أعمدة

التورية.. اختلاف على اتفاق

تلزمنا المواقف -في كثير من الأحيان- ألا نستطيع القول ما نود قوله، أو أن نأتي بسلوك نرى فيه أحقيتنا في التعبير عن ما تجيش به أنفسنا؛ كل ذلك تحسبا لردة فعل الآخرين من حولنا، هكذا أغلبنا، ولكن هناك آخرين لا تهمهم ردات فعل غيرهم فيلقون القول أو يأتون بالسلوك على عواهنه، فينطبق عليهم قول القائل: «رب رمية من غير رام»، هذا إذا وافق سلوكه مقصده، وإن جانبه الصواب فعليه أن يتحمل تبعات ما جنته عليه نفسه، وهذا كله لأن الكثيرين منا يستمرئون منازلة الآخرين، من باب أننا لا نقل عنهم في المنازلة، ووقوف الضد بالضد؛ كمن تأخذه العزة بالإثم، ومع ذلك فهناك -في المقابل- من يتوارى عن المنازلة المباشرة، لينأى بنفسه عن الصدام المباشر، والمفضي قطعا إلى كثير من التداعيات السلبية غير المتوقعة؛ فيلجأ إلى التورية كستار إما لضعف الجرأة، وإما لقلة الخبرة والدراية، وإما لوضع مسافة بينه وبين الآخرين؛ بحيث تتيح له هذه المسافة شيئا من الحرية في التعبير عن ما تكنه نفسه من قدرات يمكن أن يرد بها على الآخرين دون أن يتسبب في الصدام معهم بصورة مباشرة، أو يضع اعتبارات لما بعد الحالة الحرجة في تلك اللحظة التي هو ملزم بأن يصنع منها موقفا ما غير معتاد على أقل تقدير، وهذه الحالة الأخيرة -في تقديري الشخصي- تحتاج إلى كثير من الحكمة والدهاء والخبرة، امتثالا لمقولة: «لا تشرب السم؛ اتكالا على ما عندك من الترياق»، ولذلك فالذين ينجحون في قبض العصا من الوسط، سيحتفظون بحظهم الوافر من الاحترام والتقدير، من قبل الآخرين، وسيخرجون من معركة اللحظة بكثير من المكاسب، دون أن يفقدوا حضورهم، وهيبتهم، ودون أن يريقوا دماء وجوههم على قارعة المواقف الصادمة.

تحضر أغطية التورية وأساليبها في كثير من الأشياء والرموز التي يعرفها كثير من الناس، ويتعاملون معها على امتداد يومهم، ويمارسونها ويضربون بها الأمثال، وإن كان من غير وعي في بعض الأحيان؛ فالألوان، والحيوانات، والأماكن، وحتى ألقاب الأشخاص، حيث تسخّر؛ كلها في عمليات التورية، ولكن كل ذلك -كما جاء أعلاه- يحتاج إلى كثير من الحكمة والتمرس والخبرة؛ فـ«لكل مقام مقال» ولا تلقى على عواهنها كيفما اتفق، ومن ذلك فقد أسقط الناس المكر على الثعالب، والشجاعة والهمة على الذئاب، والمذلة والخذلان على النعام، والبلاهة على الحمار، والعمل الدؤوب على النحل والنمل، ولذلك فكثير من الناس وصفوا بمكر الثعالب، وببلاهة الحمير، وبشجاعة الذئاب، وبخذلان النعامة، وباجتهاد النحل أو النمل، وبصمود الجبال، مع التأكيد على أن هذه الحيوانات بريئة من هذه الألقاب التي ألصقها بها الإنسان.

ومع أن الألوان توزع جمالها على اللوحات الفنية؛ كمساحة مشرعة للتداخل والامتزاج، أو تزرع تلك البهجة المعنوية، والسرور الزاهي على النفوس في لحظة مزاجية كما يستشعرها الكثيرون، إلا أنها لم تسلم هي الأخرى من توظيف الإنسان لها وإسقاطها على مقاربات كثيرة بغية التورية كذلك، حيث أسقطها على سلوكيات الناس، وأنشطتهم في الحياة ليعطي دلالات التميز، ونقل الصورة التجريدية للون؛ من كونه لونا محددا فقط إلى شيء من المعاني الذاتية «الوجدان» ليعزز الرابط المعنوي بين واقع اللون، وتأثيره على السلوك، أو هكذا يحب الناس أن يتحرروا من نمطيات المعتاد والمتداول إلى شيء من التوريات والتموضعات ليعطوا ذلك كله شيئا من الوزن المعنوي، فيقال لك: «هذا حقد أسود»، أو «سلام أبيض»، «هذا حب أحمر» أي متأجج، «هذه علاقة رمادية» أي باهتة، «هذا إنسان متلون» أي لا يمكن أن تأخذ منه لا حقا ولا باطلا، بمعنى ليس صاحب موقف، وقس على ذلك أمثلة كثيرة يتناقلها الناس من خلال إسقاط الألوان على سلوكياتهم اليومية، أو هيئاتهم المختلفة، فاستجلاب اللون قد يعطي الانتباه أكثر، ويواري في الوقت نفسه السلوك الفج بحضوره التجريدي إلى شيء من القيمة الفنية التي يضفيها اللون عليه.

قد يكون المتفق عليه من وراء مختلف التوريات التي يعمدها الناس، هو أن لا يكون هناك ضرر مباشر بين المتخاطبين، أو المتخاصمين، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة إلى المعنى الذي تحمله المقولة التي تنسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا». 

أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني