قرية الهجير بولاية العوابي.. طبيعة جبلية تحتضن أودية وعيونًا وتكوينات جيولوجية فريدة
"صير عريف" وجهة للمغامرات تكشف صواعد ونوازل وبركًا مائية بين الصخور
الجمعة / 13 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 14:59 - الجمعة 25 سبتمبر 2026 14:59
تتميز قرية الهجير بوادي بني خروص في ولاية العوابي بمحافظة جنوب الباطنة بتنوع تضاريسها الطبيعية بين الجبال والأودية والمزروعات والمساحات الخضراء، إلى جانب ما تضمه من عيون مائية ومسارات جبلية وتكوينات جيولوجية تجعلها إحدى الوجهات المناسبة لسياحة المغامرات والاستكشاف.
وقال حسن بن سعيد الهطالي من سكان قرية الهجير: إن القرية تُعد من أوائل قرى وادي بني خروص التي تستقبل الزائر بعد المرور بحصن العوابي، وتقع وسط سلسلة من الجبال التي تمثل مصدرًا لمياهها وعيونها وأوديتها، وتتميز بتنوع بيئتها الطبيعية بين السهل والجبل والأراضي الزراعية.
وأضاف: القرية تضم عددًا من مجاري الأودية والشعاب، من أبرزها وادي 'الجمل' الذي يتميز بمياهه المنسابة وبركه المائية وشلالاته التي تتغذى من الأودية والشعاب القادمة من رؤوس الجبل الأخضر، ويمثل وجهة للمغامرين والزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها.
وأشار إلى أن من بين أودية القرية 'صير عريف' و'الكيران' و'العيجم' و'حلحل'، إلى جانب عدد من الشعاب، من بينها غور السن والبستانية والغوج والمسعوه والعسقول والمقبرة والحبيس وضبعة والطايف، وتلتقي جميعها لتشكل وادي الهجير الذي يصب في وادي بني خروص.
وأوضح أن طريقًا جبليًّا ترابيًّا يربط قرية الهجير بقرى وادي بني عوف في ولاية الرستاق من الجهة الغربية مرورًا بعدد من القرى، فيما تتيح المسارات الجبلية الوصول سيرًا إلى الجبل الأخضر والجبل الشرقي بمحافظة الداخلية ووادي بني خروص ووادي بني عوف، ويجري حاليًّا شق طريق ترابي لربط القرية بقرى الجبل الشرقي.
صير عريف
ويُعدّ 'صير عريف'، المعروف كذلك بصير الهجير، من المواقع الطبيعية التي تتميز بتنوع تكويناتها الجيولوجية وتضاريسها؛ إذ يضم صواعد ونوازل وبركًا جيرية وحجرية وعيونًا مائية عذبة، إلى جانب أنواع من النباتات والأشجار وبعض الزواحف الصغيرة والحشرات.
ويرتبط لفظ 'الصير' في بعض اللهجات العُمانية بالمكان الضيق أو الشق الواقع بين الجبال وعمق الأودية ومواقع وجود المياه، وهي دلالات تتقاطع مع بعض ما أوردته المعاجم العربية من معانٍ للكلمة، من بينها الناحية أو الطرف والماء الذي يقيم الناس عنده.
أما كلمة 'عريف'، فيروي كبار السن في قرية الهجير ارتباطها بمعرفة أهالي القرية بالمكان وما يضمه من مياه صافية وتكوينات طبيعية بقيت بعيدة عن التدخل البشري، مع محدودية وصول أشعة الشمس إلى أجزاء واسعة منه.
وقال سعيد بن علي الهطالي، أحد سكان القرية والمشاركين في استكشاف الوادي: إن صير عريف يبدأ من الجبال الجنوبية العالية المطلة على مزارع الهجير ومسطحاتها الخضراء، ويمر بالقرب من بعض الغرف القديمة المبنية بالحجارة والمنازل الحديثة.
وأضاف: مخرج الصير من الجهة الشرقية يقع بالقرب من بركة مائية قديمة تُعرف محليًّا بـ'اللجل'، كانت تُجمع فيها المياه المنسابة من الصير عبر أنابيب أنشأها الأهالي للاستفادة منها في الشرب والوضوء وسقي الحيوانات.
وبيّن أن وادي الصير يلتقي بعد ذلك بوادي الجمل المتدفق من رؤوس الجبل الأخضر، ثم ببقية الأودية والشعاب التي تلتقي وسط القرية لتشكل وادي الهجير، الذي يلتقي بدوره بالأودية القادمة من وادي بني خروص حتى وصول المياه إلى مصبها في بحر عُمان.
تكوينات جيولوجية
وتضم جبال سلطنة عُمان وأوديتها عددًا من التكوينات الجيولوجية المتنوعة، من بينها الكهوف والصواعد والنوازل الناتجة عن ترسب كربونات الكالسيوم، التي تتشكل عبر فترات زمنية طويلة نتيجة حركة المياه خلال الصخور والتشققات.
وأوضح المؤثر بن أحمد الكندي، متخصص في الجيولوجيا والاستكشاف، أن جبال عُمان تتميز بتكوينات الحجر الجيري التي تتأثر بالمياه، خصوصًا المحملة بنسب من ثاني أكسيد الكربون، ما يؤدي إلى إذابة أجزاء من الصخور تدريجيًّا وتكوين التجاويف والكهوف.
