أفكار وآراء

متى تصبح أمريكا راعية للسلام؟

يعيش العالم هذه الأيام أجواء انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها رقم ٨١ والتي بدأت فعالياتها الثلاثاء الماضي، وفي خضم هذا الزخم الأممي الموسمي ينحسر الاهتمام العالمي عن بعض قضايا السياسة الدولية الجارية ليتركز بصفة خاصة على أكثر القضايا إلحاحا وحضورا وتأثيرا على الساحة الدولية وعلى الوضع الدولي، وهي قضايا في معظمها تتعلق بصراعات المصالح والنفوذ بين القوى العظمى والفاعلين الدوليين، وهي في الغالب قضايا سياسية لها تأثيرات وتداعيات سالبة على الاقتصاد العالمي، أو بالأصح وتحريا للدقة على مراكز التأثير على القرار الاقتصادي العالمي.

ذلك أن كلمتي «عالمي» و«دولي» هما ذواتا مدلولات نسبية، ولا تعبران بدقة عن المعنى الحرفي الحقيقي لهما الذي من المفترض أن يكون شاملا جامعا لكل دول العالم المنضوية بعضويتها تحت لواء الأمم المتحدة، فهناك طبقية على مستويات متعددة داخل البناء الهرمي لما يطلق عليه «الأمم المتحدة»، ولا أدري ما السبب في اختيار المؤسسين للأمم المتحدة لفظة «المتحدة» كلاحقة تتبع كلمة «الأمم»؛ هل الاختيار تم بناء على أمل ورغبة وأمنية بأن يصبح العالم متحدا يوما ما؟ لأن التاريخ الإنساني القديم والحديث لم يشهد قط واقعة اتحدت فيه دول العالم لا على المستوى الإقليمي، ولا على المستوى الدولي، بل إن الصراعات والنزاعات والحروب كانت ولا تزال هي السمة البارزة والأكثر وضوحا والمرشحة للاستمرار والتفاقم في المستقبل بناء على الواقع الماثل الآن في الوقت الراهن.

ولعل الظروف التي أُنشئت في سياقها منظمة الأمم المتحدة هي التي دعت من اختاروا لها الاسم إلى تفضيل لفظ المتحدة؛ حيث ولدت هذه المنظمة من رحم الحرب العالمية الثانية - التي هي في حقيقتها غربية -، وما جرى فيها من فظائع وأهوال وراح ضحيتها أكثر من ٥٠ مليون مدني، و٢٥ مليون عسكري، ٥ ملايين منهم ماتوا في الأسْر، ودمرت مدن بأكملها، واستخدمت فيها الولايات المتحدة السلاح النووي ضد اليابان في هيروشيما وناجازاكي.

ومن غرائب الصدف أن الحرب العالمية الثانية بدأت في ١ سبتمبر ١٩٣٩، وانتهت في ٢ سبتمبر ١٩٤٥، وأن اجتماعات الجمعية العامة تعقد سنويا في شهر سبتمبر؛ فهل هي مصادفة، أم أن الأمر مقصود لتخليد ذكرى حرب هي الأكثر دموية في التاريخ البشري نشبت بسبب صراع حول النفوذ ولأسباب كان يمكن تسويتها بالطرق السلمية وفي إطار المنظمة الأممية القائمة آنذاك وهي عصبة الأمم التي أنشئت في العام ١٩١٩ بعد الحرب العالمية الأولى وبموجب معاهدة «فرساي» وكان الغرض منها بحسب الميثاق (لتعزيز التعاون الدولي وتحقيق السلم والأمن الدوليين)، لكنها عجزت عن منع وقوع الحرب العالمية الثانية؛ بسبب هيمنة قوة وإرادات الدول الكبرى في ذلك الوقت على السياسة الدولية، وسيادة منطق القوة وطغيانه على منطق التسوية والحلول الوسط؟واليوم نرى في واقعنا الراهن نفس الملامح والشبه لما سبق، ويكاد التاريخ يعيد نفسه بشيء من الفوارق بحكم تقادم العهد وتغير الزمان والمكان والفاعلين الدوليين، خشبة المسرح هي نفسها لم تتغير، وإن كان هناك ممثلون جدد على المسرح، وكومبارس خلف الكواليس، ومخرجون يديرون الأحداث ويتحكمون في المشهد منذ البداية حتى النهاية.

