أعمدة

الأمان خارج الوظيفة

خلال الأسبوع الماضي، التقيت عددًا من الخريجين الجدد الباحثين عن فرصتهم الأولى في سوق العمل. وكان هناك سؤال يتكرر في ذهني، وأحيانًا أطرحه على بعضهم: لماذا تفضلون التقدم إلى وظيفة في القطاع الحكومي، بينما يمكن لبعضكم، بما يملكه من مهارات وقدرات، أن يفكر في تأسيس مشروعه الخاص أو العمل بشكل مستقل؟

كانت الإجابات متشابهة إلى حد كبير. الوظيفة الحكومية، في نظرهم، تعني الأمان. قد يكون راتبها أقل، وقد لا تحقق دائمًا الطموح المهني الذي يبحث عنه الخريج، لكنها تبدو أكثر استقرارًا وأقل عرضة للمخاطر والتقلبات التي قد يواجهها في القطاع الخاص أو عند تأسيس مشروع خاص.

لم تكن الإجابة مفاجئة؛ فالأمان، سواء في الحياة أو في الوظيفة، مطلب بشري يميل إليه الإنسان لما يوفره له من طمأنينة واستقرار، في حين ترتبط المخاطرة أو المغامرة دائمًا باحتمالات غير مضمونة قد تحمل النجاح، لكنها قد تحمل أيضًا الخسارة وعدم اليقين. ولهذا يكون الميل إلى الخيار الأكثر أمانًا أمرًا مفهومًا، خصوصًا عندما يتعلق القرار بمستقبل مهني والتزامات تمتد لسنوات.

وفي حالة الباحث عن عمل، لا يخرج تفضيل الوظيفة الحكومية عن هذا الشعور الفطري بالأمان. فهو عندما يفكر في مستقبله وما قد ينتظره من مسؤوليات أسرية والتزامات مالية، قد لا يحبذ تعريض نفسه لمخاطر عدم استقرار الوظيفة أو انقطاع الدخل. ويزداد هذا الشعور كلما استدعى عقله أخبار من فقدوا وظائفهم أو سُرّحوا من أعمالهم، تحت مبررات الربح والخسارة أو إعادة الهيكلة أو تقليص المصروفات وتغير ظروف السوق.

ويبدو هذا الميل واضحًا في الطريقة التي ينظر بها كثير من الباحثين عن عمل إلى مستقبلهم المهني. فالوظيفة بالنسبة إليهم ليست مجرد مصدر دخل، بل إطار أكثر وضوحًا للحياة المقبلة؛ راتب منتظم، وحقوق معلومة، ومسار يمكن توقعه إلى حد كبير.

وفي المقابل، يظل العمل الحر أو تأسيس مشروع خاص مرتبطًا بدرجة أكبر من عدم اليقين، سواء في حجم الدخل أو استمراريته أو القدرة على تجاوز تقلبات السوق. ولهذا يصبح اختيار الوظيفة الأكثر استقرارًا مفهومًا، حتى عندما تكون أمام الشاب فرصة قد تبدو أكثر دخلًا أو أوسع من حيث الطموح.

الجانب الآخر المشرق في معادلة الوظيفة العامة ووظيفة العمل الحر، أن الأرقام المنشورة أشارت إلى أن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المسجلة لدى هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بلغ 130 ألفًا و359 مؤسسة بنهاية عام 2025، وهو رقم يعكس نموًا واضحًا في هذا القطاع، ولا يمكن فصل هذه الأرقام والارتفاع الحاصل فيها، عما تقدمه الحكومة من حوافز وتشجيعات، سواء من خلال برامج دعم الأجور، وإتاحة الفرصة لهذه المؤسسات للمنافسة على بعض المناقصات والعقود الحكومية، أو عبر الإعفاءات والتسهيلات وبرامج التمويل والتدريب والاحتضان.

وقد أسهمت هذه السياسات في تشجيع كثيرين على تأسيس أعمالهم الخاصة ووفرت بعضًا من الأمان الذي كان مفقودًا لدى صاحب العمل، كما وفرت قدرًا أكبر من الأمان الوظيفي للعاملين في هذه المؤسسات أيضًا.

غير أن هذا الأمان يظل مرتبطًا بقدرة المؤسسة على الاستمرار والحصول على الأعمال والعقود ومواجهة المنافسة وتغير الطلب وتقلبات الأسواق والتكاليف العالمية.

وقد تكون وطأة هذه التحديات أكبر في الاقتصادات الصغيرة؛ حيث يضيق حجم السوق وتشتد المنافسة على الفرص المتاحة، لكنها ليست حالة عمانية خالصة؛ فرائد الأعمال في مختلف دول العالم يواجه المخاطر نفسها، ويظل نجاح مشروعه واستمراره مرتبطين بالسوق وقدرته على المنافسة والتكيف.

ولهذا قد يجد بعض أصحاب المهارات أو العاملين في هذه المؤسسات أن الوظيفة الثابتة، وإن كانت أقل دخلًا أو طموحًا، تمنحهم استقرارًا أكبر من طريق تتغير فرصه ونتائجه مع كل تحول في السوق.

لكن الطريق إلى جعل العمل الحر خيارًا أكثر أمانًا لا يزال يمر عبر عدد من العقبات. فهناك من جهة تحديات تتعلق بتمكين رواد الأعمال وإعطائهم مساحة أكبر للمشاركة في المشاريع والعقود، وفتح الأسواق أمامهم بصورة أكثر اتساعًا وعدالة.

ومن جهة أخرى، هناك تحديات لا ترتبط بالبيئة المحيطة بالمشروع بقدر ما ترتبط بصاحب المشروع نفسه؛ فليس كل من يملك فكرة جيدة يمتلك بالضرورة الخبرة الإدارية أو المالية أو الفنية التي تساعده على إدارة موارده، وضبط تكاليفه، وبناء فريقه، والتعامل مع مراحل النمو والتعثر.

وهنا يمكن أن يكون الدور أكبر للجهات المعنية بريادة الأعمال والتمويل والتدريب والاحتضان، ليس فقط في مساعدة صاحب المشروع على البدء، بل في مرافقته خلال السنوات الأولى التي تكون عادة الأكثر حساسية في عمر أي مشروع.

وبعض هذه البرامج موجود بالفعل، لكن قيمتها الحقيقية تظهر حين تنتقل من مرحلة التشجيع على تأسيس المؤسسة إلى مساعدتها على الاستمرار والنمو.

فالأمان الذي يبحث عنه الموظف في الوظيفة يمكن أن يبحث عنه رائد الأعمال أيضًا في بيئة أعمال تمنحه فرصة عادلة، ودعمًا عمليًا، وأدوات تساعده على إدارة مشروعه بكفاءة. وعندما يشعر صاحب العمل الحر بأن الطريق، رغم ما فيه من مخاطرة، ليس طريقًا يسير فيه وحده، فقد تصبح ريادة الأعمال بالنسبة إلى مزيد من الشباب خيارًا واقعيًا، لا مجرد مغامرة.