وقال: إن النوازل أو الهوابط تتشكل نتيجة تقاطر المياه المحملة بكربونات الكالسيوم من سقوف الكهوف أو الصخور العلوية والجانبية عبر الصدوع والفراغات بين الطبقات، فيما تتكون الصواعد عند سقوط قطرات المياه إلى أرضيات الكهوف وترسب المعادن ونموها من الأسفل إلى الأعلى.
وأضاف: الصواعد والنوازل قد تلتقي في بعض المواقع لتشكل أعمدة متصلة بين السقف والأرضية، كما تتكون معها برك مائية مختلفة الأحجام والأشكال والمستويات، ما يستدعي دراسة هذه التكوينات وتوثيقها والمحافظة عليها.
وأشار إلى أن الوادي ينحت مساره عبر طبقات رسوبية من تكوين جيولوجي يُعرف علميًّا بـ'تكوين الهجير' (Hajir Formation)، نسبة إلى وادي الهجير، ويتكون في معظمه من طبقات سميكة من الحجر الجيري تعود إلى العصر البروتيروزوي قبل نحو 600 مليون سنة.
وبيّن أن العوامل الجيولوجية التي تعرضت لها هذه الطبقات عبر فترات زمنية طويلة أدت إلى ظهور صدوع والتواءات فيها، شكلت مسارات استطاعت الأودية أن تنحت مجاريها خلالها.
وتظهر في صير عريف تشكيلات متنوعة من الصواعد والنوازل والبرك المائية، من بينها أعمدة مخروطية داخل كهف طولي في الثلث الأخير من الوادي، يمتاز بمدخل ضيق بالقرب من بركة مياه عذبة قبل أن يتسع في الداخل، ويضم أرضيات طينية وصخرية وتشكيلات جيولوجية مختلفة.
كما توجد تشكيلات أخرى في عدد من مواقع الصير، إلى جانب أشجار ونباتات برية وأنواع من الزواحف الصغيرة والحشرات، ما يجعل الموقع من المناطق التي تحتاج إلى مزيد من الاستكشاف والدراسة والتوثيق والمحافظة على مكوناتها الطبيعية.
مغامرات بالحبال
وقال طلال بن علي الهطالي، أحد المشاركين في استكشاف صير عريف: إن دخول الوادي يتطلب خبرة في سياحة المغامرات بسبب وجود عدد من المساقط المائية والصخور المرتفعة والحواف والبرك المائية، ما يستوجب استخدام معدات آمنة ومعتمدة للنزول بالحبال ومعرفة الربطات والعقد والالتزام باشتراطات السلامة.
وأضاف: يُفضل دخول الوادي برفقة دليل من أهالي القرية ممن لديهم معرفة بتفاصيل الموقع وخبرة في المغامرات الجبلية، إلى جانب تمتع المشاركين بلياقة بدنية مناسبة وقدرة على التحمل، مع اصطحاب كمية كافية من المياه والوجبات الخفيفة وأدوات الإسعافات الأولية.
من جانبه، أوضح خالد بن حمد المفضلي أن المغامرة يمكن أن تبدأ من أسفل صير عريف بقرية الهجير عبر الصعود بمحاذاة الوادي من الجهة الشرقية، ثم النزول إلى بطن الوادي والسير بين الصخور، في مواقع تقل فيها أشعة الشمس أو تنعدم في بعض المواضع.
وأشار إلى أن المسار يتطلب تنفيذ نحو عشرة إنزالات بالحبال تتراوح ارتفاعاتها بين خمسة و20 مترًا تقريبًا، في حين قد يصل عدد الإنزالات إلى نحو 20 إنزالًا عند بدء المسار من أعلى الوادي، مع زيادة مسافة السير والوقت والجهد اللازمين لإكمال الرحلة.
وأضاف أن المغامرة تتضمن في بعض المواقع القفز والسباحة في المياه التي تبقى باردة خلال فصل الصيف نتيجة محدودية وصول أشعة الشمس إليها، وتنتشر على امتداد الوادي تشكيلات صخرية وجيرية وصواعد ونوازل وبرك بأحجام وألوان مختلفة.
وبيّن أن جانبي الوادي يضمان عينين مائيتين جاريتين في موقعين مختلفين، إحداهما من الجهة الغربية والأخرى من الجهة الشرقية، وتشكلت حولهما برك مائية متفاوتة الأحجام والأشكال.
ويشكّل صير عريف نموذجًا للمواقع الطبيعية التي يمكن أن تستقطب هواة سياحة المغامرات والاستكشاف، مع ضرورة الالتزام بالحفاظ على تكويناته الجيولوجية وعدم العبث بالصواعد والنوازل والبرك الحجرية والجيرية ومجاري المياه أو ترك المخلفات، إلى جانب المحافظة على النباتات والأشجار البرية.
ويأتي تنوع التضاريس في سلطنة عُمان بما تضمه من جبال وأودية ورمال وشواطئ وجزر وسهول وتكوينات جيولوجية مختلفة ليشكل أحد المقومات الطبيعية والسياحية التي تتطلب مواصلة جهود صونها واستدامتها والاستفادة منها بما يتوافق مع مستهدفات رؤية 'عُمان 2040'.