أفكار وآراء

الغرب يدفع العالم إلى حافة الهاوية!

بعد شن الحرب على إيران في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، ومن قبلها اندلاع حرب أوكرانيا ٢٠٢٢ لم يعد العالم كما كان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بعبارة أوضح لم تصبح البشرية على حافة الهاوية كما هي الآن مقارنة بحالها منذ ٨٧ عاما أي منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية.

ففي هذين الحربين شهدنا ما يمكن وصفه بانقلاب شبه تام على قواعد السلام في أوروبا ما بعد الحرب. وشهدنا انقلابا على قواعد النظام الدولي المعاصر الذي تأسس عام ١٩٤٥ بعد هذه الحرب وعنوانه الأمم المتحدة.

إلى حد مقنع ولكن ليس مطلقا تصلح النظرية التاريخية المعروفة Late-Stage Imperial Behavior

. وفيها تلجأ الإمبراطورية المهيمنة إلى الاندفاع نحو العسكرة والقوة الخشنة عندما تبدأ قوة صاعدة في تهديد انفرادها الأحادي بقيادة العالم في تفسير جزء من تدحرج العالم إلى أسوأ وضع أمني له منذ هزيمة النازية الألمانية والنزعة العسكرية اليابانية واستسلامها للحلفاء.

الخطر الذي يواجهه العالم الآن هو أنه منذ ٨ عقود لم تجتمع معا في نفس الوقت ودفعة واحدة هذه المخاطر التالية:

اندلاع الصراعات المسلحة في أوروبا والشرق الأوسط، وتهديد امن الطاقة، وأمن الممرات الملاحية ونقاط الاختناق البحري، وضرب التجارة الدولية، واضطراب سلاسل الإمداد الغذائية، وتباطؤ بل وركود الاقتصاد العالمي، وارتفاع مخاطر التضخم والديون وزيادة مؤشرات الانفجارات الاجتماعية الداخلية، والحروب الأهلية، وازدياد كارثة اللاجئين والنازحين، وتصاعد تحديات اندلاع حروب الحدود والمياه الكامنة.

كيف وصلنا إلى ماوصلنا إليه ؟؟

- مثل الصعود الاقتصادي الهائل للصين، ورفض روسيا بوتين أن يعني سقوط الاتحاد السوفييتي والشيوعية أن تتحول دولة كبيرة مثل روسيا إلى دولة تابعة للغرب كما حدث من قبل مع اليابان.

بعدها مثل تحالف بكين وموسكو بتشجيع الجنوب العالمي على استراتيجية نظام دولي متعدد القوى ينهي هيمنة أمريكا والغرب على العالم ما يمكن وصفه بنقطة التحول المخيفة في النظام الدولي القائم.

فالغرب المسيطر على العالم منذ أربعة قرون وبالتحديد «بعد صلح وستفاليا» ورأس حربته الولايات المتحدة خاصة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي ١٩٩١اتخذ قرارا استراتيجيا اتخذته كل الامبراطوريات على مر التاريخ هو مقاومة مشاركة آخرين لها في حكم المعمورة بكل الوسائل. الحدث الذي بلور نقطة التحول وقع في عام ٢٠١٤مع إعادة روسيا الاستحواذ على منطقة القرم.

بعدها كانت نقطة التحول التي أوصلتنا مع عوامل أخرى إلى اشتعال النار في العالم ومنطقتنا خصوصا.

وصلنا لإغلاق مضيق هرمز وتهديد إغلاق مضيق باب المندب.

في هذا القرار هدم الناتو بقيادة واشنطن ما يمكن وصفه بـ«ركائز الأمن الأوروبي والدولي» التي كرستها اتفاقيات ومعاهدات منها هلسنكي وباريس وميثاق الأمن الأوروبي.. الخ.

هذه الركائز هي: إدارة الصراع مع روسيا وليس تفجيره خاصة مع وجود الرادع النووي وتجربة التعايش والتعاون الاقتصادي والخلخلة الثقافية والقوى الناعمة وإغراء النموذج الغربي خاصة الأمريكي في تغيير هويتها الاشتراكية.

الحفاظ على وجود الدول الأوروبية المحايدة خاصة شمال أوروبا المجاورة لروسيا كضمانات أمن ضد الحرب وقنوات حوار ووساطة بين الشرق والغرب.

تحويل الحدود الأوروبية من صراعات جيوسياسية قابلة للحسم بالقوة إلى حدود سياسية وقانونية مقبولة من الجوار.

الركيزة الأخيرة والأهم كان منع تسلح ألمانيا ومنع عسكرة النزعة القومية الألمانية التي انبتّت النازية والرايخ الثاني والثالث خصوصا وتسببت في الحربين العالميتين اللتين أودتا بحياة ما يقرب من ١٠٠ مليون نسمة !!

