العرب والعالم

الضاحية الجنوبيّة لبيروت.. المشهد الفائض بالركام وبعض الحياة!

 

بيروت- وفاء عواد :هنا 'الضاحية'.. من طريق المطار، عبر 'زاروب' أو مفرق مفاجئ قرب محطة بنزين، أو بين مسجد ومحل تصليح سيارات، باتجاه منطقة حارة حريك، مروراً بالشوارع الفرعية والأزقّة الضيّقة، التي يتناوب فيها الإعمار والدمار، ووصولاً إلى شارع مثقل بالركام والغبار، وبجدران فُتحت على السماء كأنّها أسئلة بلا أجوبة.. هنا، لا مجال أمام عدسة الكاميرا لأن تقرأ الركام وحده، وتوثّق ما خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية من دمار، بل تقرأ ما بقي حيّاً هنا وهناك وهنالك، بين البنايات التي جمّعت بعضها، كما تجمّع الريح شتات الخريف، بعد سماء كثيفة مثقلة بالخوف والأزيز والإنذارات المتقطّعة.


هي 'الضاحية'، الممتدّة بموازاة طريق مطار بيروت الدولي، والعابرة لمداها البحري، بعد منطقة الجناح في محلّة الأوزاعي، أو بين الجبل والساحل على ما تقول الجغرافيا، والتي جمعت خلال نحو نصف قرن سكّانها الأصليّين، ومن ضمنهم 'لاجئين' فلسطينيين، بنازحين من الجنوب والبقاع، وبمهجّرين قسراً من القرى الحدودية.. تحوّلت خلال شهرين ونيف الى لوحة قديمة لُوّنت بالأسود والأبيض، وصُبغت شوارعها باللون الرمادي الباهت.. أمّا عدسات الكاميرات، فلا تزال توثّق وجع ركامها، الى حدّ أن الخراب نفسه يبدو متعباً من ملاحقة مشاهد الدمار كلّها، فيما هي تبدو وكأنّها 'تكنّس' ردمها، وتستعيد شيئاً فشيئاً زحمتها المعتادة.


-'نافذة' بين الركام-
وهكذا، هي الحرب واحدة في آثارها، وإن اختلفت تفاصيلها من منطقة إلى أخرى. في الأبنية التي لم تعد كما كانت، في المحال التي لم تفتح أبوابها بعد، في عائلات تنتظر معرفة مصير ممتلكاتها وتعويضاتها، وفي مناطق طاولها القصف والتدمير والتهجير، ولا تزال آثار الدمار فيها أكبر من قدرة أهلها على ترميمها بمفردهم.

لكنْ، بين كلّ ذلك، فإن زائر المكان لا بدّ من أن يلحظ نافذة مختلفة، حيث تبدو الضاحية وكأنّها لا تنتظر أن تُعاد الحياة إليها من الخارج. تحاول أن تفعل ذلك بنفسها، بما تملك من رافعات الردم والركام، وبمن بقي قادراً على المحاولة مجدّداً.


هنا، في شارع معوّض، رجل يدخّن نرجيلته فوق الركام، حيث سحق الموت العمودي طوابق كانت له فيها دار، وكأنّه يعلن أن البيت، مهما تهدّمت جدرانه، ما زال عنواناً للحياة.

وهناك، في حيّ السلّم، دمعة معلّقة بعيون سيّدة، محمّلة الفقد المؤلم. فـ'الحزن ليس نهاية، إنّما تأكيد على الصبر'. وعلى مقربة منها، إمرأة تنشر الغسيل أمام منزل أصابه الدمار، كأنها تعلّق على حبال الشمس رسالة تقول إن الحياة لا تؤجّل.

وهنالك، عائلات لا تزال تنبش بين الركام، علّها تعثر على تفصيل صغير نجا من الخراب، ولو كان مفتاحاً صدئاً لباب تبدّل مرّتين أو إسماً مكتوباً بقلم رصاص على ظهر صورة، وتنتظر وجوهاً تطلّ من الشرفات التي لا تزال معلّقة بين الأرض والسماء. شرفات لم تعد أماكن للهواء والضوء، بل صارت مفتوحة على الفراغ، وعلى غرف انكشفت أسرار جدرانها، وعلى ذكريات تفرّقت بين الحجارة.

وهكذا، الى أن يرسو المشهد على صورة مستعادة مجدّداً من زمن الحروب السابقة: من وجد منزله، تفيّأ ظلاله مجدّداً. من وجده متضرّراً، بدأ في ترميمه بما تيسّر.

