أفكار وآراء

نحو اليسار قليلا

وسط المشهد القاتم لاستحواذ اليمين على الانتخابات يخطف يسار برلين نصرا تاريخيا، ليكون اليسار لأول مرة القوة السياسية الأولى في الولاية.

في ألمانيا اليوم ثمة نوع من الاستقطاب ينتج عنه هجران للأحزاب التقليدية التي حكمت ألمانيا منذ الحرب العالمية مقابل اليمين المتطرف وتيار اليسار. وإن كان الناخبون ينتصرون لليمين أو اليسار فإنهم ينطلقون من المنطق نفسه؛ عدم رضى عن الطريقة التي تسير بها الأمور، وغضب من إخفاق الأحزاب التقليدية في حل المشكلات الاقتصادية.

تحاول الأحزاب التصدي لمشكلات الإسكان، والتضخم، وغلاء المعيشة بحلول مختلفة، كل حسب فهمه لأصل المشكلة. يُفسر اليمين الأزمة باعتبارها نتيجة لسياسات الهجرة التي ترهق الدولة، ويقترح ضبط الهجرة والترحيل كحلول للأزمة. بينما يرى اليسار أن أصلها يكمن في تحالف الأحزاب التقليدية مع اللوبيات التجارية.

في تشابه لا تنكره مرشحة حزب اليسار مع قصة ممداني وأجندته، تضع إيليف إيرالب توفير المسكن على رأس برنامجها الانتخابي، وذلك عبر نزع ملكية المساكن من شركات العقارات، وتحويلها لملكية عامة.

وُلدت إيرالب في مدينة ميونخ لأبوين لاجئين من تركيا. درست القانون في هامبورغ، وانتقلت للعيش في برلين عام 2010 وعملت مستشارة قانونية لكتلة حزب اليسار في البرلمان الاتحادي.

ركزت حملتها الانتخابية على أزمة العقارات، ونظافة الشوارع. وظهرت في الفضاء العام كمدافعة متضامنة تُسخّر أدواتها القانونية وقيمها الاشتراكية للدفع بسياسات توفر العيش الكريم لسكان المدينة أيا يكن الأصل الذي قدموا منه. وفي بلاد بُنيت على أكتاف العمال الأتراك الذين عُمِلوا كضيوف على البلاد لمست المرشحة الجالية التركية بشكل خاص، خصوصا وهي تتوجه إليهم في الحديث بلغتهم.

احتفل حزب اليسار “Die Linke” بهذا الانتصار عبر الهتاف لحرية فلسطين (وجع آخر لسكان برلين). هذا الانحياز نحو العدالة للفلسطينيين يُمثل تحديا عند بناء الائتلاف لتشكيل الحكومة المحلية. إذ يتخذ الحزب موقفا جذريا فريدا لا يلتقي مع رؤية الأحزاب الأخرى المرشحة لتكون حليفة اليسار، والتي تعد الدفاع عن مصالح إسرائيل عقيدة لا تقبل التنازل.

أمام التحديات الاقتصادية يلقي اليمين باللوم على سياسات اللجوء والهجرة. بينما يُجادل الطرف الآخر أن توسيع حق اللجوء والهجرة، وتسهيل الحصول على الجواز الألماني ليس واجبا أخلاقيا فحسب، بل مخرج محتمل من الأزمة الديموغرافية الملحة التي تعيشها ألمانيا، والتي تهدد بزوال دولة الرعاية والرفاه ببرامج الحماية الاجتماعية التي تقدم الدعم للمتقاعدين والمرضى والعاطلين.

منذ منتصف القرن العشرين تزامن تحول البلاد إلى دولة صناعية مع انخفاض في الخصوبة. عمل المهاجرون حتى الآن ـ والذين غالبا ما يأتون للبلاد في سن الشباب ـ على تصحيح الخلل الديموغرافي.

عندما تشيخ الدولة فإن ذلك يعني عددا أقل من العاملين، وانخفاض الضرائب، وتهديد البنية التحتية والخدمات والدعم الاجتماعي.

في الستينيات كان ثمة خمسة عاملين مقابل كل متقاعد، هذا العدد انخفض للنصف في 2024 ما يعني أن الحكومة تحتاج باستمرار لسد الخلل في نظام التقاعد، حتى إنه في 2025 ذهبت ربع عوائد الضرائب لهذا الغرض حصرا!

مجددا الدعوات لتوسيع حق اللجوء والهجرة تعرض نفسها كحل لسد حاجة ألمانيا من اليد العاملة.

فوز اليسار يمنح شيئا من الأمل بعد أن نجح حزب اليمين المتطرف «البديل من أجل ألمانيا» في الحصول على أعلى نسبة من الأصوات بداية في ولاية ساكسونيا-أنهالت، ولاحقاً في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن.

ثمة مؤيدون للبديل من المهاجرين (بالرغم من عداء الحزب للأجانب)، حتى إن المركز الألماني لأبحاث الاندماج والهجرة خلص إلى أن طبيعة التصويت لا تعتمد بشكل ملحوظ على ما إذا كان الناخبون قادمين من خلفيات مهاجرة؛ إذ يبدو أن كثيرين يرون منطقاً في الحل الذي يقترحه البديل؛ حيث يُشدد الحزب على دور المقاطعة الروسية، والاستغناء عن الطاقة الروسية في التضخم وتعميق الأزمة الاقتصادية.

والحل الذي يقترحه هو إعادة التعاون الروسي الألماني فيما يتعلق بالطاقة للوضع الذي يسبق حرب أوكرانيا.

أمر آخر يُمكن أن يُقال بهذا الخصوص. ثمة نوع من طبقية التمييز ومستويات للعنصرية. وكثير من القادمين من خلفيات مهاجرة لا يشعرون أن العنصرية الألمانية موجهة ضدهم، بل ضد جاليات معينة، العرب مثلا بثقافتهم وقيمهم المختلفة كليا عن الثقافة الأوروبية، وعدائهم للسامية.

فوق هذا يشعر المهاجرون الذين قدموا مبكراً إلى البلاد أن لهم حق فيها لا يتساوى مع حق القادمين الجدد، وأن الكعكة تتلاشى لفرط ما قُسمت، فلم يعد لهم منها نصيب.

لا يزال الوقت مبكراً للتكهن بما إذا كانت إيليف إيرالب ستنجح في أن تصبح عمدة لبرلين، فهذا يعتمد على الحكومة المحلية التي ستشكل، كما أن الوقت مبكر للتكهن بشكل الحكومة الاتحادية القادمة.

نظام الانتخاب الألماني يعمل - بالمناسبة - على مستويين. فثمة الانتخابات المحلية - التي تجري حاليا عبر المقاطعات الألمانية المختلفة، والتي لا تجري بالتزامن بالضرورة بسبب الاستقلالية الدستورية لكل ولاية - التي تُشكل على أساسها الحكومات المحلية، ثم يأتي المستوى الثاني الذي تُشكل فيه الحكومة الاتحادية للبلاد، وتحصل كل ولاية على حصتها من الأصوات بما يتوافق مع عدد السكان.