تحول القرار الغربي نحو روسيا بعد بوتين عموما وبعد استعادة القرم خصوصا الي المواجهة بدلا من التعايش.

تم إسقاط ركيزة الحياد، وانتقلت السويد وفنلندا ودول البلطيق الثلاث لخصوم صريحين لروسيا، دججت بولندا بالسلاح، وصارت صواريخ الناتو فيها قادرة على ضرب الكرملين في دقائق.

تم إنهاء منع التسلح الألماني وضغط على برلين من قبل واشنطن لمضاعفة الإنفاق العسكري إلى نحو١١٥ مليار دولار سنويا، وسقطت سياسة برانت وشرودر في الانفتاح على الشرق، وعادت أجواء المواجهة بين موسكو وبرلين لمستويات منذرة بالخطر بل وبين موسكو ولندن بعد دعم بريطانيا العسكري الكبير لأوكرانيا.!

- انتقلت أيضا عملية التحول لسلوك المواجهة والعسكرة إلى الشرق الأوسط للحد من تصاعد نفوذ الصين عبر التعاون التجاري والتكنولوجي بل والعسكري بين بكين وكل من إيران ومصر ومعظم الدول العربية ونجاح بكين في جذب كثير منها لمشروع طريق الحرير رمز صعود الصين كقوة عالمية كبرى تنافس واشنطن.

- هنا جرت العودة الأمريكية للانخراط المباشر والدعم العسكري المكثف للحلفاء خاصة لإسرائيل واتخذ قرار نهائي بصعوبة الانسحاب أمام الصين في منطقة نفوذ تقليدية.

القرار هو لن يسمح بوجود فراغ غربي تملأه بكين حتى لو أدى ذلك لإعادة استخدام الحرب كوسيلة لابقاء السيطرة ولتأكيد الهيمنة المباشرة على الممرات الحيوية والثروات النفطية وغير النفطية للمنطقة.

- إهدار قواعد القانون الدولي وحماية الدول التي تخرقه من العقاب: استراتيجية الاحتفاظ القسري بالقيادة التي جعلت خيار الغرب هو المواجهة الخشنة مهما كانت التكاليف التي سيدفعها العالم تسببت في ازالة كوابح الحرب وموانع الاندفاع العسكري وتقليص مخاطرالاندفاع وسوء الحسابات التي كرستها قواعد النظام السياسي الدولي لما بعد الحرب العظمى الثانية.

لكن الأمر لم يقتصر على ذلك؛ فقد تم إهدار العمود الثاني الذي يقف عليه السلام والأمن العالمي وهو قواعد القانون الدولي؛ فقدت شهد العقد ونصف الأخيرتكسيرا متواليا لاحترام قواعد هذا القانون.

أشهر نموذج هنا هو حماية الدول الغربية الكبرى في مجلس الأمن الدولي لإسرائيل من صدور قرار ملزم يعاقبها على جريمتي الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في غزة والآن في الضفة ورفض تطبيق قرارت المحكمة الجنائية الدولية بالقبض على نتنياهو وعدد من قادة اسرائيل كمجرمي حرب.

في حرب إيران الحالية سُمح بانتهاك قاعدة مستقرة بعدم قتل زعماء الدولة المدنيين كما حدث في اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وفي فنزوبلا جرى اختراق آخر بعمل عسكري تم فيه اختطاف رئيس دولة من بيته.

يخير الإيرانيون الآن بشيئين اذا تم تنفيذ واحد منهما فعليا فهو جريمة حرب مكتملة الأركان: أن يتم محوها كحضارة وكبلد من الوجود او تطبيق عقاب جماعي على الشعب الإيراني بنبذ مالي وحصاربحري وجوي حتى “تتعفن اقتصاديا.”

لهذا استبدلت القوة العارية والتجبر العسكري بدلا من المفاوضات والحلول الوسط واستبدلت اللغة الدبلوماسية بين قادة العالم بعبارات مهينة تؤجج مشاعر الكراهية لم يتم تداولها ربما منذ منتصف القرن الـ١٧.

استبدل الدبلوماسيون المهنيون برجال أعمال ومصالح وتم تهميش المؤسسات لصالح الدور الفردي للزعماء ومساعديهم المقربين؛ لهذا وصلنا لعالم مدجج بالسلاح حتى أسنانه بلا قواعد قانونية.

عالم يتم فيه ترهيب الوسطاء ويصل فيه الإنفاق العسكري العالمي استعدادا لاحتمالات الحرب وعدم اليقين السياسي العام الماضي إلى أعلى معدل على الإطلاق !!

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري