أعمدة

الثقافة بوصفها طريقة حياة

حين نُعوّل على الثقافة في النهوض والتغيير والتطوير فإنّا ندرك المكانة التي تمثلها في حياة الأفراد والجماعات، فالثقافة لا تتجسد فقط في الإنتاج الفني والأدبي والفكري، بل في سلوك البشر وطرق تفكيرهم وأساليب تعاملهم مع ذواتهم والآخرين.

لذلك يتعين على المشتغل بالمنتج الثقافي في مجتمعه أن يعي رسالته الثقافية، ومسؤوليته عن أثر التغيير الذي يحدثه رأيه وفكره إزاء الثقافة والمجتمع، فالتحدي الآني لا يكمن في الإنتاج الثقافي، بل في قيمة المحتوى وقوة التأثير، نظرًا لتعدد الوسائط والوسائل التي تنتقل عبرها الخطابات الثقافية، وسهولة استقبالها وانتشارها في المجتمعات.

ولفهم تلك العلاقات والأدوار نطالع كتاب «نظرية الثقافة» للمؤلفين ميشيل تومبسون (1932-2026)، وريتشارد إليس (1960)، وآرون فيلدافسكي (1930-1993)، الذي يعتبر الإصدار الأول في سلسلة كتب الثقافات السياسية التي بدأت بالظهور في بداية التسعينيات في الولايات المتحدة، وقد ترجمت سلسلة عالم المعرفة الكويتية الكتاب إلى اللغة العربية في عدد يوليو 1997، بترجمة علي سيد الصاوي (1962)، ومراجعة الفاروق زكي يونس (1929-2010).

يرى المؤلفون أن الثقافة هي علاقة تبادلية بين ثلاثة عناصر، الأول «التحيزات الثقافية» المتمثلة في القيم والمعتقدات والتصورات المشتركة، والثاني «العلاقات الاجتماعية» المتمثلة في طريقة ارتباط الناس ببعضهم. والعنصر الثالث «أنماط الحياة» المتمثل في الناتج المركب من القيم والعلاقات الاجتماعية.

يعرض الكتاب نظرية قدمها المؤلفون تسمى «نظرية القابلية الاجتماعية والثقافية للنماء»، وتقوم على خمسة أنماط حياتية، الأول النمط التراتبي ويقوم على السلطة والطاعة وتوزيع الأدوار ويتمظهر في البيروقراطية والمجتمعات المحافظة.

والنمط الثاني المساواة، وفيه ترفض السلطة الفوارق وتدعو إلى المشاركة والمساواة والجماعة. لكن تتوجس من العالم الخارجي وتُحذّر منه.

والنمط الثالث نمط ليبرالي يعتمد على المنافسة والمبادرة الشخصية والفردانية. وتقدم الفرص لمن يملك مهارة الاستثمار والانتفاع. والنمط الرابع، نمط قدري يخضع فيه الأفراد لقوى خارجية لا يمكن مقاومتها ولا تغييرها.

فيصلون إلى مرحلة الاستسلام للواقع والانسحاب منه. هذا النمط يماثل تقريبًا النمط الانعزالي، وهو النمط الخامس، ويفضل أصحابه التخلي عن أدوات السيطرة والتنافس، والبقاء خارج الصراعات الاجتماعية.

يرى المؤلفون أن الواقع الاجتماعي في تفاعل مستمر بين الفرد والجماعة، لذلك تنتج عنه عدة تغييرات نظرًا لوجود مسارات متعددة بين الأنماط الحياتية التي يضمها أي مجتمع من المجتمعات.

وقد توصل الباحثون إلى عدة نتائج منها، ألّا وجود لثقافة واحدة داخل المجتمع، بل توجد ثقافات متعددة، هذه التعددية الثقافية ضرورية لاستقرار المجتمع. إضافة إلى أن الثقافة ترتبط دائمًا بعلاقات اجتماعية وليست أفكارًا عابرة.

كذلك فإن أنماط الحياة تتنافس فيما بينها، لكنها تحتاج إلى بعضها البعض، إذ لا يستطيع أي نمط السيطرة دون إضعاف نفسه، فالمجتمعات التي تسمح بتعدد أنماط الحياة تمتلك قدرة التكيف مع الأزمات.

والخلاصة من الكتاب هي أن المجتمعات لا تستقر في ظل هيمنة ثقافة واحدة، بل بتوازن وتنافس وتفاعل بين ثقافات متعددة. لذا فإن التعددية ليست مشكلة يجب التخلص منها، بل شرط أساسي لبقاء المجتمع وقدرته على النمو والتكيف.

مهد الكتاب لمفهوم التعددية الثقافية التي تبنتها المؤسسات الدولية الثقافية كمنظمة اليونسكو، ومنظمات حقوق الإنسان، بعد موجة من العنف الأيديولوجي الذي ظهر بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وانقسام الدول في أوروبا الشرقية، وصعود أحزاب ليبرالية إلى الحكم في دول تضم بين مجتمعاتها إثنيات وقوميات لا يمكنها التعايش إلا تحت دستور يكفل لها حق التعبير عن هويتها والتمسك بثقافاتها. وقد ثبت أن التنوع مصدر ثراء وائتلاف وليس مصدر خلاف.