناعي يساعدها على الحركة والقيام بمتطلبات حياتها بصورة أكثر استقلالًا.
تضيف صباح: 'تقدمنا بجميع الأوراق الخاصة بالتحويلة الطبية، لكن تم رفضي ثلاث مرات ، الاحتلال منعني من السفر برفقة غادة. لذلك لم نستطع السفر، ولم تستطع غادة الحصول على يد صناعية تعوضها عما فقدت وتساعدها على ممارسة حياتها بشكل طبيعي.'
وتحتاج غادة، وفق والدتها، إلى عمليات متابعة أيضًا، بسبب نمو العظم في موضع البتر، الأمر الذي يستدعي تدخلات طبية متكررة لقص العظم ومتابعة الطرف المصاب.
ومع كل ذلك، بدأت غادة عامها الدراسي الجديد في الصف الثالث الأساسي.
كانت تجلس مع والدتها أثناء حديثنا، تحاول مساعدتها في أعمال بسيطة، قبل أن تقاطع الحديث فجأة وتتحدث عن رفض سفر والدتها.
قالت بحزن: 'ثلاث مرات تم رفض والدتي من السفر.' لم تكن تردد جملة سمعتها من أحد. كانت تتحدث عن الشيء الذي يشغلها، عن الطريق الذي تعتقد أنه قد يقودها إلى الطرف الصناعي الذي تحتاجه.
وعندما سألت عن أمنيتها، لم تتحدث غادة عن شيء بعيد. قالت إنها تتمنى أن تتمكن من السفر للحصول على طرف صناعي يساعدها على ممارسة حياتها بشكل طبيعي.
قصة غادة ليست معزولة عن واقع آلاف الأطفال الذين أصيبوا خلال الحرب في غزة.
حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الي وجود أكثر من ألف حالة بتر أطراف بين الأطفال. كما تشير بيانات الجهاز إلى أن نحو 10,500 طفل تعرضوا لإصابات مغيرة للحياة، وهو رقم يعكس حجم الإصابات التي لن تنتهي آثارها بانتهاء العلاج الأولي.
كما أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن عشرات الآلاف من الأطفال الذين تعرضوا للبتر يحتاجون الي علاجات طويلة الأمد في مجالات الجراحة وإعادة التأهيل والأطراف الصناعية والدعم النفسي والاجتماعي.
كانت غادة قبل القصف طفلة تركض في ساحة المدرسة بعد القصف، أصبحت طفلة تتعلم كيف تمشي في حياتها الجديدة.
وحين جلست أمام دفتر الرسم، لم تكن يدها اليمنى موجودة، لكن القلم كان موجودًا.
أمسكته بيدها اليسرى وبدأت ترسم ربما لا تستطيع غادة أن تعيد ذلك اليوم إلى الوراء، ولا تستطيع أن تستعيد يدها التي فقدتها في ساحة المدرسة، لكنها ما زالت تملك شيئًا آخر: القدرة على المحاولة.
وهي الآن لا تنتظر سوى فرصة واحدة؛ أن تصل إلى العلاج، وأن تحصل على طرف صناعي، وأن تتمكن من أداء تفاصيل حياتها اليومية دون أن تحتاج في كل مرة إلى من يساعدها.
طفلة في الثامنة، فقدت يدها في المكان الذي كان يفترض أن تتعلم فيه الكتابة، لكنها ما زالت تفتح دفترها كل يوم وتحاول أن تكتب بيد أخرى.