في فضاء المهرجان المسرحي الجامعي لجامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أنطلق في محافظة ظفار من 22 الشهر الجاري ويختتم فعالياته اليوم؛ كان للمسرح حكاية جديدة في هذه المدينة المتجددة الحاضنة للفنون والإبداع والابتكار. وجاء المهرجان بعد أيام قليلة من إسدال الستار على الدورة الثانية لمهرجان ظفار الدولي للمسرح.
جاء تنظيم المهرجان في إطار التعاون الثقافي والشبابي الذي ترعاه الأمانة العامة لمجلس التعاون، وحرصها على دعم الأنشطة الطلابية المشتركة، وتعزيز التبادل الثقافي والإبداعي بين جامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول المجلس تحت شعار: «يوحّدنا الإرث ويجمعنا المسرح».
يذكرنا الشعار بكلمات أغنيتين خالدتين في وجدان مجتمعات الخليج العربي: الأولى «مصيرنا واحد» للشاعر عبداللطيف البناي والملحن مرزوق المرزوق من الكويت، وغنتها فرقة التلفزيون للفنون الشعبية الكويتية، والثانية «أنا الخليجي» التي غناها كل من الفنانين عبدالكريم عبدالقادر وعبدالمحسن المهنا ونوال. وقد أُنتجت الأغنيتان في ديسمبر 1984م من قبل وزارة الإعلام الكويتية بمناسبة انعقاد القمة الخليجية الخامسة في الكويت.
حرص المهرجان على تحقيق ستة أهداف، أهمها من وجهة نظري هدفان: «تنمية الوعي بقضايا المجتمع من خلال المسرح، وترسيخ دوره بوصفه أداة للتثقيف والتنوير، وبناء جمهور يقدّر المسرح الهادف ورسائله الإنسانية»، و«توظيف المسرح في تعزيز المعارف والمهارات والقيم، وترسيخ الوعي والهوية والانتماء، وتنمية الإبداع وأثر المسؤولية المجتمعية لدى الشباب».
فهل نجحت العروض المسرحية الجامعية في إبراز هذين الهدفين؟ وإلى أي مدى نستطيع القول بقدرة المهرجان على رفع مستوى الوعي بقضايا المجتمعات، وتعزيز الهوية في ظل غياب مؤشرات موثقة يمكن الاحتكام إليها؟
إن محاولة الإجابة عن السؤالين تنطلق من مستويين: الأول يتعلق بالجامعات التي أُعلن عن مشاركتها وتلك التي شاركت فعليًا، والثاني يتعلق بالعروض المسرحية نفسها، ومضامين القضايا التي تناولتها، والطرائق الإخراجية التي اشتغل عليها المخرجون الشباب.
أُعلن أن الجامعات المشاركة هي جامعة البحرين، وجامعات الملك سعود والملك خالد والإمام محمد بن سعود الإسلامية من المملكة العربية السعودية، وجامعة السلطان قابوس وجامعة التقنية والعلوم التطبيقية من سلطنة عُمان، وجامعة الكويت، وجامعة قطر. فعليًا اعتذرت عن المشاركة جامعات البحرين والسلطان قابوس وقطر. أما العروض المشاركة فقدمت جامعة الكويت مسرحية «شاعر على القمر» للأديب توفيق الحكيم، وإخراج نصار عادل مشاري.
وقدمت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مسرحية «المدير هو المدير» تأليف محمد بن ريس الريس وإخراج فيصل بن أحمد بن جميعة. بينما شاركت جامعة الملك سعود بعرض «الحالك؟!» تأليف محمد عبدالقوي وإخراج حمد الصالح، وقدمت جامعة الملك خالد مسرحية «وجهًا لظهر» للكاتب السوري نور الدين الهاشمي، وإخراج معاذ الخميس. أما جامعة التقنية والعلوم التطبيقية فقدمت عرض «حياة من ورق» المستوحى من قصة للكاتب سليمان المعمري،عالجها دراميًا سعد بن عماد الوهيبي، وأخرجها المعتصم بن صالح الرواحي.
