ثقافة

المشهد الثقافي العماني يودع محمد عيد العريمي

ترك تجربة إنسانية ومنجزا متعدد الأشكال

 

((عمان)): غيب الموت الكاتب والروائي العماني محمد بن عيد العريمي عن عمر ناهز 72 عاما، بعد مسيرة امتدت عقودا تنقل خلالها بين الهندسة والترجمة والكتابة، وترك في المشهد الثقافي العماني تجربة أدبية في السيرة والرواية والقصة القصيرة والمقال والترجمة، استندت إلى الذاكرة والتجربة الإنسانية وأسئلة الإنسان والمكان.
ولد العريمي في عام 1954م في وادي المر بولاية صور في محافظة جنوب الشرقية، في بيئة تتجاور فيها الصحراء والبحر، وتتداخل في ذاكرتها تفاصيل الحياة اليومية مع حكايات السفر والبحر والبادية، وتشكل وعيه المبكر بالمكان، وبرزت لديه منذ طفولته رغبة اكتشاف ما وراء الحدود التي رسمها محيطه الجغرافي. وكان البحر بالنسبة إليه أكثر من مشهد مألوف؛ فقد ارتبط في مخيلته بفكرة الرحلة والعالم البعيد، وحلم في طفولته بأن يصبح 'نوخذة' يحمل نفسه إلى القارات والدول عبر البحر.
لكن الرحلة اتخذت مسارا آخر، عندما قادته رغبته في المعرفة إلى التعليم، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل عام 1981م على درجة البكالوريوس في العلوم بتخصص الهندسة الصناعية. وكانت تلك المرحلة انتقالا من بيئته الأولى في وادي المر إلى فضاء معرفي ومهني مختلف، قبل أن يعود إلى عمان ويعمل مهندسا في شركة تنمية نفط عمان، ليبدأ مسارا مهنيا لم يكن متصلا بالعالم الأدبي، فكان العمل بالنسبة إليه مرتبطا بفكرة الاستقلال والاعتماد على النفس. وعاش سنواته المهنية وهو يبني صورته عن ذاته باعتباره إنسانا قادرا على اتخاذ قراراته وإدارة شؤونه والاعتماد على قدراته، قبل أن يتعرض لحادث أحدث تحولا جذريا في حياته، وفرض عليه واقعا جديدا مع الإعاقة. وامتد أثر الحادث إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح عليه أن يعيد ترتيب حياته من نقطة لم يخترها، مستفيدا من خلفيته الهندسية في البحث عن حلول عملية للتحديات التي فرضها وضعه، ووسائل تمكنه من مواصلة حياته بصورة مختلفة.
لم يحاول العريمي في كتاباته وشهاداته عن تجربته تقديم صورة مثالية خالية من الضعف، وكان الاعتراف بالألم جزءا من صدق التجربة، كما كان البحث عن إمكانية مواصلة الحياة جزءا آخر منها، وأخذت المعرفة والقراءة والكتابة مساحة متزايدة في حياته. وظل شغوفا بالمجلات والدوريات والدراسات، وواصل توسيع عالمه المعرفي. لينتقل مع الوقت من الهندسة إلى الترجمة، ثم أخذت الكتابة تتسع لتصبح مكونا رئيسيا في مسيرته. فالطفل الذي حلم بالسفر عبر البحار وجد طريقا آخر للرحلة عبر الكتاب واللغة والذاكرة والحكاية. ومن خلال الكتابة أصبح قادرا على الانتقال بين الأمكنة والتجارب، وتحويل ما عاشه شخصيا إلى مادة تتصل بتجارب إنسانية أوسع.
وكانت السيرة أحد أبرز المداخل التي عبر من خلالها العريمي إلى الكتابة، ولا سيما في كتابه 'مذاق الصبر'، الذي تناول فيه تجربته مع الإعاقة وما رافقها من تحولات إنسانية ونفسية واجتماعية، وكانت الإعاقة مدخلا إلى أسئلة أوسع حول الاستقلال والكرامة والخوف والتكيف وإعادة بناء الذات.
انتقل العريمي بعدها إلى الرواية والقصة والمقال، مستحضرا في كتاباته المكان والذاكرة والشخصيات والتجارب الاجتماعية والتاريخية. ومن أبرز إصداراته 'حز القيد'، و'بين الصحراء والماء'، و'شهادة من زمن الحرب'، و'قوس قزح'، و'حكايات يونس حيم'، إلى جانب 'مذاق الصبر'. كما امتدت تجربته إلى الترجمة، ومن أبرز أعماله تعريب رواية 'مزرعة الحيوان' لجورج أورويل، فضلا عن إشرافه على إعداد كتاب 'عمان.. الإنسان والمكان'.
وظل المكان العماني حاضرا في أعماله، وبقيت صور وادي المر والبحر والصحراء والسفن والجمال والكتاتيب والمدرسة والقهوة والشاي والنار والشعر والتغرود والراديو جزءا من تكوينه ووعيه، وتحولت هذه التفاصيل من عناصر في ذاكرة الطفولة إلى مادة ثقافية وسردية، فالمكان يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة إلى حكاية، والحكاية إلى وسيلة لفهم الإنسان وتحولاته.
وأكسبته هذه الخصوصية حضورا في الدراسات والقراءات النقدية التي تناولت تجربته، فتحولت أعمال مثل 'مذاق الصبر' و'بين الصحراء والماء' إلى موضوع للبحث والدراسة، كما أقيمت ندوة علمية بعنوان 'الذاتية في أدب محمد عيد العريمي'، تناولت تجربته السردية من زوايا تتصل بالسيرة والزمان والمكان والجسد والمسكوت عنه. كما أتاحت الترجمة له التواصل مع آداب وثقافات أخرى، ومنها ترجمته 'مزرعة الحيوان'.
وحظيت تجربته بتقدير ثقافي، من أبرز محطاته فوزه بجائزة الإنجاز الثقافي البارز لعام 2015 ضمن مبادرة القراءة 'نور وبصيرة'، التي صدر بمناسبتها كتاب 'حادي النجوم'، متضمنا حوارا مطولا معه وشهادات حول تجربته. وكرمته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء عام 2023 تقديرا لإسهاماته الأدبية وتجربته الإبداعية.