ومن وجده مدمّراً، يجلس بين الركام، ويستعدّ لـ'ترميم' ذاكرته، والحزن عليها بما يليق بها، وهو قد لا يملك سوى كرسي من البلاستيك وفنجان قهوة!


-ومشهديّة مستعادة-
وتكرّ سبحة المشاهد في ضاحية العاصمة بيروت، المسيّجة بيافطات ورايات وأعلام مرفوعة على مفارقها، وبنظرات عيون الشهداء المعلّقة صورهم على الجدران وعواميد الكهرباء المقطوعة غالباً.

وفي خلفيّتها، حكاية مكان يحاول استعادة إيقاعه، كمساحة حياة يومية، لا كرمز مجرّد، لترسو على جملة تتكرّر كقسَم جماعي، لخلاصة تجربة طويلة من الفقد والعودة، من الهدم وإعادة البناء، من النزوح الذي لا ينتهي، والإصرار على البقاء: 'سنعمّرها.

لكن، لن نغادرها'. فـ'الضاحية'، وفق توصيف أحدهم، هي 'ما يُبنى، ويُهدم، ثم يُعاد بناؤه'.
وفي هذا الإصرار تكمن تفاصيل الحكاية، حيث 'الإسفلت يحفظ إيقاع الأقدام، كما يحفظ أسماء الشهــداء'، يقول الرجل السبعيني 'أبو أياد'، لافتاً الى أن أهالي الضاحية، الذين يُقدّر عددهم بنحو مليون نسمة، لا يملكون ترف الإنتظار، و'لا بدّ أن يفتحوا مساحة للحياة فيها بأنفسهم'.

وذلك، بالرغم من كون 'الضاحية' لا تزال تواجه تبعات الحرب، من الأبنية المدمّرة والمتضرّرة والآيلة للسقوط، إلى مصير التعويضات الذي لا يزال يشغل بال الأهالي وأصحاب المصالح، إذْ ينتظرون مساراً واضحاً لإعادة الإعمار وترميم ما تهدّم.


وفيما صدى الحرب، بحسب تعبير 'الحاجّة صبحيّة'، يبقى حاضراً في البيوت المغلقة، وفي المحال التي لم تفتح أبوابها بعد، وفي أرزاق توقفت، وفي عائلات لا تزال تحاول أن تعرف كيف تبدأ من جديد، مع ما يعنيه الأمر من كون العودة الحقيقية الى 'الضاحية' تبدأ عندما يصبح البقاء ممكناً والعمل متاحاً والرزق مستقرّاً والمستقبل أقلّ غموضاً، فإن على المقلب الآخر من الصورة، بالنسبة للكثيرين، حياة يوميّة تبدو أكثر استعجالاً، في محاولة منهم لاستعادة ما يمكن استعادته الآن، بدلاً من انتظار اكتمال الصورة، وحتى لو كان الثمن النوم فوق الركام.


وفي يوم المسير الطويل في هذه المشهديّة، حيث تعود الضاحية تدريجياً الى نبضها المعتاد، وحيث لا يزال الركام حاضراً بقوّة، والجرّافات تواصل أعمال إزالة آثار الدمار الذي خلّفته الحرب، فإن ثمّة قصص لا تنتهي، وحكايات يطول سردها. فـ'الذاكرة أوفى من الحجر، لكنّها أكثر إيلاماً منه حين يسقط'، يقول الشاب الثلاثيني هادي.

ذلك أن أكثر من 170 مبنى تعرّضت للإستهداف، تتفاوت أضرارها بين الدمار الكلّي والموضعي، وفق رئيس اتحاد بلديات الضاحية محمد ضرغام. ولا يزال للأيام المقبلة بقية.. والبقيّة بين طيّات 'هدنة'، يتعامل معها الأهالي كاستراحة بين احتمالين: إمّا تثبيت الإستقرار، وإمّا عودة القصف.. 'هدنة' كشفت ما خلّفته الغارات، منذ بدء العدوان في 2 مارس الفائت ولغاية اليوم، من أرقام دامية فوق الركام والجدران المتصدّعة والسماء التي سقطت فجأة داخل البيوت.. 'هدنة' منحت 'الضاحية' فرصة لالتقاط أنفاسها، لكنّ الأرقام وحدها كفيلة بأن تروي ما لا يمكن للكاميرا أن تختصره، من نصف أمل ونصف خوف، ومن غياب كثيف يتنكّر في هيئة مكان لم يغادره الركام!.