يدرك المشاهد للعروض المشاركة أنها عروض لطلبة غير محترفين، وأن خبرتهم بالمسرح قد تكون مقتصرة على معلومات قرأوها، أو مسرحيات شاهدوها، أو فنانين معروفين تأثروا بهم. ويأتي قبل هذا كله الموهبة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي لخلق كاتب أو مخرج أو ممثل؛ فالحاجة إلى العلم والدراسة والتخصص ضرورة للعمل في الفن.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تحصيل الثقافة المسرحية في جوانبها الواسعة لا يتحقق بالتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو بالدخول في مجموعات «واتساب» وغيرها. فالقراءة الجيدة والمستمرة في أمهات الكتب المؤسسة للمسرح لا ينبغي تجاوزها أو القفز عليها.
إن القراءة فعل شاق، لكنها منطلق تأسيسي؛ فالمسرحي الذي يقرأ شكسبير، على سبيل المثال، يستطيع في أثناء كتابته للمسرح أن يتعرّف إلى الآلية التي أدخل بها شكسبير تقنية التمثيل داخل التمثيل، قبل أن يشتغل عليها بيراندللو، على سبيل المثال، في «ست شخصيات تبحث عن مؤلف». فلا غنى عن القراءة المدرَّبة التي يصقل بها المؤلف والمخرج والممثل أدواته.
في العرض الأول «حياة من ورق»، قدم الممثلون قصة ذات أبعاد إنسانية تسلط الضوء على حياتنا التي تتحكم فيها سلطات الأسرة والمجتمع والوظيفة. وفجّر العرض طاقات واضحة في التمثيل والإخراج، لكن سؤالًا ينبغي طرحه والالتفات إليه: لماذا اختار المُعد قصة تنتهي فيها حياة شخصية البطل باللجوء إلى الانتحار؟ هل الانتحار هو الحل المناسب لمواجهة ضغوط الحياة؟ وما تلك الضغوط الاجتماعية التي لا تجد الشخصية إزاءها حلًا سوى الانتحار؟
وفي العرض الثاني «المدير هو المدير» تشترك في تقديم النسخة العاشرة للمسرحية عدة مسميات: «فكرة وإخراج»، و«التأليف»، و«السيناريو والحوار»، و«تطوير النص»، ثم «كاتب مشارك». وتكشف هذه المسميات عن ورشة لكتابة المسرحية. تناول العرض قصة بسيطة قدمها شباب واعدون وتقنية تبديل الأدوار.
الضعف في التقديم بدأ من النص الذي غابت عنه أسس البناء المسرحي؛ إذ يرغب أحد الموظفين في تسلية مديره في مكتب للمحاماة، من دون مسوغات درامية مقنعة، ثم ما يلبث الأمر أن ينتهي بمؤامرة يحوكها الموظف تمكّنه من الوصول إلى كرسي المدير. وبين البداية والنهاية لا يتطور الصراع بما يكفي لتبرير هذا التحول في الشخصية ومسار الحدث.
أما العرض الثالث «وجهًا لظهر» فيُحسب للمُعد قيامه بتغيير العنوان الأصلي للمسرحية «الطريق والذئب». فالهدف من تغيير العنوان لم يكن محصورًا، كما ذكر المُخرج، في أن فرقة سعودية سابقة قد شاركت بالعرض في الدورة الأولى من مهرجان ظفار الدولي للمسرح عام 2024 ضمن مسار المسرح الثنائي، بل إن تغيير العنوان يوسع دلالة الوجه والظهر، وينقل مركز الدلالة إلى علاقة الشخصيتين وإلى المفارقة النهائية، تحديدًا، في النص المكتوب.
ولم يكتف المخرج بتغيير العنوان، بل غيّر نهاية العرض عندما وضع الشخصيتين في هيئة «وجهًا لظهر»، ثم سَمع الجمهور صوت طلقات رشاشين، وأُغلقت الإضاءة بالكامل، من دون أن يعرف المتفرج أن كانت الطلقات قد أُطلقت في الفضاء أم قتل كل منهما الآخر. وقد نجحت هذه النهاية في فتح باب الأسئلة وتباين التأويلات والآراء.
وفي العرض الرابع «شاعر على القمر» محاولة لتقديم مغامرة في مسرح الخيال العلمي. ويُعد توفيق الحكيم من المسرحيين القلائل الذين تناولوا هذا النوع من المسرح في عالمنا العربي. أما الفنان نصار مشاري، المعروف بنصار النصار، فهو مؤلف ومخرج وسينوغرافي، وله أعمال مسرحية مميزة سبق لي أن شاهدت بعضها، ومنها عرض «عبر الأثير» الذي قدمه عام 2016.
