موسكو وعالم يتغير: اختبار السياسة الخارجية الروسية
أندريه كورتونوف - ترجمة - نهى مصطفى
الخميس / 12 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:25 - الخميس 24 سبتمبر 2026 20:25
وفي مارس 2014، وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما روسيا بأنها «قوة إقليمية» تهدد بعض جيرانها المباشرين، لا من منطلق القوة، بل الضعف.
يُظهر الرئيس دونالد ترامب ودًّا أكبر تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقارنة بأسلافه، لكن معظم المراقبين للشأن الروسي في الغرب ما زالوا يركزون على تخلّف روسيا التكنولوجي، وفشلها في إنقاذ حلفائها في سوريا وفنزويلا وكوبا، وما يرونه تحوّلًا إلى دولة تابعة للصين العظمى.
كما كان الحال خلال الحرب الباردة، يتعامل معها حلف الناتو باعتبارها تهديدًا رئيسًا تُبنى عليه خططه لنشر قواته. كما فشلت سلسلة العقوبات الغربية غير المسبوقة في إحداث الانهيار الاقتصادي الذي توقعه مصمموها، أو تقويض الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتعثر كذلك مسعى عزل موسكو.
وسّع نفوذه في النظام ما بعد الغربي الذي يتشكل حاليًا. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الروسي أصغر بكثير من الاقتصاد الصيني، فإن الشراكة «غير المحدودة» بين موسكو وبكين أفضت إلى تحالف قوي.
فالتقلب وعدم الاستقرار، والصراعات النشطة وسباقات التسلح في مناطق متعددة، والانفصال الاقتصادي وتراجع العولمة، والصعود العالمي للقومية والشعبوية، وتراجع أهمية القوة الناعمة، والانقسامات داخل التحالف الغربي، كلها سمات للنظام الدولي الحالي تصب في مصلحة موسكو.
وقد يحدث هذا التحول مع مغادرة ترامب البيت الأبيض، لا سيما إذا أعاد خليفته الدعم الأمريكي التقليدي للتحالف عبر الأطلسي، والتعددية، والتجارة الحرة.
كما أن صدمة عالمية -كتسارع تغير المناخ، أو ظهور نظام ذكاء اصطناعي خارج عن السيطرة، أو أي مفاجأة أخرى- قد تدفع الدول إلى تنحية صراعاتها الحالية جانبًا لصالح تعاون أوثق. وعندما يحدث هذا التغيير -وهو أمر حتمي- قد تجد روسيا أن سياستها الخارجية، التي أثبتت جدواها على مدى سنوات طويلة، ومؤسساتها، التي كانت موثوقة ولكنها جامدة، لم تعد تخدم مصالحها على النحو الأمثل.
كما أن روسيا هي القوة الوحيدة القادرة على منافسة الولايات المتحدة في الأسلحة النووية الاستراتيجية، وهو ما يمنحها نفوذًا عسكريًا ودبلوماسيًا واسعًا، ويردع الناتو عن نشر قوات في أوكرانيا، ويعزز موقع موسكو في قضايا الحد من التسلح والاستقرار الاستراتيجي ومنع الانتشار النووي.
وفي بريطانيا وفرنسا، يتعاقب رؤساء الوزراء دون أن يتمكن أي منهم من الحفاظ على ثقة الشعب. أما الاتحاد الأوروبي، فيصمد في الوقت الراهن، لكنه يتخذ قراراته ببطء شديد، ويواجه تزايدًا ملحوظًا في دعم الأحزاب الشعبوية داخل دوله الأعضاء، وهي أحزاب تتطلع إلى الإطاحة بالبيروقراطيين في بروكسل.
ولا تستطيع موسكو هزيمة الغرب، لكنها قادرة على الصمود وموازنة قوته إلى أن يتغير النظام الدولي.
فعلى سبيل المثال، يمنح الاستثمار الضخم في القوات الاستراتيجية والتقليدية موسكو ثقلًا جيوسياسيًا، لكنه لا يساعدها على الاندماج في سلاسل التوريد العالمية الناشئة ذات القيمة العالية. لو كان سوقها المحلي واسعًا كسوق الصين أو الهند، لتمكنت روسيا من حماية نفسها من المخاطر المرتبطة بعودة العولمة. إلا أن تراجعها الديموغرافي طويل الأمد يحول دون ذلك.
كما أن الاعتماد على التصدير للخروج من أزمتها، من خلال بيع المزيد من المحروقات، لن يجدي نفعًا في ظل الانخفاض المحتمل في الطلب على الوقود الأحفوري. وسيكون التنافس على استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة واسعة النطاق أكثر صعوبة، إذ يتطلب مستويات عالية من الثقة والشفافية بين الدول، فضلًا عن إطار قانوني مستقر وسهل التعامل معه.
لكن للاستفادة من موقعها كممر عبور بين شرق آسيا وغرب أوروبا، ستحتاج روسيا إلى شراكات طويلة الأمد ومستقرة، ليس مع الصين فحسب، بل مع الاتحاد الأوروبي أيضًا. ويصعب تصور مثل هذه العلاقات في الوقت الراهن.
وقد ساعدت مركزية صنع القرار الكرملين على حشد الموارد بسرعة وتجنب التطورات السياسية والاجتماعية التي تهدد الدولة، لكنها في الوقت نفسه خنقت روح المبادرة التي تحتاج إليها البلاد لاستعادة تفوقها التكنولوجي والمنافسة في أسواق المستقبل.
لا تزال البنية التحتية للابتكار في روسيا متجذرة في النموذج السوفييتي الذي تمحور حول الدولة في القرن العشرين. لكن التحولات التكنولوجية الحالية -من الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى الطاقة النظيفة والحوسبة الكمومية وتعديل الجينات- تتطلب أنماطًا جديدة من التفاعل بين الدول والشركات الخاصة، بدءًا من المنصات العالمية وصولًا إلى الشركات الناشئة الصغيرة التي غالبًا ما تقود إلى تحقيق اختراقات رئيسة.
صحيح أن هذا النموذج يقلل من المخاطر الخارجية المباشرة، لكنه يحول دون الاستفادة الكاملة من موقع روسيا الجغرافي ومواردها ورأس مالها البشري. كما أن المواجهة الدائمة مع الولايات المتحدة وأوروبا لا تخدم التنمية الروسية على المدى البعيد.
وقد يستمر الغرب في التراجع، لكنه سيظل عنصرًا لا غنى عنه في البيئة الخارجية لروسيا؛ فهو يمثل أحيانًا مشكلة لموسكو، وأحيانًا أخرى جزءًا من الحل. لذلك، يظل التعايش السلمي، بل والتعاون المحدود، الخيار الأكثر واقعية.
ونظرًا إلى الحالة المزرية للعلاقات الروسية الأوروبية، فإن أي تقارب، ولو كان جزئيًا، سيستغرق وقتًا طويلًا. لكن بمجرد انتهاء الصراع في أوكرانيا، يمكن للطرفين البدء في عملية إصلاح تدريجية.
تبدو روسيا قوية ومستقرة حاليًا، لكن الحفاظ على هذا الوضع يتطلب قدرتها على التكيف مع اضطرابات النظام الدولي والتغير التكنولوجي.
ورغم أن تمسكها بالاستقرار مفهوم في ضوء تجربة التسعينيات المؤلمة، فإنه قد يتحول إلى جمود يعيق التكيف ويدفعها، كما حدث لقوى عظمى من قبل، إلى الهامش.