ثقافة

جلسة "النهر العُماني" تقرأ حكاية فلج الكامل في الذاكرة والهندسة والصورة

ضمن برنامج النادي الثقافي "المنصات الثقافية في الولايات"

 

تصوير ـ خليفة الحراصي
أقام النادي الثقافي اليوم ضمن برنامج 'المنصات الثقافية في الولايات' بالتعاون مع شبكة المصنعة الثقافية جلسة 'عرض وقراءة في فيلم النهر العُماني ـ سيرة 'فلج الكامل' في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالمصنعة برعاية سعادة الشيخ بدر بن ناصر الفارسي والي ولاية المصنعة، حيث تتبعت الجلسة ما يحمله الفيلم من دلالات تاريخية وهندسية وما يكشفه من تفاصيل للمشروع ومساراته وظروف تعثره إلى جانب قراءة معالجته البصرية والوثائقية وما تفتحه من مساحة لإعادة اكتشاف هذا الإرث في الذاكرة العُمانية، وقد شارك في الجلسة المخرج أحمد الحضري، والباحث حارث الخروصي، والمخرج أيمن النعماني وأدارتها الإعلامية مشاعل القاسمي.


رؤية بصرية
بداية قدّم المخرج أحمد الحضري ورقة قرأ من خلالها فيلم 'النهر العُماني' حيث استهل عند الفكرة التي ينطلق منها العمل في استعادة 'فلج الكامل' وما يمثله نظام الأفلاج من ابتكار عُماني ارتبط بحياة القرى وتأمين المياه للزراعة والشرب في بيئة شحيحة المياه، وما تطلبه البحث عن مصادرها من خبرة وفراسة في قراءة الأرض وعلاماتها واختيار المواضع التي يمكن شقها للوصول إلى عين الماء التي تشكل النواة الأولى للفلج.


ورأى 'الحضري' أن أهمية الفيلم تكمن في لفت الانتباه إلى مشروع لم يكتمل لفلج يمتد لمسافات بعيدة ويربط عددا من قرى جنوب الباطنة، مستعيدا عبر الصورة والشهادات ما بقي من آثاره ومساره والغاية التي أُنشئ من أجلها، وما كان يمكن أن يمثله جريانه من أثر في الأراضي الزراعية الواقعة على امتداده، في ظل نظام دقيق لتوزيع حصص المياه اعتمد في ذلك الزمن على حركة الشمس والقمر.


كما أشار المخرج أحمد الحضري إلى اعتماد الفيلم على شهادات تتصل بتاريخ المكان وتكوينه الجيولوجي وطريقة شق الفلج في الصخور واختيار مساره وامتداده، إلى جانب شهادات تستحضر المرويات المتناقلة والذاكرة المكتوبة في المخطوطات العُمانية، ورأي العارفين بنظام الأفلاج وصيانتها وآليات توزيع حصص الري بين المزارعين.


وعلى المستوى البصري قال ' الحضري' أن المخرج أيمن النعماني أعتمد على حركة الكاميرا داخل تفاصيل المكان والانتقال بها من مشهد إلى آخر، بما منح الفيلم إيقاعا متحركا يتلاءم مع ضيق المساحات التي جرى التصوير فيها، وأدخل المشاهد في أجواء الحكاية وفكرة المشروع الذي لم يُكتب له الاكتمال، وحمل مع ذلك اسم 'فلج الكامل'.


أفق البحث
من جانبه سرد الباحث حارث الخروصي حجم المشروع وما ارتبط به من أعمال هندسية ومسارات وأنفاق، معتبرا أن قيمته تفتح المجال أمام قراءته ثقافيا وعلميا والاستفادة من فكرته وما تختزنه من معرفة في دراسات تتصل بالتاريخ والجغرافيا وطبقات الأرض والهندسة.


وتناول 'الخروصي' جانبا من الأسئلة التي تحيط بعدم اكتمال المشروع مشيرا إلى تعدد العوامل التي يمكن النظر إليها عند قراءة تلك المرحلة، ومنها التحولات السياسية والظروف التي مرت بها المنطقة إلى جانب التغيرات المرتبطة بالمياه والمناخ، وأظهرت المناقشات أن جانبا من تاريخ الفلج ما زال في حاجة إلى مزيد من البحث وجمع الشواهد ومقارنة الروايات خصوصا مع حضور الذاكرة الشفوية إلى جانب ما بقي من آثار مادية في المكان.


لغة الصورة
وتطرق المخرج أيمن النعماني إلى عدد من التفاصيل المرتبطة بعملية التوثيق الميداني، وما واجهه فريق الفيلم أثناء التصوير وجمع المادة مشيرا إلى الاستفادة من التصوير الجوي في الاقتراب من أجزاء يصعب تقديمها بالصورة التقليدية، وإلى ما تطلبته بعض الشواهد والكتابات الموجودة في الموقع من العودة إلى مختصين ومحاولة قراءة الرموز ودراسة خط المسند للوصول إلى دلالاتها.


وأوضح أحمد الحضري خلال الجلسة الفارق بين التقرير التلفزيوني والعمل الوثائقي موضحا أن التقرير قد يكتفي بتقديم الفكرة في مساحة مختصرة، في حين يتيح الفيلم الوثائقي مجالا أوسع لتتبع الأسئلة المتعلقة ببداية الموضوع ومكانه ومساراته وأسباب نشأته وتوقفه، وصولا إلى بناء حكاية أكثر اتساعا تجمع عناصر الموضوع في سياق واحد.


وحول مدى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي أوضح 'الحضري' أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تُستخدم على سبيل المثال، في إعادة تصور المشروع بصريا أو تقديم شكل افتراضي لمساره لو اكتمل، إلا أن اختيار مثل هذه الأدوات يظل مرتبطا بحاجة الفيلم وفكرته، خاصة عندما تكون تفاصيل المكان والمادة المصورة قادرة على حمل السرد فالفيلن الوثائقي يعتمد بالأساس على نقل الواقع كما هو فهذا الأخير لا يمثل في ذاته سجلا تاريخيا مكتملا أو مرجعا نهائيا، وإنما يضيء جانبا من الموضوع ويفتحه أمام الباحثين والمختصين لمواصلة التوثيق والدراسة.


إجابات غائبة!
وسعت مداخلات الحضور دائرة النقاش لتشمل أسباب توقف الاهتمام بالمشروع، وما إذا كانت له أوقاف مرتبطة به، ومدى حضوره في الرواية الشعبية والذاكرة المحلية، إلى جانب السؤال عن إمكانية استكماله في الزمن الراهن، ومدى الاستفادة من التقنيات الحديثة في تقديم تاريخه بصريا، وأظهرت الإجابات أن بعض هذه الجوانب ما زال يحتاج إلى توثيق أكثر دقة، إذ أقر المشاركون بعدم توافر معلومات مكتملة حول بعض التفاصيل ومنها ما يتصل بأوقاف الفلج، مشيرين إلى أن 'فلج الكامل' سيظل مفتوحا أمام البحث التاريخي والعلمي والسينمائي، بعدما أعاد فيلم 'النهر العُماني' تقديمه من خلال الصورة والذاكرة والشواهد الباقية، محولا المكان إلى نقطة انطلاق لأسئلة تتصل بالإنسان والهندسة والماء وقدرة الصورة الوثائقية على إعادة قراءة ما بقي من آثار الماضي في الحاضر.