أفكار وآراء

ماذا يحدث إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي؟

وفي الوقت نفسه تقريبًا، قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي للشركة: «بالنظر إلى الحجم الذي أتوقع أن يبلغه الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي»، ينبغي للحكومة أن تؤدي دور «شركة التأمين كملاذ أخير».

وقد قُيّدت تلك التصريحات لاحقًا ببعض التوضيحات، لكن المعنى العام ظل واضحًا: هذه الصناعة، التي تصفها صحيفة «وول ستريت جورنال» بأنها «أكبر رهان اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة»، مهمة إلى درجة أنه إذا احتاجت إلى مزيد من التمويل، فقد يصبح دافعو الضرائب هم من يتحملون العبء.

وبصياغة أخرى، المطلوب أن تنظر الحكومة إلى الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي نظرت بها إلى البنوك خلال الأزمة المالية عام 2008: أكبر من أن يُسمح له بالفشل.

ومن الصعب التوفيق بين هذا الطرح والرسالة الأخرى التي تصدر اليوم بصوت مرتفع عن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى: أن هذه التكنولوجيا «قد تقتلنا جميعًا قبل نهاية العقد»، كما حذّر أخيرا جاكوب كوكسون، الباحث السابق في شركة «أنثروبيك»، وأنه يتعين لذلك فرض قيود عليها. فهل الذكاء الاصطناعي مهم إلى حد لا يمكن معه السماح له بالفشل، وخطير في الوقت نفسه إلى حد ينبغي معه ألا نسمح له بالمضي قدمًا؟

أضف إلى ذلك الرأي السائد القائل إن على الولايات المتحدة أن تتفوق على الصين مهما كان الثمن ـ أو كما عبّر الرئيس ترامب عن ذلك: «من يفز بالذكاء الاصطناعي يفز!» ـ فتبدأ هذه الحجج في تغذية بعضها بعضًا. كلما أصبحت المنافسة على الهيمنة مسألة وجودية، ازدادت الحاجة إلى الإنفاق عليها؛ وكلما تضخم الإنفاق على هذه الصناعة، ازدادت أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية؛ وكلما ازدادت أهميتها، تصاعدت الضغوط للإسراع فيها، بصرف النظر عن اعتبارات السلامة؛ وكلما اندفعنا إلى الأمام من دون اكتراث، ازدادت المخاطر.

وفي المحصلة، يثير ذلك احتمالًا أشد إثارة للقلق: ماذا لو لم يكن الذكاء الاصطناعي «أكبر من أن يفشل»، بل أصبح «أكبر من أن يتوقف»؟ ترجع فكرة أن شركة ما قد تكون من الأهمية بحيث تصبح الحكومة ملزمة بإبقائها واقفة على قدميها إلى عام 1797 على الأقل، حين قال ممول إنجليزي إن على بنك إنجلترا أن يسند الشركات المتعثرة بعد استنفاد مصادر التمويل الخاصة. أما العبارة نفسها فقد تبلورت عام 1984، بعدما كاد بنك «كونتيننتال إلينوي» ينهار بسبب إفراطه في تقديم قروض رديئة لقطاع الطاقة. وقال النائب ستيوارت ماكيني آنذاك: «لدينا نوع جديد من البنوك. اسمه: أكبر من أن يفشل». ثم جاءت أزمة عام 2008، حين جرى إنقاذ البنوك الكبرى بأموال دافعي الضرائب، على أساس أن تركها تنهار سيجر الاقتصاد كله معها. وكانت تلك البنوك «الأكبر من أن تفشل» ثمرة مخاوف تعود إلى عهد ريجان من أن البنوك الأمريكية، إذا لم تتضخم سريعًا، فلن تكون قادرة على منافسة المؤسسات المالية في أوروبا وآسيا.

ويمكن سماع صدى مشابه لذلك اليوم في تأكيد الرئيس ترامب أن الخوف من الذكاء الاصطناعي «خدعة» تهدد تقدم الولايات المتحدة على الصين.

وثمة أوجه شبه أخرى. ففي الفترة التي سبقت الأزمة المالية عام 2008، وحتى بعدما بدأ يتضح أن العملاء عاجزون عن سداد الكم الهائل من قروض الرهن العقاري عالية المخاطر التي كانت البنوك توزعها عليهم كما لو كانت حلوى، رفض قادة تلك البنوك تغيير المسار. يمكن تسمية ذلك «تهورًا عقلانيًا». فقد قال تشاك برنس، الرئيس التنفيذي لـ«سيتي بنك» آنذاك: «ما دامت الموسيقى تعزف، فعليك أن تنهض وترقص».

واليوم ترقص أيضًا الشركات التي تقف خلف مراكز البيانات، مثل «أمازون» و«ألفابت» و«أوراكل»، والشركات التي تقف خلف نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك». وهي لا تستطيع التوقف، خشية أن تخسر مئات المليارات التي استثمرتها في محاولة التفوق على منافسيها.

والطفرة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير من طفرة قروض الرهن العقاري عالية المخاطر التي أشعلت أزمة 2008. فبحسب بعض التقديرات، يمثل الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي نحو نصف النمو في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. كما أن الغالبية العظمى من الزيادة البالغة 33 تريليون دولار في القيمة السوقية لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» منذ أواخر عام 2022 جاءت من الإنفاق المرتبط بشركات الذكاء الاصطناعي.

هناك أسباب تدعو إلى الأمل في ألا يعيد التاريخ الاقتصادي نفسه. فقد كان انهيار سوق الرهون العقارية عالية المخاطر شديد الخطورة، لا بسبب حجمه، بل بسبب مدى اندماج ديون تلك الرهون، بطرق لم تكن ظاهرة بسهولة، في الآليات التي تموّل البنوك من خلالها نفسها. أما استثمارات الذكاء الاصطناعي، فرغم أنها أكبر حجمًا، فلم تتغلغل في النظام المصرفي بالطريقة نفسها. ويقول جيم تشانوس، مدير الاستثمار المعروف بتشككه الدائم: «مستويات الديون المرتبطة بها ليست ذات طابع نظامي ـ حتى الآن».

وفي الوقت الراهن، كلما رفعت الصناعة صوتها محذّرة من أخطارها، ازدادت سرعة نموها. فقد حذّر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مرارًا من المخاطر التي قد يشكلها الذكاء الاصطناعي على البشرية، في الوقت الذي أفادت فيه تقارير بأنه يسرّع خطط توسع الشركة تمهيدًا لطرحها العام الأولي. وقد سخر الاقتصادي أوين لامونت من هذا التناقض قائلًا إن الأمر يشبه «أن يطرح روبرت أوبنهايمر مشروع مانهاتن للاكتتاب العام عام 1945».

وكتب وزيرا الخزانة الأمريكيان السابقان روبرت روبن وهانك بولسون في مقال رأي حديث: «الحوافز المالية المشوهة تجعل حماية البشرية من أخطار الذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة». وأضافا أن «الحوافز الاقتصادية أمام مطوري الذكاء الاصطناعي والمشاركين في أسواق رأس المال والاقتصاد عمومًا هائلة إلى درجة أن المخاطر، في أفضل الأحوال، لا تُعالج بالقدر الكافي، وفي أسوئها يجري تجاهلها. ولم يشهد العالم من قبل هذا القدر من رأس المال وهو يطارد فرصة واحدة».

وقد يبدأ كل ذلك في الظهور كما لو كان حتميًا، لولا أمر واحد: الأمريكيون في الحقيقة لا يحبون شركات الذكاء الاصطناعي. وليس من المستبعد تصور أن تؤدي المخاوف المتعلقة بالسلامة، أو كارثة صادمة بما يكفي، أو حملة تنظيمية صارمة، في مرحلة ما، إلى توقف مفاجئ للتمويل السخي الذي تتلقاه هذه الشركات اليوم؛ وهو ما قد يهدد وجودها، ويمتد أثره إلى الاقتصاد الأوسع.

خلال أزمة عام 2008، كان لدى صانعي السياسات قول شائع: وجود خطة أفضل من غيابها. والخطة التي توضع قبل وقوع الأزمة تكاد تكون، على الأرجح، أفضل من خطة تُرتجل أثناءها. ونحن بحاجة إلى أن نكون مستعدين.

وثمة الكثير من المقترحات لمعالجة مخاوف السلامة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، غير أن التحدي يكمن في فعل ذلك من دون تعزيز هيمنة أكبر شركات الصناعة وترسيخها أكثر. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن أي خطة للتعامل مع انفجار محتمل لفقاعة الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تبدأ بسؤال أساسي: ما الذي نريد إنقاذه تحديدًا؟

ومن الصعب تصور أن تقبل البلاد صفقة شبيهة بتلك التي خرجت من أزمة عام 2008، حين أُعطيت الأولوية للميزانيات العمومية لفئة المستثمرين على حساب بقية المجتمع ولا سيما بالنظر إلى حجم الأموال التي سيتطلبها مثل هذا الإنقاذ، وإلى مستوى الدين الوطني الأمريكي.

قد تكون هذه التكنولوجيا حاسمة لمستقبل الولايات المتحدة، لكن الحفاظ عليها لا يعني أن علينا إنقاذ الكيانات الخاصة التي تتصدر هذا المجال في هذه اللحظة، ولا أن علينا حماية ثروات مستثمريها ومديريها التنفيذيين.

والحل في مواجهة هذا الخوف المتضخم باستمرار من الذكاء الاصطناعي يبدأ باستعادة أحد أهم دروس أزمة عام 2008: لا ينبغي لأي شركة أن تصبح أكبر من أن يُسمح لها بالفشل.

بيثاني ماكلين صحفية متخصصة في الشؤون المالية، ومؤلفة مشاركة لكتاب «أذكى رجال الغرفة».

خدمة نيويورك تايمز

تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي وخضعت لمراجعة بشرية.