قبل أن ننظر
الاثنين / 16 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:01 - الاثنين 28 سبتمبر 2026 22:01
«مُرّ الكلام، زي الحسام، يقطع مكان ما يمرّ
أمّا المديح سهل ومريح، يخدع، لكن بيضرّ»
أحمد فؤاد نجم
ليس كل ما يقال رأيًا، وليس كل رأي جديرًا بأن يُسمع.
لهذا لم يكن منطلق هذه المقالات أن أطرح رأيًا في قضايا الساعة. آثرت، قبل أن أشرع في ذلك، أن أبدأ بسؤال أراه أسبق منها جميعًا: كيف نرى العالم، وكيف نفكر فيه وحوله؟
وليس السؤال ترفًا؛ فقد جرت العادة أن يوصف كل اختلاف بأنه اجتهاد، وكل قول بأنه «وجهة نظر»، كأن الآراء تتساوى لمجرد أنها قيلت. وليس الأمر كذلك؛ فليس كل اختلاف اجتهادًا، ولا كل رأي جديرًا بأن يؤخذ في الاعتبار. والرأي الذي يقوم على أصل واه، أو لا يقوم على أصل أصلًا، لا ترفعه حرارة قائله ولا كثرة القائلين به. تنطلق الأقلام، وتصدح الحناجر، بما يعتمل في الصدور قبل أن يمحّصه العقل أو يختبره الدليل.
ومن هنا كان اهتمامي بكيف نرى قبل أن أحكم على ما نرى. كتبت عن النظر، والصدق، ومعرفة الذات، والدين، والعقل المؤامراتي، واللغة، والزمن، والحداثة، وقراءة التاريخ والماضي. ولم تجتمع هذه المسائل في ذهني اعتباطًا؛ بل رشحت من رحلة طويلة تابعت فيها الناس يختلفون في النتائج، وهم قلّما يتبينون الأصول التي صدرت عنها تلك النتائج.
فإذا اختلفت المنطلقات، تعذر اللقاء وإن طال الحوار.
وقد يتكلم اثنان في شيء واحد وهما، في الحقيقة، يتكلمان في شيئين مختلفين. بل قد يعجز المرء عن فهم ما يريده هو نفسه. ونحن نعيش في زمن يسهل فيه أن يعرف الإنسان ما يرفض، ويشق عليه أن يعرف ما يريد؛ فإن عرف ما يريد، لم يعرف دائمًا لِمَ يريده.
وللجماعة في ذلك سلطان لا ينبغي الاستهانة به؛ فالإنسان يستريح إلى الرأي إذا كثر القائلون به، وكأن العدد برهان. وقد يستعير من الجماعة يقينًا لم يحصّله بنفسه، ثم يدافع عنه كأنه ثمرة نظره.
لكن كثرة المؤمنين بفكرة لا تجعلها أصدق؛ والجماعة، كما تستطيع أن تعين الفرد على المعرفة، تستطيع أيضًا أن تعفيه من مشقتها. ومن أسوأ ما تصنعه بنا أن تمنحنا أجوبة لم نسأل أسئلتها.
لهذا رأيت أن المقالات المنهجية في التفكير والنظر ضرورية، وإن كنت أقر بأنها كانت مجرّدة، ولعل بعضها كان عسيرًا على بعض القراء. كان لا بد منها لأنها تمهد لما سيأتي؛ فالصدق في الطرح وصحة التأسيس مفتاحا الحوار المنتج؛ أما الضجيج فمقدور عليه، ولفت الأنظار أيسر من إعمال العقول.
وقد أخالف رأيًا ثم أخرج منه بشيء؛ لأن صاحبه أحسن بناء حجته، أو أراني من العالم جانبًا لم أكن أراه. وقد أوافق رأيًا ولا أتعلم منه شيئًا؛ لأنه لم يفعل أكثر من أن أعاد إليّ ما أعرفه. وليست الكتابة المنتجة، في رأيي، هي التي تطلب موافقة القارئ، بل التي تزيد قدرته على النظر.
وأنا أؤمن أن علينا، أفرادًا وجماعات، أن ننطلق من أننا جاهلون بالعالم وبموقعنا فيه، لا عالمون بهما.
وليس الجهل هنا مذمة؛ إنما المذمة أن نجهل ونحسب أننا نعلم. فمن عرف جهله سأل، ومن سأل أثاره الفضول، ومن صدق فضوله بحث لا عما يؤيد رأيه، بل عما يمتحنه.
وهذا شاق؛ فالعقل شديد الحيلة في الدفاع عما ألف. يجمع من الأدلة ما يطمئنه، ويغض الطرف عما يزعجه، ثم يسمي انتصاره لنفسه بحثًا عن الحقيقة. لذلك لا يكفي أن نسأل: ما الدليل على ما أعتقد؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الذي، إن ظهر لي، يحملني على التخلي عن اعتقادي؟ فإذا لم يكن ثمة شيء، فنحن لا نمتحن فكرة، بل نحصّنها.
ومن هنا منزلة العلم عندي. لا لأنه يجيب عن كل سؤال، ولا لأن شؤون الإنسان كلها تُردّ إلى المختبر، بل لأنه أقوى ما اهتدينا إليه في اختبار دعاوانا عن العالم، وكشف الخطأ فيها وتصحيحه. فقيمة العلم ليست في أنه ألغى جهلنا، بل في أنه علّمنا كيف نكشفه؛ وليس في أنه عصمنا من الخطأ، بل في أنه جعل الخطأ قابلًا للتصحيح. وما نعرفه اليوم ليس كلمة أخيرة، بل معرفة تبقى جديرة باسمها ما دامت تقبل أن تُمتحن.
وهذا نقيض الأدلجة؛ فهي تبدأ حين يسبق الجواب السؤال، وحين لا نعود نسأل الواقع عما فيه، بل نفتش فيه عما يؤيدنا. وهي مغرية؛ لأن الشك شاق، واليقين مطمئن، والجماعة تؤنس صاحبها. أما المعرفة فلا تعدنا بالطمأنينة.
ثم إننا لا نرى العالم بأداة بريئة أو ثابتة. ندركه بحواس محدودة، ونفكر فيه بعقل محدود، ونصفه بلغة ورثناها، ونعيش في مجتمع سبقنا إلى تسمية أشياء كثيرة والحكم عليها. وهذه الأدوات نفسها تتبدل مع الزمن. فإذا تغيرت أدوات النظر، تغير شيء مما نراه؛ وإذا تغير ما نراه، تغيرنا نحن أيضًا. وإدراك ذلك وحده كاف لأن يحملنا على شيء من التواضع أمام أحكامنا.
لهذا كانت المقالات السابقة وقفة قبل الخوض فيما هو أشد التصاقًا بحياتنا. محاولة لأن ننظر في العين التي ننظر بها، قبل أن نزعم أننا رأينا.
ومُرّ الكلام، إن كان له أن يقطع شيئًا، فليبدأ بيقيننا نحن.