ثقافة

بين ضفّتي الرملة.. انطباعات من الملتقى الفلسفي الخليجي الأول

 

تبدأ الفلسفة بالدهشة كما يقول أرسطو، وقبله قالها أفلاطون على لسان سقراط. غير أن الدهشة التي يقصدانها ليست دهشة من يرى شيئا غريبا؛ بل دهشة من يرى المألوف كما لو أنه يراه لأول مرة. ميرلوبونتي حين بحث عن أفضل وصف للمنهج الفينومينولوجي كله؛ لم يجد أفضل من عبارة أويغن فينك؛ التلميذ المبرّز لهوسرل: إنه الدهشة أمام العالم.

أقول ذلك لأني ذهبت إلى الرياض لأتحدث عن الفلسفة؛ فإذا بي أعيش شرطها الأول؛ الدهشة. لم يكن في الرحلة ما هو غريب فعلا: بلد جار، ولسان واحد، ووجوه تشبه وجوهنا. ومع ذلك عدت بحقيبة من الدهشات الصغيرة؛ أحاول هنا أن أفتحها على مهل.


المناسبة هي الملتقى الفلسفي الخليجي الأول، الذي نظّمته الجمعية الفلسفية السعودية بالتعاون مع مركز سرد الثقافي؛ يومي الجمعة والسبت (18 و19 سبتمبر)، تحت عنوان «الفلسفة والوجود المعاصر». شاركت فيه (19) ورقة في خمس ندوات؛ من المملكة والكويت والبحرين وعُمان. بيننا وبين الرياض تمتد تلك الصحراء التي تسميها الخرائط الربع الخالي، ويسميها أهلها ببساطة «الرملة». نتصورها عادة فاصلا؛ غير أني اكتشفت أن للرملة ضفتين مثل أي نهر، وأن بينهما حركة لا ننتبه لها. أكثر من مثقف سعودي حدّثني عن كتّاب عُمانيين يتابعهم؛ زهران وجوخة واليحيائي وبشرى.

بعضهم عبّر عن حزنه لفقدان خميس العدوي، وبعضهم كلّمني عن دار الفلق ودار عرب، وعن إصدارات ونقاشات تدور في مسقط كنت أظنها شأنا محليا. بل إن أحدهم، ونحن نتبادل أرقام الهاتف، وجد رقمي محفوظا لديه؛ لا أتذكر متى ولا كيف. وهذه مشكلة في ذاكرتي لا أكثر؛ ولكنها جعلتني أسأل: هل نحن نتشاطأ فعلا ضفّة واحدة من الصحراء؟
التنظيم والانتباه لأدق التفاصيل كان ملاحظا فعلا؛ يليق بما يُراد الارتقاء بصورته الذهنية؛ وهو الفلسفة.

ما لا يقل عن خمسة أشخاص تواصلوا معي للاطمئنان على الوصول وسير الأمور؛ بينهم د. عبدالله المطيري نفسه، رئيس مجلس إدارة الجمعية، وأ. غادة غوث مديرتها التنفيذية، وأ. مالك آل فتيل، المفكر والمترجم والعضو بالجمعية. ولكن ليس هذا ما أدهشني، ما أدهشني هو طاولة العشاء؛ فالمطيري وهو من أبرز المشتغلين عربيا بفلسفة الضيافة، له فيها كتاب «فلسفة الآخرية» الذي ينتهي عنوانه ببهجة الضيافة، وله حوار كامل حولها على اليوتيوب مع سليمان الهتلان. وإذا بي أجالسه على الطاولة نفسها، وهو يعرّفنا بنوع من الرطب المتأخر حرصت والدته الكريمة -حفظها الله له- على أن يكون جزءا من ضيافتنا. في مطعم! لم أكن أتوقع أن أجد ذلك النوع من الرطب هناك، ولم يكن في قائمة الطعام أصلا.


وهنا الالتفاتة، المطعم ضيافة لها فاتورة؛ أي ضيافة مشروطة لو استعرنا تفريق دريدا. أما الرطب فجاء من خارج الفاتورة؛ من بيت، ومن أمّ، ومن موسم يوشك أن ينتهي. كما لو أن البيت أصرّ على أن يدخل المطعم؛ ليذكّر بأن الضيافة لا تُشترى. ليفيناس يجعل استقبال الآخر بداية الأخلاق كلها، وأظن أني فهمت ذلك بحبة رطب أكثر مما فهمته من الشروح.


كنت المشارك الوحيد من سلطنة عمان، ومع الدشداشة والمصر؛ لا تحتاج وقتا طويلا حتى تصبح لافتًا للانتباه. كثيرون أرادوا أن يسرقوا لحظات بين الجلسات ليسألوا عن عُمان وأهل عُمان. جئت لأتحدث عن الفينومينولوجيا؛ أي عن الأشياء كما تظهر لنا، فإذا بي أنا الظاهرة. وقد أشعرني ذلك بالغبطة وسلامة الروح؛ أن يثير زيّ ما كل هذه المشاعر النبيلة لدى الآخرين. الزي لا يقول شيئا، ولكنه يفتح الحديث.


وعلى ذكر الزي، ثمة مشهد آخر ما زال يثير في نفسي شجونا؛ أن تجلس في القاعة لتستمع إلى أستاذة أكاديمية منقّبة وهي تقدّم طرحا فلسفيا محكما؛ فتستمتع به وتستفيد منه وتدوّن خلفها الملاحظات. المشهد بالنسبة لي غير معهود، ولا أخفي أنه أربك شيئا من تصوراتي الجاهزة. ليس الأمر في النقاب نفسه؛ بل في حرية العقل.

فالشعور بالحرية والانطلاق في الآفاق لا علاقة له بالزي الذي ترتديه، فضلا عن أن تكون له علاقة بكونك رجلا أو امرأة. وإذا كان ليفيناس يعلّمنا أن وجه الآخر ليس ملامحه؛ بل ما يخاطبنا منه ويطالبنا بالإصغاء، فقد كان الخطاب في تلك القاعة حاضرا بكامله.


ثماني أوراق من التسع عشرة قدّمتها سيّدات. قد يقال إن في الاختيار تحيزا من هنا أو هناك؛ ولكن أن يوجد هذا العدد أصلا من المشتغلات بالفلسفة في الخليج هو في حد ذاته لافت. والأهم عندي شيء آخر؛ فلم ألحظ فيما تابعت تلك النزعة التي تحاصر اهتمامات المرأة الفيلسوفة، في كثير من بقاع العالم؛ داخل قضايا المرأة وحدها.

كانت الأوراق عن الرأسمالية الرقمية والهوية والتربية والسايبورغ والذكاء الاصطناعي والكتابة، وحتى الورقة الوحيدة التي حضرت المرأة في عنوانها كانت عن سؤال الكمال. وهذا يذكّر بأمر يكاد يُنسى؛ وهو أن الدافع الأقدم للحركة النسوية ربما كان تجذّر التحيز ضد المرأة. فحيث يحضر ذلك التحيز تشتغل المرأة بالدفاع عن مكانها قبل أي سؤال آخر. ولا يبدو لي أن ذلك محرك حاضر في مشهد الاهتمام الفلسفي لدى المرأة في خليجنا العربي. هن مشغولات بالأسئلة نفسها التي تشغل الرجال.


الجلسات الخمس للملتقى جاءت عناوينها أسئلة: «العالم يتغيّر. ماذا نفعل؟»، «ما الذي لا يزال ممكنا؟»، «من يتحدى من؟»، «ماذا بعد؟»، «أين نحن؟». ولو رسمتُ خريطة لاهتمامات الفلسفة خليجيا من خلال الأوراق؛ لوجدت نحو اثنتي عشرة ورقة تدور حول الإنسان والآلة: الخوارزميات والخبرة الإنسانية، تشيّؤ المعنى، ما بعد الإنسانية، الإبداع بين الذات والخوارزمية، الفن بين البشري والمولَّد، بل وسؤال صريح: لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى الفلاسفة؟ وهناك من استدعى التراث لفهم الراهن؛ كقراءة الأخبار الكاذبة بنظرية المعرفة عند الغزالي، والتي قدّمها د. مسفر الحياني من الكويت.

ومن انطلق من المكان؛ كالبداوة بوصفها وجودا أصيلا، والتي قدّمها د. شتيوي الغيثي الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ومن أراد الفلسفة ممارسة؛ كالاستشارة الفلسفية، وهو حقل جديد تماما وقد تخصص فيه د. حمد الريّس من البحرين، ناهيك عن موضوعات الحداثة والأنسنة. كما لو أن الفلسفة في الخليج تدخل من باب الراهن، لا من باب تاريخ الفلسفة. لا أحد تقريبا جاء ليشرح فيلسوفا. الجميع جاء بسؤال يعيشه.


ورقتي كانت بعنوان «البيانات الفينومينولوجية الضخمة: نحو فهم للخبرة الإنسانية في عصر الخوارزميات»، وهو عنوان كشفتُ بداية عن التوتّر داخله. فالفينومينولوجيا، في أبسط صورها، إصغاءٌ إلى الخبرة كما يعيشها صاحبها؛ خبرة مفردة، متجسدة، لا تنفصل عن سياقها. والبيانات الضخمة تقف على الطرف الآخر تماما؛ أرقام تُجمع من الملايين، وتُنزع من سياقاتها لتُقرأ أنماطا واتجاهات.

الساعة الذكية في معصمك تعرف أن نبضك تسارع عند التاسعة مساء، لكنها لا تعرف إن كان ذلك خوفا أم شوقا. ومن هذه الفجوة بالذات انطلقت الورقة.

وما حاولته في عشرين دقيقة هو أن أسأل: هل يمكن للبيانات أن تحتفظ بأثر الخبرة التي صدرت عنها؟ واقترحت لذلك خصائص خمسا؛ أن يكون منشؤها خبرة معيشة، وأن تقبل الاستحضار من جديد، وأن تحمل جسد صاحبها وسياقه، وأن تعي ماديتها، وأن تبقى سلطة تأويلها بيد من عاشها لا بيد الخوارزمية. ولا أخفي أن هذه الخصائص تكاد تلغي صفة «الضخمة» من الاسم؛ فالمصالحة بين الطرفين لم تكتمل بعد، بل ربما كانت الورقة كلها إعلانا عن مشكلة أكثر منها حلا لها.


وهنا جاءت الأسئلة لتفعل ما لم تفعله الورقة. د. عادل الزهراني سأل: كيف نغيّر مفهوم البيانات في ظل الفينومينولوجيا؛ والبيانات هي أصلا شكل ظاهراتي؟ وهو سؤال يضرب في الجذر؛ فكلمة data في أصلها اللاتيني تعني «المعطى»، والفينومينولوجيا ليست في نهاية الأمر إلا علما بما يُعطى للوعي؛ كما لو أن الخصمين اللذين جئت لأصلح بينهما قريبان قديمان نسيا قرابتهما. أما د. شايع الوقيان ذهب أبعد من ذلك: هل المعنى ممتنع في العالم الرقمي؟ وهل يمكن استعادته دون إلغاء التقنية؟
لم تكن هذه استفسارات من النوع الذي يُجاب عنه ثم يُنسى؛ بل أسئلة تعيد فتح الورقة من مواضع كنت أظنها مغلقة. وقد كان غادامير يرى أن فهم أي نص هو فهم السؤال الذي جاء النص جوابا عنه؛ ولعل العكس صحيح أيضا، فلا تعرف الورقة ما كانت تقوله حتى يسألها أحد. جئت إلى الرياض بورقة، وأعود منها بثلاثة أسئلة ما زلت أقلّبها؛ وربما كانت هذه هي التجارة الرابحة الوحيدة في الفلسفة.

وهذه في ظني قيمة السؤال: أن يغادر القاعة معك. لم يصادفني سؤال سطحي واحد طوال الأوراق التسع عشرة؛ أقصد ذلك السؤال الذي يشي بالمسافة الشاسعة بين السائل والمسؤول. جمهور يقرأ في الفلسفة ويتابع أحدث نقاشاتها.


ولأن الحدث مهم فعلا بالنسبة للمثقف السعودي؛ فقد خرج من قاعته إلى الصحافة والمنصات. نقلت صحيفة «عكاظ» سجالا بدأ من ملاحظة للناقد د. معجب الزهراني؛ استغرب فيها أن يتصدى شبان وشابات لقضايا كبرى كالكينونة والزمن، متسائلا عن تكوينهم الفلسفي. وسانده د. محمد بن راضي الشريف بمفردة «التقميش»؛ أي جمع المصطلحات من هنا وهناك بلا نسق. ودافع طارق القرني عن الجيل الجديد؛ مفرّقا بين الحديث عن الفلسفة والحديث فيها. والملتقى الذي يختلف حوله المثقفون بهذه الحرارة هو ملتقى تمنّى كثيرون أن يكونوا جزءا منه.


لفتت انتباهي كلمة التقميش؛ وهي تشبه «التلقيط» في دارجتنا. ولا أخفي أني لو كنت من فريق تنظيم ملتقى بهذا الحجم، ثم أُلقيت الكلمة هكذا؛ فقد أنزعج. ولكني لن أتردد في القول دفاعا؛ إن التقميش فنّ يتطلب هندسة وحساسية ذوقية. وللمحدّثين القدامى وصية مأثورة: إذا كتبتَ فقمّش، وإذا حدّثتَ ففتّش. أي أن التقميش عندهم مرحلة من مراحل الطلب؛ لا تهمة. وما هو أسوأ من التقميش في رأيي؛ ألا تشارك فيه أصلا.


عدت إلى الفندق بحصيلة من ركن إصدارات الجمعية: خمسة عشر عنوانا، وبضعة أعداد من مجلتها نصف السنوية «مقابسات»؛ التي تستعير اسمها من أبي حيان التوحيدي، ويشارك فيها في الغالب أعضاء الجمعية أنفسهم. فقد وجدت على غلاف أحد الأعداد اسم شايع الوقيان مراجعا لقاموس هايدجر.

ومراجعات بين العناوين «وداعا لإيمانويل ليفيناس» لدريدا، و«الوجود والموجودات» لليفيناس بترجمة شارك فيها المطيري نفسه؛ كما لو أن طاولة العشاء تواصل حديثها على الرفوف. غير أن ما استوقفني حقا ثلاثة كتب: «أطروحات في فلسفة ودراسات الإعاقة»، و«مقدمة في فلسفة التقنية»، و«الفلسفة الإفريقية: التحرر والممارسة». اهتمامات تتجاوز تقليديات الدرس الفلسفي العربي؛ الذي دار طويلا بين اليونان وألمانيا وفرنسا والعالم الأنجلوساكسوني. هنا الجسد المختلف، والآلة، والقارة المنسية.

وربما هذه ميزة من يصل إلى الفلسفة متأخرا؛ أنه غير مضطر للبدء من حيث بدأ الآخرون.
أخيرا وقبيل موعد العودة إلى الوطن؛ رنّ هاتفي بصوت غير معتاد. لم يكن هاتفي وحده؛ بل كل الهواتف حولي، في الثانية نفسها. هو التنبيه العام الذي تعتمده دول كثيرة لحماية الناس، ويعادل صفارات الإنذار في مدن العالم: جسم معادٍ في السماء، والمطلوب الحذر والبقاء في الداخل. لا أريد أن أتحدث هنا في السياسة؛ فلها مقاماتها.

ولكني شعرت بانقباض لم أستطع تجاهله، إذ لا أريد لسماء الرياض إلا الأمان. والحروب بين الأشقاء دائما ما تكسر شيئا فينا جميعا. ونحن كعُمانيين نكنّ الحب لكل جيراننا؛ وهذا الحب هو ما اضطرني إلى أن أستدعي تاريخا طويلا مشرقا من السلام والصداقة والمشاريع المشتركة؛ فقط لأستعيد مزاجي المعتدل.


عدت إلى الضفة الأخرى من الرملة بحقيبة أثقل مما جئت بها: كتب، وأسئلة لم أجب عنها بعد، وطعم رطب متأخر. وتمنيت ألا يعبر هذه السماء بين الضفتين إلا مثل ما عبرتُ به. لا شيء أكثر.
* محمد العجمي كاتب وباحث عماني.