أفكار وآراء

عمان في مؤشر الفجوة بين الجنسين 2026

يُؤكد تقرير الأمم المتحدة (التقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. الدور الجنساني 2026) أن قيادة المرأة ووجودها في مواقع صناعة القرار يعد أمرا بالغ الأهمية لتحقيق المساواة بين الجنسين، وكذلك تحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة 2030؛ فمشاركة المرأة في القطاعات التنموية خاصة الاقتصادية والسياسية سيسهم في تمكينها وتعزيز قدرتها على المساهمة في دعم توجهات مجتمعها، كما تكشف الوعي المجتمعي والدور الذي تقدمه الدول في تحقيق أهدافها الوطنية الداعية إلى المساواة وصون الحقوق.

غير أن التقرير يكشف واقعا مقلقا بشأن تمكين المرأة على المستوى العالمي، إذ يتباطأ وصولها إلى المناصب القيادية خاصة على المستويات السياسية والإدارية، وتزداد الحواجز والتحديات الجديدة لا سيما (العنف الإلكتروني)، وانخفاض مشاركتها في سوق الأعمال، الأمر الذي يكشف عن مجتمعات غير منصفة ولا تسعَ إلى تحقيق المساواة بين الجنسين وفق مقتضيات الاستثمار في القدرات الوطنية والتنمية المجتمعية التي تستوجب المشاركة المدنية والسياسية للمرأة وفتح فرص مناسبة بما يحقِّق الأهداف؛ فمشاركة المرأة في قطاع الأعمال التجارية مثلا يوسِّع منظور صنع القرار في المؤسسات والشركات ويسهم في تحفيز بيئة الأعمال من خلال رؤى مختلفة ومتنوعة، ولهذا فإن تبوء المرأة للمناصب القيادية في المؤسسات الحكومية والخاصة، يفتح لها أبواب المشاركة الفاعلة في التنمية من ناحية، ويكشف قدرة المجتمع على حماية حقوق الأفراد، ودعم فرص التكافؤ والتوازن من ناحية أخرى.

إن الدور الذي تقوم به المرأة اليوم لا يرتكز على المستوى الاجتماعي وحسب بل إنه دور تنموي يقوم على تلك التنمية البشرية التي استثمرت فيها الدول، سواء من خلال التعليم أو التدريب والتأهيل، أو من خلال فرص العمل في كافة القطاعات، الأمر الذي دعا الدول إلى تأسيس منظومة تشريعية واستراتيجيات تتناسب والأدوار الموكلة على عاتقها، إضافة إلى تلك السياسات التي تهدف إلى حماية حقوقها الاجتماعية والاقتصادية.

ولعل ما تقوم به عُمان من تطوير للسياسات بُغية تمكين المرأة وإشراكها في صناعة القرار، يُعد أساسا لتنفيذ التشريعات التي نصَّت على حق المساواة بين الجنسين بدءا من النظام الأساسي للدولة؛ فقد عملت على دعم التنمية البشرية للفتيات والنساء في الدولة وحرصت على انخراطهن في سوق الأعمال في كافة القطاعات، فنحن نرى المرأة العمانية اليوم في قطاعات الاقتصاد والمال والسياسية والبيئة والطاقة والثقافة والتعليم، إضافة إلى القطاعات العسكرية بمختلف تشكيلاتها.

إن وصول المرأة إلى هذه القطاعات يعكس اهتمام الدولة وفتح الفرص أمامها لبلوغ أهدافها وغاياتها، والمشاركة الفاعلة في تحقيق الأهداف الوطنية.

لقد حرصت عمان على تمثيل المرأة في الميادين المختلفة، وكذلك على مستوى القيادات الوطنية وتعزيز حضورها في مجالات التنمية ومواقع صناعة القرار؛ فهي مشاركة فاعلة في مجتمعها، تقود العديد من مؤسسات المجتمع المدني والأهلي، وتترأس عددا من المؤسسات الاقتصادية والمالية وعضوة في الكثير من مجالس إدارتها. كما نجدها في إدارات المؤسسات الحكومية والخاصة في المناصب القيادية، الأمر الذي يكشف مخرجات التنمية البشرية التي أسسَّتها الدولة خلال العقود الماضية، والدعم الذي تحظى به المرأة في عُمان، والإمكانات التي تتميَّز بها.

إن أهداف التنمية المستدامة في عُمان تنطلق من أهداف الرؤية الوطنية عمان 2040، التي تفتح الآفاق للمواطن العماني سواء أكان رجلا أو امرأة، وتُخصِّص بعد ذلك مساحة وافرة لدعم الإمكانات وتحقيق الرؤى والسعي من أجل الحصول على الفرص المتاحة من ناحية، كما تنص على حقوق المرأة ودعم قضاياها وتمكينها اجتماعيا واقتصاديا، وانخراطها في سوق الأعمال من ناحية أخرى؛ لذا فإن المرأة العمانية تحظى بفرص أكثر حضورا وأوفر نصيبا من الناحية التخطيطية.