الأمم المتحدة الحالية عجزت تماما عن تفادي حروب كثيرة مثلت تهديدا مباشرا للسلم والأمن الدوليين، ووقفت مكتوفة اليدين إزاء كثير من الجرائم التي ارتكبت على مرأى ومسمع وكالاتها وهياكلها التنظيمية وأجهزتها التي من المفترض أنها أنشئت بغرض الحيلولة دون وقوعها، ويبدو أمناؤها العامون المتعاقبون عليها منذ النشأة مغلوبين على أمرهم منساقين وراء رغبات القوى العظمى ومتماهين مع مصالح هذه القوى، وهي مصالح تتعارض مع مبادئ وقواعد المنظمة؛ يأتي الأمين العام وفي نيته الإصلاح والتقويم، فما يلبث أن يتحول إلى مجرد «ترس» في الآلة التي تحرك المنظمة في الاتجاه الذي تريده، وهو لا يستطيع الفكاك منها أو الخروج من دورتها.

ويبلغ الاستخفاف بالمنظمة من قبل بعض القوى المنبوذة والمارقة حد السباب والاستهزاء والسخرية منها من داخل حرمها، ومن على أعلى منبر فيها وبحضور كامل عضويتها، ويمزق ميثاقها شر ممزق أمامهم في تحدٍ غير مسبوق ليس فقط للمنظمة، ولكن لإرادة الدول الأعضاء جميعها، ولا يقابل هذا الفعل الشنيع إلا بتقطيب الجباه ورفع حواجب الدهشة والاستغراب، وتقليب الأكف حيرة وذهولا.

إن بروز «دولة المقر» الولايات المتحدة الأمريكية كقوة وحيدة مهيمنة على الساحة الدولية أسهم كثيرا في إحداث الاختلالات الحادثة في بنية المنظمة التنظيمية، وفي أعمالها وقراراتها، وفي تعاطيها مع الأزمات، وفي حريتها في ممارسة دورها وواجبها ومهامها المنصوص عليها في الميثاق.

حيث تزايدت وتيرة التدخلات في اختصاصات المنظمة من قبل الولايات المتحدة دولة المقر بما أخل كثيرا بالنظم والصلاحيات الممنوحة لهياكل وأجهزة المنظمة بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، حتى بدا الأمر كما لو كانت المنظمة جزءا من المؤسسات والهيئات الحكومية الأمريكية، وليست منظمة أممية مستقلة.

إن وجود منظمة الأمم المتحدة في الولايات المتحدة الأمريكية تحكمه اتفاقية تسمى باتفاقية المقر أبرمت بين المنظمة والولايات المتحدة الأمريكية، وجرى اعتمادها في أكتوبر ١٩٤٧ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٦٩، ووفقا لهذه الاتفاقية تخضع أرض المقر والمساحات المستأجرة لإدارة المنظمة وحدها، وتتمتع بسيادة خارجة عن نطاق دولة المقر.

وينص البند الحادي عشر من الاتفاقية على عدم جواز عرقلة السلطات الأمريكية دخول الأشخاص المدعوين رسميا أو ممثلي الدول الأعضاء إلى المقر بغض النظر عن طبيعة العلاقات السياسية بين حكومات هؤلاء الأشخاص وحكومة الولايات المتحدة .

لكن ما هو مشاهد أن الولايات المتحدة الأمريكية ظلت على مر عهود رئاسية متعاقبة تخرق بنود هذه الاتفاقية في وجوه كثيرة ومختلفة، ولعل أبرزها وأكثرها إضرارا بعمل المنظمة وفي أكبر محافلها هي الامتناع عن منح تأشيرة الدخول لأعضاء رسميين وأشخاص وممثلين لأعضاء في الأمم المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة وتمثيل بلادهم ومخاطبة الأعضاء، وهو حق مكفول لهم بنص القانون وميثاق الأمم المتحدة وبنود اتفاقية المقر.

فعلى سبيل المثال لا الحصر رفضت الولايات المتحدة هذا العام للعام الثاني على التوالي منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد المرافق له تأشيرات دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبررت السلطات الأمريكية رفضها منح التأشيرة للوفد الفلسطيني بأن السلطة الفلسطينية «عجزت عن تنفيذ إصلاحات واستمرار أنشطتها في اللجوء للمحاكم الدولية واتخاذ خطوات أحادية بشأن الدولة الفلسطينية بدلا من المفاوضات المباشرة»!!، وهو تبرير ذو طابع سياسي، ويعد انتهاكا لنص البند ١١ من اتفاقية المقر، وسيضطر الرئيس الفلسطيني محمود عباس لمخاطبة الاجتماعات عبر تقنية الفيديو من مقر إقامته في رام الله.

كذلك فقد امتنعت الحكومة الأمريكية عن منح رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وطبقا لوكالة «رويترز» فإن واشنطن اشترطت موافقة البرهان على توقيع مقترح تقدم به مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية «مسعد بولس» يقضي بوقف إطلاق نار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لمدة ٩٠ يوما، وهو الآخر انتهاك لاتفاقية المقر من جانب الحكومة الأمريكية، وهو اشتراط لا محل له من بين بنود الاتفاقية، ويمثل خرقا جسيما للقانون الدولي وللمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة.

ورغم وجود سوابق مشابهة في الماضي ومنها حالة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي رفضت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان منحه تأشيرة دخول في العام ١٩٨٨ لذات الغرض؛ يلاحظ أن حالات المنع تزايدت في عهد الرئيس ترامب الذي رفض منح تأشيرة دخول للوفد الروسي في ولايته الأولى في 2019، ولوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف.

وقد سادت مخاوف نتيجة لما كان قد راج عن اعتزام واشنطن عدم منح الوفد الإيراني تأشيرات دخول هذا العام، لكن سرعان ما تبددت هذه المخاوف بمنح الوفد الإيراني تأشيرات الدخول، وهو برأيي بسبب الحاجة الملحة للإدارة الأمريكية لإجراء محادثات غير مباشرة مع الوفد الإيراني برئاسة الرئيس بزشكيان بخصوص الحرب على هامش اجتماعات الجمعية العامة كغطاء مناسب في توقيت مناسب قد لا يتكرر في الأجل القريب، وهو ما يعطي مؤشرات قوية على أن واشنطن تريد التوصل لاتفاق مع الإيرانيين يطوي ملف هذه الأزمة التي مثّلت ورطة حقيقية لها.

لكن يبقى السؤال الملح: إلى متى تساير واشنطن تل أبيب في اعتراضها على مشاركة محمود عباس في هذا المحفل المهم؟ ومتى تضع واشنطن حدا للتماهي مع تعنت تل أبيب وإصرارها على رفض حل الدولتين بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية، -وهو الحل الذي حظي بتأييد وموافقة غالبية دول العالم، وأصدرت بشأنه الأمم المتحدة قرارات بأغلبية ساحقة أشهرها القرار ٢٤٢، وإعلان نيويورك الداعي لتنفيذ حل الدولتين-؟ وإلى متى تعرقل الولايات المتحدة قرارات الأمم المتحدة التي تستضيفها في أرضها؟ وإلى متى تقف واشنطن في الجانب الخطأ، وتتحدى إرادات أغلبية شعوب العالم؟ إلى متى ستظل ظهيرا للقوى المعزولة الظالمة المحتلة؟ متى تتحول واشنطن وتنتقل إلى الجانب الصحيح من التاريخ، وتختار نشر السلام والأمن، والكف عن مساندة العدوان والمعتدين حفاظا على سمعتها ومكانتها كقوة عظمى يقع على عاتقها عبء إطفاء الحرائق وتسوية الأزمات وحل الصراعات حول العالم؟ متى تصبح أمريكا راعية للسلام؟