رأي عُمان

عُمان ومعنى الأمن المشترك

 

بقولها إن الحرب التي شهدتها المنطقة هذا العام «كان يمكن تجنبها»، أعادت كلمة سلطنة عُمان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة النقاش إلى مسؤولية القرار السياسي عن الدماء التي أُريقت والمصالح التي تعطلت. كانت هناك خيارات قادت إلى الحرب، وتحتاج المنطقة اليوم إلى قرارات تفتح طريق الخروج منها. ويضع الإصرار العُماني على الحوار، الأطراف المعنية أمام مسؤولية منح التفاوض ما يحتاج إليه من إرادة واستعداد للاتفاق، بعد كل ما تحمّلته شعوب المنطقة من أثمان.

وتحتاج العودة إلى التفاوض إلى قدر من الاستقلال عن حسابات النصر والهزيمة التي حكمت الحرب. حين يُشترط على التسوية أن تثبت صحة قرار القتال، تضيق مساحة الاتفاق ويصبح التنازل، مهما كانت ضرورته، عبئا على صاحبه. وتستطيع الدبلوماسية أن تفتح مجالا آخر يبدأ بتحديد ما يمكن للأطراف الالتزام به الآن، ويترك القضايا الأشد تعقيدا لمسار تفاوضي متصل. ومن شأن اتفاقات محددة تحترمها الدول أن تمنحها سببا عمليا لمواصلة التفاوض، وأن تعيد بناء الثقة التي لا تكفي الدعوة إليها لاستعادتها.

وتتيح الدعوة العُمانية إلى التعاون لصون الملاحة في مضيق هرمز مجالا عمليا لهذا المسار، مستندة إلى القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واحترام مصالح جميع المستفيدين من ممرات العبور. تستطيع الدول أن تبدأ من هذه المرجعية بحث التزامات واضحة تضمن سلامة الملاحة، وتحترم السيادة والحقوق. وسيكون نجاحها في احترام ما تتفق عليه اختبارا لقدرتها على الانتقال إلى معالجة خلافاتها الأوسع، ومنع تعريض المضيق مجددا لتقلبات التصعيد.

وفي تأكيد التضامن مع دول الجوار في إجراءاتها المشروعة لحماية أمنها، وضعت كلمة سلطنة عُمان احترام السيادة إلى جانب الدعوة إلى إنهاء الخلافات. تحتاج دول المنطقة إلى الاطمئنان إلى أن التفاوض سيصون حقوقها، وأن ما تقدمه من التزامات سيقابله التزام مماثل. وسيكون من الصعب إقناع أي دولة باستدامة تسوية تُبقي أراضيها ومواطنيها عرضة للتهديد. ويقتضي الخروج من هذه المخاوف قواعد متبادلة تتوفر الإرادة والوسائل لاحترامها.

وتواجه هذه المرجعية امتحانها الأشد في فلسطين؛ حيث تقوض الاعتداءات الإسرائيلية واستمرار حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه صدقية الوعود باستقرار إقليمي. يصعب بناء الثقة بقواعد يشهد الناس انتهاكها من دون مساءلة قادرة على وقف المعتدي. وقد أعادت الكلمة تأكيد الحقوق الفلسطينية وفق حدود عام 1967 وقرارات الأمم المتحدة، كما ربطت التسوية في اليمن بوحدته واستقلاله وحقوق أبنائه وعلاقاته الآمنة مع الجوار. وعلى هذه الأسس يمكن لاتفاقات السلام أن تجد سندا لدى الشعوب التي ستعيش في ظلها.

ويمنح تأكيد الحق في التنمية هذا السند معناه في حياة الناس، وفي قدرتهم على بناء اقتصادهم وتعليم أبنائهم والتخطيط لمستقبلهم. ويستحق هذا المستقبل حماية تبدأ قبل اندلاع العنف وتمتد إلى مواجهة الخطاب الذي يهيئ المجتمعات لقبوله، وهنا تقع أهمية «خطة مسقط» لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض على الإبادة وجرائم الفظائع، وما يمكن أن تفتحه من تعاون لمنع الجريمة في المراحل التي يجري فيها تجريد البشر من حقوقهم وتبرير الاعتداء عليهم.

أمام الأمم المتحدة، دعت عُمان الدول إلى تحمل مسؤولياتها في حماية هذه الحقوق والمصالح، ويبقى على الأمم المتحدة دعم مساعي التسوية حين تتطلب تنازلات وأن تحترم القانون حين يقيّد خياراتها. وبقدر ما تنجح في ذلك، تستطيع المنظمة الدولية استعادة ثقة الشعوب بقدرتها على حماية حقوقها وإخضاع القوي والضعيف لقواعد واحدة.

وإذا كانت هذه الحرب قد كشفت حجم الضرر الذي يمكن أن يخلّفه إهدار فرصة السلام، فإن واجب المرحلة هو صون الفرصة التالية. لدى المنطقة مصالح واسعة تدفعها إلى التفاهم، ولدى العالم أسباب كافية لمساندتها، والمطلوب إرادة سياسية تمنح هذه المصالح وزنها قبل أن تفرض جولة أخرى من العنف أثمانا جديدة على الجميع.