أعمدة

كيف يمتلك البعض القوة والنفوذ؟

في مقال نشرته Forbes عام 2010 بعنوان What Makes People Powerful، استعرض الكاتب بول جونز أفكار أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة ستانفورد جيفري بفيفر حول أسباب امتلاك بعض الأشخاص نفوذًا أكبر من غيرهم في بيئة العمل. وكانت إحدى الأفكار اللافتة في المقال أن جودة العمل والأداء المهني، رغم أهميتهما، لا يفسران وحدهما تقدمنا المهني. إذ يرى بفيفر أن القدرة على فهم كيفية تكوين السمعة المهنية، وبناء شبكة علاقات واسعة، والحصول على دعم الآخرين، كلها مهارات تؤثر في المسار المهني. بمعنى آخر، قد يكون الإنسان متمكنًا من عمله، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة على تحويل هذا الأداء إلى نفوذ أو فرص للتقدم المهني.

نحن كثيرًا ما نربط النجاح بالاجتهاد والكفاءة فقط، ونمضي حياتنا في العمل باجتهاد منقطع النظير على أمل أن يلاحظ الآخرون ذلك، إلا أن تجربتي الشخصية والواقع المهني أثبتا لي أن الواقع المهني أكثر تعقيدًا؛ فأن تكون متمكنًا من عملك شيئًا، وأن يعرف الآخرون قيمة ما تقدمه شيء آخر.

وأنا هنا لا أتحدث عن التظاهر أو المبالغة في الإنجازات، وإنما عن القدرة على التعبير عن القيمة التي تقدمها، وبناء علاقات مهنية حقيقية، والوجود في الدوائر التي تتيح للآخرين التعرف إلى قدراتك، كما لفتني في المقال حديث بفيفر عن أهمية ألا تظل شبكة علاقاتنا محصورة في الأشخاص الذين نعرفهم أصلًا. أحيانًا نقضي سنوات داخل الدائرة نفسها، ثم نتساءل لماذا لم تظهر لنا فرص جديدة.

العلاقات المهنية ليست مجرد عدد من الأسماء في الهاتف أو المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي. قيمتها تكمن في تنوعها وجودتها وما تضيفه إلى رؤيتنا وفرصنا ومعرفتنا، لكن هناك جانبًا آخر مهمًا أيضًا، فالنفوذ ليس مجرد القدرة على الوصول إلى وظيفة أعلى. فكلما ارتفع مستوى الإنسان المهني، ازدادت معه الحاجة إلى الوعي بسلوكه وصورته وعلاقاته، لأنه يصبح أكثر عرضة للمراقبة والتقييم.

وهنا أعتقد أن الدرس الأهم ليس أن نتعلم «كيف نصبح أقوياء»، وإنما أن نفهم أن الكفاءة وحدها لا تبني المسار المهني وحدها، نحن نحتاج إلى العمل، نعم، لكننا نحتاج أيضًا إلى الوعي بقيمته، والقدرة على التواصل، وبناء العلاقات، وفهم البيئة التي نعمل فيها.

وقد لا تكون هذه المهارات مكتوبة في الوصف الوظيفي، لكنها تؤثر في الفرص التي تصل إلينا، والسؤال الذي يستحق أن يسأله كل شخص عن مسيرته المهنية ليس فقط: هل أجيد ما أفعله؟ بل أيضًا: هل يعرف الأشخاص المناسبون قيمة ما أفعله؟ وهذا درس تعلمته شخصيًا متأخرًا جدًا للأسف.

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية