العرب والعالم

اتفاق جرينلاند.. دبلوماسية الدنمارك تهزم ضغوط ترامب

 

لندن 'د. ب. أ': تمكنت الدنمارك أخيرا من الخروج من براثن فترة من الدبلوماسية الأمريكية القائمة على ممارسة الضغوط بشأن جزيرة جرينلاند، وتم التوصل لاتفاق أُعلن عنه يوم 22 سبتمبر لتسوية النزاع بشأن الإقليم بطريقة سلسة، دون إجبار الدنمارك أو حكومة جرينلاند على تقديم تنازلات كبيرة.
وحتى قبل اندلاع النزاع، كانت الدنمارك أشارت إلى أنها لا تمانع في زيادة عدد القواعد الأمريكية في جرينلاند وتعزيز إمكانية وصول أمريكا، وهي إجراءات كانت ممكنة بالفعل بموجب اتفاق قائم منذ عام 1951.
ويقول مارك ويلر، مدير مركز الحوكمة العالمية والأمن ببرنامج القانون الدولي، لدى 'المعهد الملكي للشؤون الدولية' (تشاتام هاوس)، إن الاتفاق الأخير يضيف تعهدا جديدا من جانب الدنمارك وجرينلاند برفض الاستثمارات الكبرى القادمة من دول ليست أعضاء في الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، 'إذا كانت تمنح تلك الدول موطئ قدم في مناطق استراتيجية بالقطب الشمالي. ومرة أخرى، كانت واشنطن في هذه النقطة تحديدا تدفع بابا مفتوحا'.
ويؤكد الأستاذ بجامعة كمبريدج في تحليل نشره 'تشاتام هاوس' أن الاتفاق يقدم درسا رائعا من الدنمارك في استخدام فن الدبلوماسية التقليدي للتغلب على أساليب الضغط، في عصر تتغير فيه الجغرافيا السياسية وتتعرض فيه منظومة الحوكمة العالمية لاضطرابات متزايدة'.
وفي الواقع، 'تقدم الخطوات التي اتخذتها الدنمارك لتسوية النزاع رؤى مهمة حول كيفية دفاع الدول عن مصالحها في مواجهة ضغوط تبدو هائلة'.
الخطوة الأولى: عزل المتنمر وكشف مخططه وفي يناير الماضي، أعلن ترامب رغبة واشنطن في السيطرة على جرينلاند لمنع روسيا أو الصين من السيطرة عليها، ولضمان الأمن القومي الأمريكي، بل ألمح إلى الخيارالعسكري. وربما اعتقد أن المعارضة ستكون محدودة، حيث احجمت دول الاتحاد الأوروبي والناتو قبل ذلك بأيام عن مواجهته علنا بشأن التدخل العسكري في فنزويلا، 'رغم أنه كان يمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي'.
والتزمت هذه الدول الصمت المتحفظ خلال الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن الدولي الذي أعقب العملية الأمريكية'.
ويرى ويلر أن 'جرينلاند مختلفة'، حيث كان بإمكان الدنمارك أن تؤكد بوضوح أن ترامب يضع مستقبل حلف شمال الأطلسي على المحك. ومن ثم، استطاعت الدنمارك أن توضح أن التحرك الأمريكي يشكل ' تهديدا لسلامة أراضي الدنمارك وأمن جميع دول أوروبا الغربية'.
وكان كشف حقيقة ما تقوم به أمريكا ــ باعتباره مطالبة بالتنازل عن أراض وطنية تحت تهديد استخدام القوة، في وقت كان فيه الغرب يقاوم هجوم بوتين على أوكرانيا ــ أمرا حاسما في حشد الدعم.
الخطوة الثانية: دخول المعركة بأياد نظيفة يقول ويلر إن الدنمارك ظلت خلال النزاع تتمتع بميزة مستمرة في معركة كسب التعاطف الدولي، حيث 'دخلت المعركة بأياد نظيفة، مستفيدة من قوتها الناعمة التي عملت على ترسيخها على مدى عقود من المناصرة الحذرة لقضايا العدالة المتعلقة بدول الجنوب العالمي، ولحكم القانون الدولي'.
أما أمريكا في عهد ترامب، فقد أثارت حالة متواصلة من الاستياء طوال هذه الفترة، نتيجة لتحركاتها العسكرية وغيرها من الإجراءات، مثل الرسوم الجمركية الشاملة التي أطلق عليها الرئيس اسم 'رسوم يوم التحرير'.
ولم يكن بوسع واشنطن اتهام الدنمارك بالنفاق بسبب أي إرث استعماري مزعوم يتعلق بجرينلاند، 'ففي عام 1954، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة خلصت إلى أن جرينلاند اختارت بحرية الاندماج مع الدنمارك على أساس المساواة في الوضع الدستوري والإداري مع سائر أجزاء الدنمارك' وفي 2009، منحت كوبنهاجن الجزيرة 'حكما ذاتيا واسع النطاق'.
ويعني 'ذلك أنه طوال فترة النزاع، كان بوسع الدنمارك أن تؤكد أنها تؤدي دور المدافع عن الحق الدولي في تقرير المصير، وفي الوقت نفسه المدافع عن سلامة أراضيها'.
الخطوة الثالثة: توضيح الوضع القانوني سعى ترامب إلى تعزيز حجته من خلال الإيحاء بأن الدنمارك لا تملك سندا قانونيا واضحا لسيادتها على جرينلاند. لكن في ضوء أحكام اتفاق عام 2009 المتعلقة بحق تقرير المصير، أصبحت هذه الحجة أقل أهمية. وعلى أي حال، 'كان من السهل إثبات أن الدنمارك تملك سندا قانونيا صحيحا... في حين أن أمريكا لم يكن لديها أي سند من هذا القبيل'.
وأشار ويلر إلى أنه عندما تولت أمريكا مسؤولية الدفاع عن جرينلاند خلال احتلال ألمانيا للدنمارك في الحرب العالمية الثانية، فعلت ذلك 'اعترافا بسيادة مملكة الدنمارك على جرينلاند واحتراما لها'.
وشمل ذلك، بشكل صريح، السيادة الدنماركية على مناطق القواعد التي أنشأتها أمريكا. وأيضا أكدت اتفاقات ما بعد الحرب بشأن التعاون الدفاعي والقواعد الأمريكية، المبرمة في 1951 و2004، باستمرار السيادة الدنماركية على جرينلاند.
بل إن الاتفاق الجديد لعام 2026 يؤكد الأمر نفسه، 'في تحول لافت عن الموقف الأمريكي، إذ يعيد النص التأكيد على سيادة الدنمارك وسلامة أراضيها، ويقر بحق جرينلاند في تقرير المصير'.
الخطوة الرابعة: خفض حدة التوتر وترك المهمة للخبراء حرصت الدنمارك على تجنب أي مواجهة علنية مع ترامب أمام كاميرات وسائل الإعلام، مستفيدة من تجربة الرئيس فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي عام 2025.
وعوضا عن ذلك، عندما تصاعد الخلاف، أوفدت كوبنهاجن وزير الخارجية لارس لوكه راسموسن إلى واشنطن، حيث التقى نظيره الأمريكي، ماركو روبيو، 'الذي كان ينظر إليه على أنه أكثر اعتدالا إلى حد ما'، بدلا من لقاء ترامب.
وركز راسموسن، رئيس الوزراء الدنماركي السابق، ' بهدوء على المصالح الأمنية المشتركة في منطقة القطب الشمالي، وتمسك بموقفه عندما تعلق الأمر بالسيادة وحقوق سكان جرينلاند'.
وأخيرا تمكنت الدنمارك من تحويل الحوار إلى اجتماعات فنية تمت في سرية، ' وكان هذا التحول حاسما، إذ أتاح لكوبنهاجن نزع فتيل الأزمة برمتها'.
الخطوة الخامسة: التركيز على المصالح وليس على المواقف يوضح ويلر أن خبراء التفاوض يدركون أن نجاح المفاوضات يعتمد على إقناع الأطراف بالتراجع عن مواقفها المعلنة والمتعارضة، 'والتركيز بدلا من ذلك على مصالحها الأساسية الكامنة وراء تلك المواقف. وفي هذه الحالة، كان الرئيس ترامب أكد أن السيادة الكاملة على جرينلاند هي وحدها التي يمكن أن تلبي الاحتياجات الأمنية لأمريكا'.
وخلال مؤتمر دافوس الأخير، عرض الأمين العام للناتو مارك روته على واشنطن سيادةً، على الأقل، على مناطق قواعدها في جرينلاند وقد 'اغتنم ترامب هذه المبادرة وقبل بها، متراجعا عن تهديده بغزو المنطقة'.
الخطوة السادسة: التحلي بالسخاء عند تحقيق الانتصار وأخيرا 'تحلت الدنمارك بالسخاء عند تحقيق الانتصار'، حيث حرصت رئيسة الوزراء مته فريدريكسن، عند توقع الاتفاق، على تجنب إعطاء أي انطباع بأن الرئيس ترامب اضطر إلى التراجع، بل قالت إن الاتفاق يمكن أن 'يستمر إلى الأبد'، في إشارة إلى تأكيد ترامب أنه حقق نتيجة دائمة بقدر نقل السيادة بشكل دائم.
وفي ختام التحليل، يقول ويلر إنه بالنظر إلى أن الموقف المعلن لترامب في البداية كان 'ملكية جرينلاند والسيطرة عليها ضرورة مطلقة' ، يبدو الاتفاق الجديد انتصارا واضحا للدبلوماسية الدنماركية الهادئة والمتأنية. كما أنه يوضح بجلاء قوة الوحدة بين دول حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وتبدو الدروس المستفادة من ذلك واضحة بالنسبة للتعاملات المستقبلية مع القوى الكبرى'.