يتحدث «شاعر على القمر» عن ثلاثة رواد فضاء يصعدون إلى سطح القمر، ويلتقي الشاعر هناك كائنات لا تظهر إلا له، فيجري الحديث عن ضرورة الحفاظ على القيم الإنسانية، ومواجهة الشر الذي يحيط بالعالم، والماديات التي تسجن روح الإنسان. وينتهي النص بانتصار قيم الخير والعلم في فضاء عالم تتنازعه قوى السيطرة والقوة والبطش.
وفي العرض الخامس «الحالك؟!» تتضح منذ العنوان صيغة السؤال الاستفهامي التعجبي. فإذا نطقها اللسان أدرك السامع أنها دعوة استفزازية مبطنة لفتح حوار قسري غير مرغوب فيه، تُدفع الشخصية الهادئة إليه دفعًا.
يقوم النص المُعد على استلهام بنية مسرحية «قصة حديقة الحيوان» للمؤلف إدوارد ألبي، أحد أبرز المسرحيين الأمريكيين في القرن العشرين.
ويعيد المُعد إنتاج بنيتها الدرامية، ومسار حدثها الرئيس، وشخصياتها، ووحداتها المفصلية، بينما يتركز فعل الإعداد أساسًا في توطين اللغة والبيئة والشخصيات، وإضافة إشارات ثقافية واجتماعية معاصرة؛ كاستبدال نيويورك بالرياض، وبيتر بثابت، وجيري بطارق، والتلفزيون بالسنابات والمنصات، فضلًا عن التغييرات المتعلقة بالأسرة والحيوانات.
ويبدو التوطين هنا أوضح من إعادة بناء الحكاية دراميًا، وهو ما يطرح سؤالين نقديين مهمين: ماذا أضاف المُعد إلى ألبي غير التوطين؟ وهل أنتج هذا التوطين دلالة جديدة، أم اكتفى بإلباس البنية الأصلية بيئة محلية؟
وفي السياق نفسه يظل السؤال قائمًا: لماذا غاب النص المسرحي السعودي الأصلي؟ ولماذا اختار الطلبة نصوصًا وقضايا تبدو بعيدة، في بعضها، عن واقعهم الجامعي والاجتماعي المباشر؟ ولماذا جنح بعضهم إلى تناول مسائل فلسفية كبرى قبل اختبار ما يحيط بهم من أسئلة اجتماعية وثقافية يمكن للمسرح الجامعي أن يلتقطها ويعيد مساءلتها؟
أما لغات الإخراج فقد تفاوتت بصريًا من حيث عمق الاشتغال أو سطحيته؛ فشاهدنا عرضًا أقرب إلى المسرح المدرسي، مقابل عروض تنبئ عن شغف حقيقي بالخشبة، ومحاولات لتوظيف آليات الذكاء الاصطناعي والسينما في تأثيث فضاء السينوغرافيا.
وهذا التفاوت لا ينتقص من قيمة التجربة الجامعية بقدر ما يكشف الحاجة إلى التدريب المكثف، وإلى وصل الموهبة بالمعرفة والتخصص والثقافة المسرحية. وإذا عدنا إلى هدفي المهرجان اللذين انطلقت منهما هذه القراءة فإن العروض طرحت بالفعل قضايا إنسانية واجتماعية وفكرية متنوعة، لكنها لم تجعل دائمًا من الواقع الجامعي والخليجي منطلقًا مباشرًا لبناء أسئلتها.
كما أن الحديث عن أثر المهرجان في «تنمية الوعي» و«ترسيخ الهوية والانتماء» يظل بحاجة إلى أدوات قياس ومؤشرات تتجاوز النوايا المعلنة.
ومع ذلك، تبقى القيمة الأهم للمهرجان في إتاحة الخشبة للطلبة كي يختبروا أدواتهم، ويخطئوا، ويسألوا، ويتعلموا؛ فالمسرح الجامعي لا يحتاج فقط إلى عروض تُنجز، بل إلى بيئة معرفية وتدريبية تجعل من كل عرض خطوة في بناء مسرحيين أكثر وعيًا بالفن وبالمجتمع معًا.