العرب والعالم

سودانيون في الخرطوم... فرحة العودة يسلبها واقع معيشي صعب

 

الخرطوم 'أ.ف.ب':بعد فرارهم أثناء الحرب، عاد قسم كبير من سكان الخرطوم إليها آملين باستعادة حياتهم، لكنهم باتوا أمام خيار المغادرة مجددا أو البقاء على مضض، في ظل افتقارها لمقوّمات حياتية أساسية.
ترك نحو أربعة ملايين شخص العاصمة بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ويُقدّر بأن 2,7 مليون شخص عادوا بعدما استعاد الجيش المدينة العام الماضي.
لكن بالنسبة لكثيرين، زالت فرحة العودة أمام الواقع المعيشي الصعب.
من هؤلاء رجل الأعمال عماد خالد أحمد (43 عاما) الذي عادت أسرته من القاهرة قبل شهر، لكنه بات يستعد لإعادتها مجددا إلى العاصمة المصرية.
ويوضح لوكالة فرانس برس 'لا أقول إني نادم، لكن قرار عودة الأسرة كان خطأ'.
تبقى ندوب الحرب حاضرة في الخرطوم. فجسر شمبات الذي كان شريانا حيويا بين شطري المدينة، لا يزال جزء منه مفقودا منذ تعرّضه لغارة جوية. وفي وسط العاصمة، تنتشر سيارات متروكة سُرقت إطاراتها ونخر الرصاص هيكلها.
رغم ذلك، يشجّع الجيش السكان على العودة، وأعاد بناء المطار وافتتحه من جديد لتسيير الرحلات الداخلية، وبدأ بتأهيل بعض البنى التحتية.
- 'في حلقنا غصّة' -
الا أن ذلك لم يكفِ لعودة الخدمات.فالكهرباء والمياه ما زالت تُقطع لأيام متتالية، ويعاني كثيرون للتبضع في ظل أسعار باهظة تواصل الارتفاع يوميا.
وتقول سعاد محمد إدريس (49 عاما) إنها عادت إلى منزلها في الخرطوم بحري لتجد أن أثاثه قد سُرق. في ظل عجزها عن شراء ثلاجة جديدة، باتت تضطر لشراء المواد الغذائية يوميا.
وتضيف سعاد، وهي أرملة وأم لستة أولاد 'لا بد أن اشتري الخضروات واللحمة يوميا والأسعار مرتفعة وكل يوم في زيادة... صحيح جئنا بشوق لبلدنا، لكن الغلاء طاحن'.
تركزت العودة في الأحياء الشعبية، بينما تبقى مناطق راقية تنتظر أهلها، مثل الخرطوم 2 حيث ينتشر الزجاج المتكسر في شوارعها المظللة بالشجر، بين منازل فخمة بعضها مدمّر، في صمت لا تخرقه سوى زقزقة العصافير.
بعد ثلاثة أشهر من العودة، تحزم ثريا بابكر (86 عاما) حقائبها مجددا.
وتوضح لفرانس برس 'أنا وزوجي وابنتي الصغيرة سنغادر إلى احدى الدول... طبعا كنا نريد ألا نغادر، لكن وضعنا الصحي وصعوبة الحصول على العلاج' يحتّمان ذلك.
ويشكّل وضع القطاع الصحي الذي تعرّض لضرر بالغ في الحرب، أولوية لكثيرين.
ورغم أن جمعيات خيرية أعادت تأهيل بعض المستشفات مع بدء عودة السكان العام الماضي، الا أن الكثير من المستلزمات الطبية يبقى غير متوافر.
وتقول الطبيبة هيفاء عمر 'نحاول بقدر الامكان ألا يضطر المريض وأهله لاجراء أي فحوص أو صور أشعة خارج المستشفى'.
تضيف 'لكن بعض الأدوية لا تتوافر... نطلب من المريض شراءها من خارج المستشفى وفي حلقنا غصة لأننا نعرف ظروف الناس'.
حتى خارج المستشفى، ليس من السهل العثور على الدواء، بحسب ما يؤكد إمام بكر عباس الذي عاد إلى جنوب الخرطوم برفقة زوجته وطفليه ووالديه، بعدما أمضوا ثلاثة أعوام في القاهرة.
وأمام صيدلية، يقول الرجل البالغ 34 عاما 'والدي مصاب بضغط الدم، وللحصول على الدواء، عليّ أن أدخل 10 صيدليات لأجده، وسعره يتغير يوميا'.
كما يعاني عباس لحفظ الأنسولين مبردا لوالدته المصابة بداء السكري. ويوضح أنه ابتاع ثلاجة 'لكن الكهرباء تنقطع 12 ساعة في اليوم، فيُتلف'.
- 'الأمور ليست بخير' -
أصبحت الخرطوم حاليا ظلا لما كانت عليه ذات يوم: عاصمة إفريقية كبرى يزيد سكانها عن ثمانية ملايين نسمة.
ويقول مسؤول أممي لفرانس برس في الخرطوم إن حجم الدمار يفوق كل النزاعات التي شهدها ومنها أوكرانيا.
وهي أنهت نظام التعليم عن بعد في الجامعات في يوليو، وبات لزاما على الطلاب العودة. ودفعت هذه الخطوة أساتذة الطب في جامعة الخرطوم إلى التلويح بتقديم استقالة جماعية.
وتقول إحدى طالبات الماجستير لفرانس برس 'رفضت الجامعة مناقشة بحث للماجستير عبر الانترنت'، رغم أن المشرف عليها 'موجود في دولة أخرى'.
أما طالبة أخرى كان من المقرر أن تبدأ السنة الأخيرة من مرحلة الإجازة في إدارة الأعمال، فباتت تسابق الزمن للحصول على منحة في مصر لبدء الدراسة من جديد، بعدما فاتتها الامتحانات الحضورية هذا الصيف.