ثقافة

بين نص الكاتب وشخصيته

 

على وزارات الثقافة العرب أن يسموا معارض الكتب الدولية التي تحدث في بلادهم معرض الكتب والحب، فلا أجد أجمل من تجمع النقاد والشعراء والقصاصين والروائيين والمسرحيين والأكاديميين مع القراء في مكان واحد.

كم هو مبهج ومريح أن تلتقي بأدباء غيروا حياتك وصنعوا الفرق بين ما كنت قبل قراءتهم وما صرت بعدها.

أتذكر بحب وارتعاش لقائي الأول مع قاسم حداد في إحدى دورات معرض القاهرة الدولي، كان يمشي على رصيف آخر، فأحببت أن أقلد ما فعله ماركيز حين نادى من رصيف إلى رصيف على إرنست همنغواي في أحد شوارع باريس، وكان ماركيز شابًا صغيرًا: «مرحبًا يا معلم».

ناديت على معلمي قاسم، فإذا به يتوقف، بعكس همنغواي الذي ظل يمشي بعد نظرة ابتسام سريعة.

قطع قاسم الشارع وكانت يداه مثقلتين بالكتب، ومد يده مبتسمًا لي أن الذي لم أكن قد أصدرت كتابي الأول، من منا لم يقابل بطل قلبه وعقله يومًا ما في معرض كتاب؟ من منا لم يقترب من صاحب الكتاب الذي هز مشاعره وأسال دمعه وفجر عقله في جناح دار نشر أو في ممر بين داري نشر، أو في مقهى المعرض؟ ولكن مهلا، ليس دائما هو الحب والفرح ما ينتظرنا هناك، تتفاوت الانطباعات من شخص لآخر، حسب درجة غيبوبة التعلق.

كلنا نحس حين نقرأ عملًا أدبيًا يدوخنا أن هذا العمل قام به ساحر، وأنه ليس بشريًا، وحين نقابل صاحبه ونعرف أنه بشري وطبيعي يتمخط بطريقة مزعجة، نحس ذلك الشعور الذي يشبه السقوط من سقالة الحلم كما يصفه ميلان كونديرا، فتخف وطأة الوقوع تحت تأثير الجمال الخارق، ويتدحرج تجاهنا السؤال اللذيذ الذي يأكلنا ونأكله حين نقابل عظيمنا: أهذا المتلعثم الذي يندلق طعامه على ثيابه، هو الذي كتب تلك الرواية التي غيرت حتى شكل نافذتي؟ مسألة المقارنة بين شخصية الكاتب (كيف يضحك ويبتسم ويدخن ويتحرك مثلًا) وبين روايته مثلًا، تحدث تأثيرًا لطيفًا غامضًا،

فنحن لا نتخيل أحيانًا أن مؤلف هذا السحر هو رجل مثلما يتذمر من ضعف التكييف في المعرض مثلًا أو يبدي إعجابه بفتة الحمص الشامية الخرافية.

مرة من المرات قابلت لأول مرة شاعرًا عربيًا سوريًا في أحد معارض الكتب، وكنت آنذاك أعتبره شخصيًا أسطوريًا، ربما يكون غير موجود في الحقيقة.

فسألني سؤالًا سخيفًا لم أتوقعه: لماذا تلبس بدلة في هذا الصيف الخانق؟ وحين أجبته لم يسمعني لأن شخصًا آخر نادى عليه.

تركته ومضيت، لكني فوجئت به يلحق بي قائلًا: هل يمكن أن تكون قد أخذت كتبي بالخطأ؟ افحص حقيبتك.

وراح يفتش في حقيبتي كأنني لص كتب، ثم اعتذر لي بعد أن تبين أنه نسي الكتب في الفندق، كيف سأقرأ شعرًا جديدًا لهذا العملاق بعد واقعة سؤال الجاكيت وتفتيش الحقيبة؟
تتوزع معارض الكتب الدولية والعربية على عدد كبير من المدن العربية، من أبرزها معرض القاهرة الدولي للكتاب في مصر، هناك رأيت لأول مرة معبودي إدوار الخراط، كان كتلة من الصدق، والتلقائية، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب،

وهناك التقيت لأول مرة بروائي عربي كبير طلب مني أن أشتري له عشرين نسخة كتاب له في دار نشر ما، حيث إنه كان خجلانًا، وحين طلبت منه أن يعطيني فلوسًا ثمن كتبه، قال لي: ادفع أنت وأنا أرسلها لك حوالة لاحقًا،

والغريب أنه لم يتذكر اسمي حين نادى عليّ، تركته وتركب رواياته القادمة ومضيت، ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب في الإمارات،

وهناك التقيت رسامًا شهيرًا جدًا، خطف قلبي بتواضعه وخجله، كان يتعثر في طريقه ويعتذر للكراسي، ومعرض الرباط الدولي للنشر والكتاب في المغرب،

وهناك رأيت لأول مرة الجميل محمد برادة، كان قمة في الأصالة والبساطة والأخلاق، ومعرض تونس الدولي للكتاب في تونس، الذي تعرفت فيه على شاعر تونسي شهير جدًا، اختراني بشكل عشوائي، وطلب مني دون أن يعرف اسمي أن أطلب منه بإلحاح قراءة قصيدة معينة ليبهر بها فتاة كان يتصيدها، في سهرة أصدقاء.

وفي معرض وجدة في المغرب قابلت الشاعر والناثر العظيم اللبناني عيسى مخلوف، حيث كان هو نفسه بصوته وعمقه وسعة قلبه وجمال روحه وكرمها، الذي قرأت له كتابه الفاتن «رسائل إلى الأختين».