1918
الأربعاء / 11 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:10 - الأربعاء 23 سبتمبر 2026 19:10
هذه صورة جوية التقطتها فرقة بافاريا في سلاح الجو الألماني عام 1918 لقريتي بيت نبالا/الرملة، مع آلاف الصور لقرى الرملة واللد ويافا في أواخر الحرب العالمية الأولى، ضمن جهود ألمانيا والعثمانيين لهزيمة الحلفاء.
المنطقة المشار إليها بدائرة هي لمدرسة القرية، وهو المبنى الوحيد الذي بقي، الشيء الوحيد الذي فكرت به بعد أن أحصيت عدد البيوت: ماذا كان يفعل جدي ابن العشرين عامًا في لحظة التقاط الصورة؟ قررت ألا أتخيل، قررت أن أكون هناك، هناك فرصة متاحة لتكبير الصورة والدخول إلى البيت والتجوال فيه وحوله..
طلبت من مسن تسعيني في المخيم أن يشير إلى بيت سيدي. راح يتجول بعينيه الجائعتين في الحارات وهو يقول همسًا: هاي دار أبو حسن صافي، وهاي دار محمود أسعد شراقة، وهاي دار خالد عبد الرحمن زيد، وهاي دار ذيب نخلة، وهاي دار... وفجأة صاح: هو بيتكم، يا دار أبو ناعمة.
أمضيت ليل المخيم كله وأنا أحاول تكبير الصورة، إلى أن نجحت في رؤية بيتنا. مشيت بعيني من حارة ضيقة وهبطت إلى الحوش، وهو قلب البيت. طرقت الباب الخشبي بلهفتي، لم يجب أحد، دفعته بنبضات قلبي ودخلت، رأيت في الحوش الجرار وتنكات وقِرَبًا وأدوات زراعية وحطبًا وغنمتين ومعلفًا للمواشي وأكياس خيش ومنجلًا وحجر الرحى وغربالًا وأغصانًا يابسة.
كبّرت صورة البيت، وهو من حجر وطين، جدرانه سميكة وثقيلة. رأيت امرأة شابة طويلة تخرج من البيت إلى الحوش، كبّرت الصورة أكثر، رأيت المرأة التي من المفترض أن تكون والدة جدي تكنس الحوش بمكنسة من أعواد نباتية يابسة مربوطة معًا. واصلت تكبير الصورة، خرج شاب أسمر هو جدي خليل، رأيته يكلّم والدته، فتح باب الحوش وخرج يحمل في يده جرة فخار.
تبعته.
بعد أن كبّرت الصورة أكثر، مشى بطوله الفارع إلى بئر القرية، وهو قريب من البيت. شرب من الجرة، وعاد بها ممتلئة. أخذتها والدته وسكبت منها الماء في جرار صغيرة. كبّرت الصورة أكثر.
خرج جدي مرة أخرى. تبعته عبر الصورة. وصل إلى ما يشبه دكانًا أو قهوة. كان هناك رجال يتحدثون، محركين أيديهم بانزعاج وبغضب، متذمرين من الوضع الاقتصادي المروع. رأيت جدي يتحدث معهم.
أظن أن الرجال كانوا يتساءلون عن مصير البلاد وحالة العثمانيين في هذه الحرب المستعرة. واصلت ملاحقة تحركات جدي عبر تكبير الصورة، مضت أشهر كثيرة وسنوات، شاهدت فيها الإنجليز وهم يدخلون بيت نبالا، رأيت الثوار على أطراف البلد، وهم يستجيبون لعمتي (ناعمة) وهي تنادي عليهم من قاع البلد: هيه يا إخوتي يا عصابية ما تنزلوا على البلد، الإنجليز في البلد.
تركت مهنتي، نحف جسمي، وخرجت من كل تطبيقات الشبكة، وقطعت علاقاتي مع العالم، وبقيت هذه الصورة هي عالمي وهاجسي وشوقي وموتي وحياتي وأهلي، سنوات وسنوات لم أخرج من غرفتي في المخيم، التهبت أصابعي، وتشنجت رقبتي، وفي مشفى العظام طلبوا مني صورة ليديّ، وعنقي، واكتشفوا أن أصابعي مصابة بما يسمى بداء تكبير صور الموبايل، وهو شائع في عصرنا، سألني الطبيب: منذ متى وأنت تكبّر الصورة؟ منذ 1918.
متى ستتوقف عن ذلك وتعود إلى صحتك وحياتك الطبيعية؟
حين يولد أبي عام 1939 وأراه بضع سنوات وهو يهبط تلة البلد نحو مدرسة قريتي التي تقع أسفل البلد من الناحية الغربية.
تحديدًا حين يجلس في صفه الأول، أكبّر صورة المدرسة ثم نافذة الصف وأراه مع زملائه وهو يصغي إلى مدرس الدين إبراهيم أبو طوق، ثم أتبعه بيديّ وهو يصعد تلة البلد إلى بيته، بيت سيدي، يدخل البيت، يتغدى، ثم يخرج كما أراه الآن إلى الحارة الضيقة ليلتقي أقرانه، هأنذا أراهم وهم يلعبون لعبة اسمها (الشُّرّة): يأخذون علبة سمنة، ويضربونها بعصي الأشجار حتى تتلف.