في الزنزانة الأمريكيَّة
الاحد / 15 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:27 - الاحد 27 سبتمبر 2026 19:27
الإثنين، 1 مارس 1999، أوستن، تكْسَسْ، الولايات المتحدة:
كانت الساعة بُعيد الواحدة صباحا «...». أي حول وقوة لديَّ أمام شرطي يريد أن يترقى في سلَّم وظيفته على حسابي؟ القانون تضعه السُّلطة، فإن وجدت أنها لا تستطيع اضطهادك وفقا لنصوصه، فإنها تخالفه وتخترع قانونا آخر في الزمان والمكان المرغوبين، وتمليه فورا.
فتشوني تفتيشا دقيقا، بما في ذلك المنطقة الحميمة من جسدي، وأعلن الضابط أني رهن الاعتقال.
ثم قرأ بطريقة سينمائيَّة مهيبة كان من الواضح أنها تدغدغ زهوه من ورقة طويلة التفاصيل التقنية لحيثيَّات القبض علي، وبيَّن «حقوقي»؛ فابتسمت في داخلي لأن أي أمريكي ذي أصل أفريقي من الذين تركوا الدراسة العامة ويقطنون في الناحية الشرقيَّة من المدينة الموبوءة بالجريمة والفقر، لن يفقه شيئاً من تلك الصياغة اللغويَّة التخصصيَّة والمتحذلقة.
ومما كتبه الضابط في تقريره عني: «إنه يتحدث بإنجليزيَّة ممتازة، ولكن بلكنة أجنبيَّة»! يا سلام! فالسُّلطة ليست معنيَّة بلسانك فقط، وإنما أيضاً بحركاته وسكناته في فمك.
منذ بدء هذا الويل كلّه طلبت منهم أن أدخِّن فمنعوني؛ إذ إن الأسير لا حق له حتى في مثل هذه الأشياء الصغيرة، فقد بدأت رحلة المصادرة، مصادرة أبسط وكل شيء بما في ذلك علبة السجائر. كبَّلوا بعد ذلك يدي وراء ظهري وأخذوني إلى المقعد الخلفي في سيارة الضابط «...».
في غرفة الموقوفين الكبيرة جاءوا بشاب أعتقد أنه «هسبانيٌّ» (*) وجهه دامي الجروح، ومفتوحها، وكثير الكدمات، بينما ثيابه ممزقة تماماً. كنت متَّزناً ومحافظاً على هدوئي كي لا يزداد تفاقم الأمور ما دام الأمر كما قال الضابط تلك الجملة التي سمعتها كثيراً في الأفلام الأمريكيَّة: «كل ما تقوله يمكن أن يستخدم ضدك».
بيد أني طلبت احتجازي حتى الصباح في غرفة التوقيف وليس في أي من الزنازين فرفضوا بإصرار.
عندها قلت ألا مانع لدي من المبيت في زنزانة مع آخرين بشرط أن يضمنوا أمني وسلامتي حتى الصباح، فقالوا إنهم لا يستطيعون ضمان ذلك. قلت لهم إنه ما دام الأمر كذلك فإن كل ما يمكن أن يحدث لي (فعل) أو ما يمكن أن يحدث مني (ردَّة فعل) هو مسؤوليتهم؛ فأنا أعرف أن هناك الكثير من العنف الذي يُقترف في الزنازين الأمريكيَّة.
عقَّبت إحدى الضابطات قائلة: «لا شك أنك تشاهد الكثير من الأفلام وترى العنف هناك»، فرددت بسخرية جادة: «فعلاً»! طلبت إجراء مكالمة هاتفيَّة وافقوا عليها فكلَّمت «...» وطمأنتها قدر الإمكان على وضعي وإلى أنه سيطلق سراحي في التاسعة صباحا (هذا ما قاله لي الضابط الذي اعتقلني، وإنه لمن الكاذبين).
بعد إجراءات بيروقراطيَّة طويلة عريضة أخذنا أربعة من الشرطة إلى حجرة كبيرة، وقد كنا عشرة تقريبا، وأمرونا بالتَّعري الكامل.
أية إهانة للجسد هذه! رفضت التَّعري الكامل، ودخلت في حوار مع الضابط حول كرامة الجسد وخصوصيَّته، وقلت له إنني لست أمريكيا، وإن ثقافتي وديانتي لا تجيزان لي التعري في حضرة ذكور، وإنني أرفض الامتثال لأمر التعري بناء على الحساسية الثقافية والدينيَّة التي يراعيها الدستور الأمريكي. ابتسم الضابط ساخراً كمن يقول «ابحث عن عذر آخر».
لا شك أن هذه الخطوة مدروسة؛ فهم يريدون أن يشعروك بأنك مكشوف تماما أمامهم، وأنك في كامل العُرْضَة (vulnerability)، فأنت عارٍ تماما وهم مرتدون ثيابهم الرَّسمية السلطويَّة كاملة ومسلَّحون، بما في ذلك رموز قضيبيَّة كلاسيكيَّة كالمسدس والعصا.
أي فرق بين أن تتعرى أمام حبيبتك على سرير الليل، أو أمام مياه البحر أو فيها، وبين أن تتجرد هنا مما يحفظ لك عنصرك الأول أمام غرباء وشرطة في غرفة مقفلة؟ لقد تعريت وبصري موجها للضابط: كنت أحدِّق فيه بثبات وقوَّة، بثبات وقوَّة، بثبات وقوَّة حتى اختفى من أمامي تماما، واختفى الآخرون أيضا، وبذلك أصبحت عاريا أمام نفسي فقط.
سلَّمنا ملابسنا ومتعلقاتنا الشخصيَّة الأخرى، وارتدينا ملابس النُّزلاء الزرقاء، واقتادونا إلى زنازين حديديَّة في دور علوي. كان نصيبي الزنزانة رقم «F3» التي كان بها ثلاثة نزلاء نائمين تحت الضوء الأبيض البارد كالموت، اثنان منهم على سريرين منصوبين عموديًّا، بينما الثالث نائم على حشية بلاستيكية على الأرضيَّة.
كانت الزنزانة ضيقة جداً. لا أحسن التقدير بالأقدام والأمتار، ولكني سأقول أنها ضيقة لدرجة لا تتسع فيها لزفرة واحدة. وفي الزاوية قبع المرحاض الذي تعلوه مغسلة ماء صغيرة وقذرة.
هذه خطوة أخرى نحو إهانة الجسد، فهم يريدون لك أن تمارس حميميَّاتك الطبيعيَّة أمام الآخرين، وأن تنكسر أمام نفسك وأمام المظاهر البسيطة من كرامتك، ويريدون لجسدك أن يكون مخترَقاً بالكامل، بحيث إن كثيرين سيقتنعون بعد مدة ليست طويلة جداً بأن أجسادهم لا تعود لهم، وإنما تتبع مسيِّريها.
باختصار، إنهم لا يريدون لجسدك أن يكون جزءا من ذاتيَّتك وكينونتك وحِماك الأساسي والخاص، بل يحولونه إلى موضوع في مجال رقابتهم وسلطتهم. هذه الزنزانة مخصصة لشخصين فقط، لكن بها نزيل ثالث، وها هو الرابع قد جاء.
لم أعرف في البداية أين يتوقع مني الشرطي أن أنام، بل أني فكَّرت في لحظة ساذجة التفاؤل بأنه سيعيد النظر في أمر مبيتي في هذه الزنزانة بعد أن نظر بأم عينيه إلى المشهد المستحيل في واحدة من زنازين الولاية الأرحب فيما يخص عدد الأسرَّة المتاحة للنزلاء والموقوفين وفقاً للإحصائيَّات المنشورة: تِكْسَسْ، التي في الوقت نفسه تتصدر إحصائية الإعدامات.
رمقت الشرطي بنظرة تشي بسؤالي المنطقي: «أين تتوقع مني أن أنام»؟ ردَّ بإشارة باردة من أصبعه إلى أسفل السَّرير الأرضي، وأغلق الباب وقفله بلامبالاة فظيعة، ومضى. لا بأس في ذلك، فكل شيء في هذا الزمان والمكان غير إنساني، و«عندما يصبح الشُّرطي إنسانيَّاً فإنه يكف عن أن يكون شرطيَّاً» كما يقول جان جينيه.
في هذا العالم المفَرَّغ يخطو الطرفان معاً، الضحيَّة والجلاد، إلى النقطة التي تفصل عن الإنسانيَّة؛ أي إلى النقطة التي يُعاد فيها تعلُّم كل شيء، وهناك طريقة جديدة لإعادة تعلُّم كل شيء. كانت هناك حشوة بلاستيكيَّة زرقاء متآكلة تحت السِّرير السُّفلي، لكن السؤال العملي تماماً هو: كيف أستطيع أن أصل إلى هناك؟ بعد أن قمت بمناورة معقَّدة انبطاحا وزحفا وجدت نفسي متمدداً في مكان أشبه ما يكون بالقبر الذي هذا الضِّيق هو أكثر ما أكرهه فيه.
كان صدري يصطك تقريباً بحديد السَّرير فوقي، وكان ينبغي القيام بعدة إجراءات صبور إن أردت أن أنقلب على جنبي.
لم يكن في وسعي أن أغلق عيني كي أرى المستطيلات العشرة من السماء والسُّحب في سقف العالم، لأنني كلما أغلقت عيني تذرذر الصَّديد في مقلتي. استحضرت «مجنون الأمل» لعبداللطيف اللعبي حيث «مربَّع السَّماء»، تلك الكوَّة الصغيرة في سقف السجن، والتي جعل منها نافذة عظيمة تطل برحابة على العالم خارج السجن.
يتبع في الحلقة القادمة...
--------------------------------
«هسباني»: شخص أصوله من بلاد ناطقة بالإسبانية، غالباً ما تكون من بلدان أمريكا الجنوبيَّة، أو أنه أحد أبناء ثقافة تلك اللغة خارج موطنها الأصلي سواء كان يحمل أو لا يحمل جنسيتها (إيضاح أضيف إلى المتن في يوم السبت، 26 سبتمبر 2026، مسقط).
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني