ترجمة

موسكو وعالم يتغير: اختبار السياسة الخارجية الروسية

أندريه كورتونوف - ترجمة - نهى مصطفى

 

تنظر الولايات المتحدة إلى روسيا باعتبارها قوة في طريقها إلى الانحدار. تشكّل هذا التقييم في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت تظهر على الاتحاد السوفييتي علامات واضحة على التوسع الإمبراطوري المفرط، وترسّخ بعد انهيار حلف وارسو، ثم الاتحاد السوفييتي نفسه.

اتبعت واشنطن أجندة سياسية شملت توسيع حلف الناتو، وتعاملت مع النفوذ والمصالح الروسية باعتبارها مسألة ثانوية، فيما حوّل الصراع الطويل الأمد حول أوكرانيا هذا الاستخفاف إلى استعلاء.

وفي مارس 2014، وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما روسيا بأنها «قوة إقليمية» تهدد بعض جيرانها المباشرين، لا من منطلق القوة، بل الضعف.

يُظهر الرئيس دونالد ترامب ودًّا أكبر تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقارنة بأسلافه، لكن معظم المراقبين للشأن الروسي في الغرب ما زالوا يركزون على تخلّف روسيا التكنولوجي، وفشلها في إنقاذ حلفائها في سوريا وفنزويلا وكوبا، وما يرونه تحوّلًا إلى دولة تابعة للصين العظمى.

قد تناسب صورة روسيا كدولة ضعيفة ومتلاشية تحيزات كثير من منتقدي بوتين، لكنها تتعارض جوهريًا مع الواقع: فموسكو تمارس نفوذًا يفوق حجمها باستمرار في الشؤون العالمية. بعد خمسة وثلاثين عامًا على تفكك الاتحاد السوفييتي، لا تزال روسيا قوة نووية عظمى.

كما كان الحال خلال الحرب الباردة، يتعامل معها حلف الناتو باعتبارها تهديدًا رئيسًا تُبنى عليه خططه لنشر قواته. كما فشلت سلسلة العقوبات الغربية غير المسبوقة في إحداث الانهيار الاقتصادي الذي توقعه مصمموها، أو تقويض الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتعثر كذلك مسعى عزل موسكو.

روّج الكرملين بمهارة لهيئات غير غربية، مثل مجموعة البريكس، التي تضم عددًا من أكبر الاقتصادات الناشئة، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وهي تجمع سياسي وأمني أوراسي.

وسّع نفوذه في النظام ما بعد الغربي الذي يتشكل حاليًا. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الروسي أصغر بكثير من الاقتصاد الصيني، فإن الشراكة «غير المحدودة» بين موسكو وبكين أفضت إلى تحالف قوي.

لكن هذا التقييم المتفائل يستدعي تحذيرًا: فهو يعتمد على الظروف الدولية السائدة اليوم. فلا تزال موسكو تتمتع بنفوذ يفوق حجمها لأنها تتحرك في عالم متشظٍّ وغير قابل للتنبؤ، وهو ما يصب في مصلحتها.

فالتقلب وعدم الاستقرار، والصراعات النشطة وسباقات التسلح في مناطق متعددة، والانفصال الاقتصادي وتراجع العولمة، والصعود العالمي للقومية والشعبوية، وتراجع أهمية القوة الناعمة، والانقسامات داخل التحالف الغربي، كلها سمات للنظام الدولي الحالي تصب في مصلحة موسكو.

يتمثل الخطر على روسيا في أن الاضطرابات وحالة عدم اليقين السائدة اليوم قد لا تدومان. فمن المرجح أن تعود الأمور إلى نصابها مع انحسار الفوضى العالمية واستعادة النظام الدولي تماسكه.

وقد يحدث هذا التحول مع مغادرة ترامب البيت الأبيض، لا سيما إذا أعاد خليفته الدعم الأمريكي التقليدي للتحالف عبر الأطلسي، والتعددية، والتجارة الحرة.

كما أن صدمة عالمية -كتسارع تغير المناخ، أو ظهور نظام ذكاء اصطناعي خارج عن السيطرة، أو أي مفاجأة أخرى- قد تدفع الدول إلى تنحية صراعاتها الحالية جانبًا لصالح تعاون أوثق. وعندما يحدث هذا التغيير -وهو أمر حتمي- قد تجد روسيا أن سياستها الخارجية، التي أثبتت جدواها على مدى سنوات طويلة، ومؤسساتها، التي كانت موثوقة ولكنها جامدة، لم تعد تخدم مصالحها على النحو الأمثل.

تصب التوجهات التي تضعف النظام الدولي في مصلحة موسكو. ففي عالم مجزأ تحكمه القوة، يظل النفوذ العسكري الروسي مصدرًا مهمًا للقوة والتأثير.

كما أن روسيا هي القوة الوحيدة القادرة على منافسة الولايات المتحدة في الأسلحة النووية الاستراتيجية، وهو ما يمنحها نفوذًا عسكريًا ودبلوماسيًا واسعًا، ويردع الناتو عن نشر قوات في أوكرانيا، ويعزز موقع موسكو في قضايا الحد من التسلح والاستقرار الاستراتيجي ومنع الانتشار النووي.

أما على صعيد القدرات التقليدية، فتحتفظ روسيا ببحرية قادرة على العمل في أعالي البحار وقدرات هجومية بعيدة المدى. ورغم أن حرب أوكرانيا كشفت نقاط ضعف في الجيش الروسي، فقد شهد خلال السنوات الماضية تحولًا عزز كفاءته وقدرته القتالية، وبات يمتلك خبرة واسعة في الحروب البرية الحديثة. وستظل هذه الخبرة مصدر قوة لموسكو في الحروب التقليدية المقبلة.

يعزز انقسام العالم وندرة الموارد نفوذ روسيا بفضل ثرواتها الطبيعية، فهي مورد رئيسي للنفط والغاز والفحم والقمح والأسمدة واليورانيوم والمعادن الحيوية والماس وغيرها. كما تستفيد من دورها في تأمين الإمدادات، ولا سيما مع اعتماد الصين على مواردها، بينما عززت اضطرابات خطوط الإمداد في الشرق الأوسط موقف موسكو.

تدعم البيئة الدولية المتنافسة والمتقلبة قيمة النظام السياسي والاقتصادي المركزي في روسيا، الذي ساعدها على الحفاظ على الاستقرار رغم الضغوط الغربية وحرب أوكرانيا. كما يتيح تركز صنع القرار في يد بوتين قدرًا أكبر من التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل مقارنة بالأنظمة التي تتأثر بدورات الانتخابات.

أثناء ذلك، تعيش الولايات المتحدة حالة من الفوضى والانقسام السياسي، ويرأسها رئيس متقلب وكونجرس عاجز. ويبدو أن ترامب لا يحترم بوتين فحسب، بل يحسده أيضًا على قبضته المحكمة على روسيا.

وفي بريطانيا وفرنسا، يتعاقب رؤساء الوزراء دون أن يتمكن أي منهم من الحفاظ على ثقة الشعب. أما الاتحاد الأوروبي، فيصمد في الوقت الراهن، لكنه يتخذ قراراته ببطء شديد، ويواجه تزايدًا ملحوظًا في دعم الأحزاب الشعبوية داخل دوله الأعضاء، وهي أحزاب تتطلع إلى الإطاحة بالبيروقراطيين في بروكسل.

طالما أن النظام الدولي يفضل التنافس على التعاون، والأمن على الازدهار، والإقليمية على العولمة، ستظل روسيا لاعبًا رئيسًا، مستفيدة من تفوقها في بعض المجالات، رغم تفوق منافسيها اقتصاديًا وتكنولوجيًا.

ولا تستطيع موسكو هزيمة الغرب، لكنها قادرة على الصمود وموازنة قوته إلى أن يتغير النظام الدولي.

لكن هذا الوضع قد لا يدوم؛ فالتاريخ يسير في دورات، وقد تعود العولمة، ويحل الاستقرار محل الاضطراب، مع إمكانية تسوية الصراعات في الشرق الأوسط، وتحسن العلاقات بين واشنطن وبكين، وتجاوز الاتحاد الأوروبي أزماته، واستعادة التعددية الدولية لدورها.

في عالم كهذا، ستبدأ بعض عناصر السياسة الخارجية التي توليها روسيا أهمية بالغة حاليًا في فقدان قيمتها. وستكتسب أشكال القوة الناعمة، التي استهانت بها روسيا، أهمية أكبر.

فعلى سبيل المثال، يمنح الاستثمار الضخم في القوات الاستراتيجية والتقليدية موسكو ثقلًا جيوسياسيًا، لكنه لا يساعدها على الاندماج في سلاسل التوريد العالمية الناشئة ذات القيمة العالية. لو كان سوقها المحلي واسعًا كسوق الصين أو الهند، لتمكنت روسيا من حماية نفسها من المخاطر المرتبطة بعودة العولمة. إلا أن تراجعها الديموغرافي طويل الأمد يحول دون ذلك.