إضافة إلى ذلك فإن ما تعِد به (الخطة الوطنية للمرأة العمانية 2026-2030)، التي يتم إعدادها بالشراكة مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، وكذلك تخصيص مقاعد إضافية لتمثيل المرأة في مجلس الشورى، سيوفِّر إمكانات جديدة لدعم المرأة وتمكينها خاصة على المستوى الاقتصادي والسياسي، وهي جهود مقدرة ستسهم في تعزيز حقوق المرأة وزيادة فرص مشاركتها في بناء وطنها والاستفادة من خبراتها في القطاعات المختلفة.

قبل أيام قليلة صدرت النسخة العشرون من تقرير (المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين 2026)، عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يؤكد منذ الافتتاحية أهمية إدماج المرأة في التنمية واستثمار قدراتها في بناء الأوطان، نتيجة التغيرات الضخمة التي حدثت وتحدث اليوم على مستوى الأنظمة الجيو اقتصادية والمناخية والسياسية والتقنية، التي انعكست على المجتمعات وأثَّرت على مستويات النمو عالميا، مما يدعو إلى ضرورة تحقيق التكافؤ بين الجنسين باعتباره أولوية، كونه «أساسا للتنمية البشرية وإطلاق العنان للمواهب والابتكار والإبداع والمرونة التي ستحتاجها اقتصادات النمو في العصر الجديد» حسب التقرير.

إن التقدُّم المحرز في تضييق الفجوة بين الجنسين يرتبط بالأوضاع الاقتصادية والسياسية؛ حيث يتم قياسه عبر مجموعة من المؤشرات الفرعية هي (المشاركة والفرص الاقتصادية، والتحصيل التعليمي، والصحة ومتوسط العمر، و التمكين السياسي)، وهي مؤشرات تكشف مدى التقدُّم في تحقيق المساواة بين الجنسين وما تقوم به الدول من مبادرات وبرامج تحقِّق الأهداف، بهدف التقييم العام للتقدم المحرز وتحليل مسارات التكافؤ؛ وبناء على ذلك فقد جاءت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المرتبة الثامنة بنسبة (62.5%)، واحتلت المرتبة الأخيرة في التمكين السياسي، في حين جاءت في المرتبة الخامسة في أعلى درجة تكافؤ على مستوى العالم للتمثيل الوزاري (16.4%)، وسابع أعلى درجة للتمثيل البرلماني (23.9%).

أما عُمان فقد جاءت في المرتبة (123) في المؤشر الفرعي المشاركة والفرص الاقتصادية، والمرتبة (81) في مؤشر التحصيل الدراسي، والمرتبة (92) في مؤشر الصحة ومتوسط العمر، في حين جاءت في المرتبة (142) في مؤشر التمكين السياسي، لتحتل المرتبة (134) في التصنيف العام.

إن هذه النتائج تشهد تحسنا بشكل عام لما توليه الدولة من اهتمام بالغ بالتعليم وصحة المرأة والطفل، وفتح الفرص الاقتصادية لمشاركة المرأة إضافة إلى انخراط النساء في مجالات القطاع الخاص لا سيما في تأسيس الشركات الصغيرة والمتوسطة وغير ذلك، إلاَّ أن المشاركة السياسية للمرأة ما زالت دون مستوى الطموح، مما انعكس على التصنيف العام للدولة في المؤشر.

إن مرتبة عمان في المؤشر على الرغم من تقدمها على العديد من دول المنطقة، لا يعكس الطموح والجهود التي يتم تنفيذها لدعم وتمكين للمرأة؛ ذلك لأن هناك العديد من المبادرات والبرامج التي توفرها الدولة إضافة إلى تطوير التشريعات والأطر القانونية المختلفة الداعمة لعمل المرأة، إلاَّ أن تقرير المؤشر يكشف الفجوة بين هذه الأطر والسياسات وبين تنفيذها، خاصة على مستوى دخول المرأة سوق الأعمال والتحديات التي تواجهها، إضافة إلى طغيان الصور الذهنية الاجتماعية في تمثيلها للمجالس والهيئات المختلفة، مما يتطلَّب دراسات إجرائية حازمة تكشف الواقع وتقترح حلولا تنفيذية واضحة.

والحق أننا مسؤولون جميعا عن تغيير العديد من الأنماط الاجتماعية تحقيقا للمساواة بين الجنسين ودعما للمرأة؛ فتعزيز دورها في المجتمع يحتاج إلى تعاون في تنفيذ السياسات الداعمة، والأمر هنا لا تختص به الحكومة وحدها فللمجتمع دور فاعل ومهم؛ ذلك لأن تمكين المرأة يتأسَّس بدءا من الأسرة والمؤسسات التعليمية والأكاديمية، وبناء ثقة مجتمعية بقدراتها وإمكاناتها في تمثيل مجتمعها ووطنها في مختلف المجالات.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.