أعمدة

بناء الكيان: الدخيل الأصيل

عندما قال محمد عيد العريمي في شهادته التي قدّمها في الندوة التي خصصناها لأعماله، والتي نشرناها بعنوان «الذاتية في أدب محمد عيد العريمي»: إنه دخيل على عالم الكتابة، وإنه يتساءل بعد رحلةٍ في الكتابة طويلة: «ما الهدف من الكتابة عن تجربة شخصيّة شديدة الخصوصيّة؟ هل هي رغبة في إعادة بناء كيان جديد بآمال وأحلام جديدة على أنقاض آخر تحطم؟» تذكرتُ مقولة الكاتب التونسي محمود المسعدي الذي كان دومًا يُكرّر أنّ الكتابة هي نحتٌ لكيان وتأصيل لوجود.

إنّ شهادة محمد عيد العريمي تحملنا إلى التفكّر في معنى الأدب، وفي صلته بالذاتيّ، وفي كيفيّة تحوّل التجربة البشريّة إلى ممكنٍ حكائيّ ومشروع سردي.

لم يكن انصراف العريمي إلى الكتابة عارضًا، ولم يكن الكاتب دخيلًا ولا مُجبَرًا على تحويل تجربته إلى عوالم تُبنى عليها أقاصيص وروايات، وإنّما كان الحكيُ فيه أصيلًا، يحتاج فقط إلى قادحٍ حتى ينبعث ويتهيَأ، ولذلك، فإنّ الكاتب وُلد عندما تعطلت حركة المهندس. عوالم محمد عيد العريمي القصصية وميله إلى الكتابة بمختلف أنواعها وأشكالها يشفّ عن كاتب صامت، عن أفق في الكتابة تفرّد بتأصيل كتابة الذات، وتنويعها وفتحِ بابٍ سدّ ثغرة في المشهد الكتابي العُماني والعربيّ عامّة.

لم يكتب محمد عيد العريمي كتابةَ تَرف ولا بذخ، ولا كتابةَ مضطرّ دخيل، وإنّما اندرج إلى الكتابة بملء عزيمته، وبطاقةِ الراغب في ازديادٍ، وبأسلوب عارفٍ غير مفارقٍ لعالم الأدب. صحيحٌ أنّ العريمي يكتب ذاته، ولكنه لا يكتب كتابة تقريرية سطحية بسيطة، وإنما هو يُحوّل الذات مشروعًا للسرد.

منذ عمله الروائي الأول «مذاق الصبر»، ندركُ من العنونةِ قُدرةً على التخييل وتجاوز التسطيح، الصبر الذي يتحول إلى حياة تُشتَمُ وتُتَذوَق، يختصر الكاتب بهذا العنوان عالمًا من حياةٍ ذاتية تبدلت وتحوّلت من الحركة إلى السكون، من النشاط إلى الخمول، من العلم إلى الأدب. فسيح الأدب هو الجنة التي فتحت للذات بوْحَها، وقطَعت يأسَها وأقامت أملها.

أقام محمد عيد العريمي في أعماله الروائية عوالم حملت بصمتَه وأثره، وإنّه لمن العسير على الكاتب أن يترك علامته الفارقة. فلم نتعامل نقديًّا مع كتاباته على أنّها تنفيس كرب أو أمل مدحور، بل تعاملنا مع كتاباته نوعًا حادثًا ونمطًا مميزًا.

ففي «مذاق الصبر» و«حزّ القيد» و«بين الصحراء والماء»، يُقيم العريمي حكايته التي أدرك أنّها يجب أن تُفارق الذات ألمًا وإعاقةً، وأن تُوسِّع دائرة الحكاية لقضايا تمسّ الصلة بالوجود وبالآخر وبالأنا، وبذلك، خرج الكاتب من حرفية الألم ومن الكتابة المناسبة، إلى فضاء رحيب من السرد، يبعث شخصيات مبتكرة ويُحمِّلها وزره، ويُحرّكها في فضاءات مرجعيّة جامعًا بين التخييل أفقًا لازمًا في الكتابة السرديّة والمرجع سببًا متينًا في الكتابة السيرية، فسار بذلك على سراط السرد الخطير، الإحالة المرجعيّة دون الوقوع في المطابقة والعينيّة والسطحيّة والإخبار، والتخييل القصصي دون الوقوع في التجنيح والتهويم.

لقد رحل محمد عيد العريمي جسدًا وبقي روحًا وكتابًا، يُذكَر ويُقرَأ في كلّ مناسبة وحين، لم يرتضِ العريمي أن يُحرَم من الحركة ومن الحياة معًا، فأراد نحت كيانه باللّغة، وعمل على مقاومة العجز بفسيح الخيال، وعلى استبدال ملازمة كرسيّه بارتحالٍ في عوالم القصص لا حدّ له، تَرْجَم كي يقترب من أعمال أحبّها ومال إليها، ورشّح للتعريب «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، جازمًا أنّ أغلب الترجمات قد ظلمت روح العمل، وكتب المقال، واقتنع بأنّ عالم السرد أوسع وأرحب من العالم العيني المادي، فسكن الكتابة وأوْجَد حياةً مليئة يعيشها وحيوات فسيحة يبعثها.

لمحمد عيد العريمي يقين راسخ أنّ «الإنسان أمام المصيبة بين خيارين: إما الاستسلام والانهيار، وهذا لن يغير من الواقع شيئًا، وإما المقاومة، وهو الخيار الوحيد الذي يمنح الحياة المتبقية معنى وقيمة»، وقد ارتضى أن يمنح لحياته قيمة ومعنى وجمالًا، وألّا يعيش حياته ويمضي وإنّما أن يترك في تاريخ البشرية أثرًا باقيًا راسخًا.