كما أن الاعتماد على التصدير للخروج من أزمتها، من خلال بيع المزيد من المحروقات، لن يجدي نفعًا في ظل الانخفاض المحتمل في الطلب على الوقود الأحفوري. وسيكون التنافس على استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة واسعة النطاق أكثر صعوبة، إذ يتطلب مستويات عالية من الثقة والشفافية بين الدول، فضلًا عن إطار قانوني مستقر وسهل التعامل معه.

توفر جغرافية البلاد بعض المزايا؛ فبامتلاكها أطول ساحل قطبي في العالم، تستطيع روسيا الاستحواذ على حصة كبيرة من احتياطيات الموارد في أقصى الشمال، ومن طرق الشحن الجديدة التي ستُفتح مع ارتفاع درجات الحرارة.

لكن للاستفادة من موقعها كممر عبور بين شرق آسيا وغرب أوروبا، ستحتاج روسيا إلى شراكات طويلة الأمد ومستقرة، ليس مع الصين فحسب، بل مع الاتحاد الأوروبي أيضًا. ويصعب تصور مثل هذه العلاقات في الوقت الراهن.

وأخيرًا، من دون بيئة مدنية قوية للتكنولوجيا المتقدمة، قد تجد روسيا نفسها متأخرة كثيرًا عن الولايات المتحدة والصين في مجال التفوق التكنولوجي. فعلى مدى عقدين، شددت القيادة الروسية قبضتها على القطاع الخاص.

وقد ساعدت مركزية صنع القرار الكرملين على حشد الموارد بسرعة وتجنب التطورات السياسية والاجتماعية التي تهدد الدولة، لكنها في الوقت نفسه خنقت روح المبادرة التي تحتاج إليها البلاد لاستعادة تفوقها التكنولوجي والمنافسة في أسواق المستقبل.

لا تزال البنية التحتية للابتكار في روسيا متجذرة في النموذج السوفييتي الذي تمحور حول الدولة في القرن العشرين. لكن التحولات التكنولوجية الحالية -من الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى الطاقة النظيفة والحوسبة الكمومية وتعديل الجينات- تتطلب أنماطًا جديدة من التفاعل بين الدول والشركات الخاصة، بدءًا من المنصات العالمية وصولًا إلى الشركات الناشئة الصغيرة التي غالبًا ما تقود إلى تحقيق اختراقات رئيسة.

سيتوقف مستقبل روسيا على المدى البعيد على قدرتها على التحوط والاستعداد لأي تغيير آخر في النظام العالمي. فنموذجها الحالي، القائم على مفهوم «الحصن المحاصر»، ينظر إلى البيئة الدولية باعتبارها تحديًا لا فرصة.

صحيح أن هذا النموذج يقلل من المخاطر الخارجية المباشرة، لكنه يحول دون الاستفادة الكاملة من موقع روسيا الجغرافي ومواردها ورأس مالها البشري. كما أن المواجهة الدائمة مع الولايات المتحدة وأوروبا لا تخدم التنمية الروسية على المدى البعيد.

وقد يستمر الغرب في التراجع، لكنه سيظل عنصرًا لا غنى عنه في البيئة الخارجية لروسيا؛ فهو يمثل أحيانًا مشكلة لموسكو، وأحيانًا أخرى جزءًا من الحل. لذلك، يظل التعايش السلمي، بل والتعاون المحدود، الخيار الأكثر واقعية.

تأتي استعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في مقدمة الأولويات، فمن السهل هذه الأيام نسيان أن دوله الأعضاء كانت يومًا الشريك الاقتصادي الرئيسي لموسكو، ومصدرها الأساسي للتكنولوجيا الحديثة وممارسات الأعمال المتطورة.

ونظرًا إلى الحالة المزرية للعلاقات الروسية الأوروبية، فإن أي تقارب، ولو كان جزئيًا، سيستغرق وقتًا طويلًا. لكن بمجرد انتهاء الصراع في أوكرانيا، يمكن للطرفين البدء في عملية إصلاح تدريجية.

من مصلحة روسيا دعم المعايير القانونية الدولية، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات والتخلي عن مكاسب قصيرة الأجل؛ فعالم تحكمه قاعدة «القوة هي الحق» قد يخدمها مؤقتًا، لكنه ينطوي على مخاطر طويلة الأجل في ظل تغير ميزان القوى وصعود قوى جديدة.

تبدو روسيا قوية ومستقرة حاليًا، لكن الحفاظ على هذا الوضع يتطلب قدرتها على التكيف مع اضطرابات النظام الدولي والتغير التكنولوجي.

ورغم أن تمسكها بالاستقرار مفهوم في ضوء تجربة التسعينيات المؤلمة، فإنه قد يتحول إلى جمود يعيق التكيف ويدفعها، كما حدث لقوى عظمى من قبل، إلى الهامش.