ما أكثر القادة.. وما أقلّ القيادة!
الثلاثاء / 17 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:40 - الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 22:40
وتكشف الأرقام حجم الهوّة بين ما يقال على منبر الأمم المتحدة وبين الواقع فقد سجّل برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات 65 نزاعا تكون الدول طرفا فيها خلال عام 2025، وهو أعلى رقم منذ 1946، بينها 13 حربا بالمعنى الكامل.
ولم يتبنَّ مجلس الأمن في العام نفسه سوى 44 قرارا وهذه أقل حصيلة منذ عام 1991. تدخل الحرب في أوكرانيا عامها الخامس، والسودان ينزف بعيدا عن الكاميرات، وغزة معلّقة بين هدنة وأخرى دون أن تتوقف فيها جرائم الإبادة، ودفع الخليج العربي هذا العام ثمن حرب لم يخترها. تبدأ الحروب في كل مكان بكثير من السهولة ولكن من النادر أن تنتهي أو تتبدد آثارها.
أما قادة اليوم فإنهم يتحركون في مؤسسات ورثوها منهكة. يقول استطلاع أجراه مركز بيو الأمريكي للأبحاث في النصف الأول من العام الجاري إن 54% من مواطني 16 دولة غنية غير راضين عن أداء ديمقراطياتهم.
ووجد مقياس إيدلمان للثقة أن 32% فقط من المستطلَعين حول العالم يتوقعون أن يعيش الجيل القادم حياة أفضل. وحين يتوزع برلمان على ثلاث كتل متناحرة، يحكم أي رئيس وزراء، مهما بلغت موهبته، بأغلبية مستعارة وعمر افتراضي قصير. جزء كبير مما نسميه ضعف القادة هو في حقيقته ضعف الأدوات التي بين أيديهم.
ووضع التقرير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقدمة هذا الاتجاه، مقرا بأن أسلوبه انتزع مكاسب وحرّك ملفات أصابها الجمود، قبل أن يطرح المسألة الأهم: هل يمهّد الهدم لبناء أفضل، أم يترك وراءه أرضا خالية تتنازعها الصفقات ومصالح الأقوياء؟
كم عاصمة كبرى تستطيع أن تقول لشعبها إن السلام في أوكرانيا لن يأتي دون تنازلات مؤلمة، وإن وقف الحرب في غزة يمر عبر الضغط على الحليف قبل الخصم؟ الجواب معروف، وسببه معروف أيضا: القائد الذي يسمّي الثمن يخسر الانتخابات التالية، والذي يخفيه يخسر الحرب التالية. وفي هذه المعادلة يؤثر أغلب الساسة الخسارة المؤجلة على الخسارة العاجلة، فتُرحَّل الأزمات من ولاية إلى أخرى، وتدفع الشعوب في النهاية الثمنين معا.
إذا غابت القيادة في الخارج، فعلى دول الإقليم أن تبني بنفسها ترتيبات أمنها واقتصادها، وأن تتفاهم على الحد الأدنى الذي يمنع تحويل أرضها ساحة لحروب الآخرين. أما أزمة القيادة العالمية فستطول ما دامت الجماهير تنحاز إلى من يعدها بحلول بلا ثمن، وتنصرف عمّن يصارحها. والمنطقة التي تنتظر انتهاءها ستنتظر طويلا.