هل ما زالت النهضة مشروعا للمستقبل
الأربعاء / 11 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 13:06 - الأربعاء 23 سبتمبر 2026 13:06
يمنح الناقد السوري صبحي حديدي سؤال النهضة صلاحية لا تنتهي، يصفه بأنه «مطلق الصلاحية، شديد الحيوية، دائم الإلحاح»، أما الكاتب العراقي سنان أنطون فيرى أن المصطلح والجدالات التي نشأت حوله ينتميان إلى حقبة أخرى وأن فهم ما تعيشه المجتمعات العربية يتطلب مراجعة أوسع للمفردات التي اعتادت التفكير بها. بين الرأيين اختلاف يتجاوز تقدير حصيلة الماضي إلى السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه التفكير في المستقبل: هل ما زلنا نحاول إنجاز مشروع تأخر تحقيقه، أم أن التحولات التي أصابت العالم تستدعي إعادة النظر في المشروع نفسه؟
تكتسب هذه المسألة وزنها بعد مائتي عام على رحلة رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا عام 1826، التي اتخذها هذا الملف علامة رمزية على بدايات الفكر العربي الحديث. وقد اتسعت المسافة بين العالم الذي حاول الطهطاوي فهمه والعالم الذي يواجهه القارئ العربي اليوم. وفي إجابات تسعة كتّاب وباحثين من أجيال وتجارب مختلفة، تتجاور الحاجة إلى الحرية والتعليم والكرامة مع أسئلة عن سلطة التقنية وأزمة الدولة وعجز المؤسسات عن تحويل المعرفة إلى عمل متصل. ويتكرر القلق من أن يشتغل الفكر بشرح ما جرى بينما تتحدد شروط ما سيجري في أماكن أخرى.
لكن الاتفاق على وجود أزمة لا يقود إلى تفسير واحد لها. بعض المشاركين يعيد النظر في توقعاتنا من الأفكار الكبرى وبعضهم يربط تعثرها بالقوة التي تحول دون تطبيقها، وآخرون يبحثون عن الخلل في طريقة إنتاج المعرفة واستمرارها. وتكشف المقارنة بين هذه الإجابات أن الخلاف يشمل معنى النهضة نفسه، وحدود مسؤولية المثقف، والغاية التي ينبغي أن نخدمها حين نتحدث عن التقدم.
يرى الكاتب العُماني عادل المعولي أن الأزمات غيّرت أولويات جيل جديد وجعلته أكثر انشغالا بالبحث عن العمل والاستقرار الشخصي. ويضع هذا التحوّل الخطاب الثقافي أمام سؤال: كيف يمكن لدعوة إلى مشروع جماعي كبير أن تجد استجابة لدى أشخاص تستغرقهم محاولات تأمين حياتهم؟
ينطلق صبحي حديدي من أن مطالب أساسية حملتها النهضة ما زالت قائمة، وهو يقر بأن العقود التي ندرجها تحت هذا الاسم أنجزت الكثير في الاجتماع والسياسة والتربية والثقافة والحياة اليومية، غير أن تحولات الوعي، في قراءته، بقيت أسيرة استقطابات متضاربة، فيما اتخذ التحديث أحيانا صورة محاكاة للمظاهر الغربية من دون تغيير عميق في شروط الحياة التي أنتجتها. يقول حديدي: «هذه سطور ترى أنَّ مفهوم النهضة يتأسس على علاقات اجتماعية، اقتصادية وسياسية وثقافية متكاملة ومترابطة، تتصدر تفاعلاتها الأعمق تلك العلاقات الوثيقة بين البنى المادية التحتية ونظائرها في الوعي البشري الجَمْعي الأعلى». يمنح هذا التعريف الظروف التي تتكون فيها الأفكار أهمية تماثل أهمية الأفكار نفسها.
وعلى هذا الأساس يبدو استمرار الحاجة إلى النهضة عنده متصلا ببقاء المشكلات التي استدعتها. أما سنان أنطون فيبدأ من الخراب الذي يصفه في فلسطين والمنطقة، ويتحدث عن إبادة الشعب الفلسطيني في غزة وعن تواطؤ أنظمة ونخب عربية ودعم النظام العالمي لإسرائيل. ويتسع نقده ليشمل الحداثة الاستعمارية والرأسمالية المتأخرة، والنخب التي رضيت بمنطق السوق والاستهلاك. يقول: «فنحن اليوم نعيش الخراب والتلوث المادي والمعرفي الذي أنتجته الحداثة الاستعمارية والرأسمالية المتأخرة». وفي شرحه لمعنى انتماء مفردات النهضة إلى حقبة أخرى وأطلالها، يضيف: «ولا أستخدم مفردة أطلال هنا مجازيا فحسب»، ويتابع: «هناك بلدان تفترسها تبعات الطغيان والحروب والغزوات التي تشن باسم الإنسانية وهناك ملايين المشردين، وهناك نخب حاكمة مترفة خانعة وراضية بلاهوت السوق ومنطق الاستهلاك بلا حدود».
من هذه القراءة يأتي طلبه «تمرُّد فكري يعيد النظر بكل ما سبق، ووعي نقدي يواجه هذه اللحظة قبل فوات الأوان»، فالفكر الذي يستدعيه مطالب بمساءلة النظام الذي يفسر به ما حدث، بما في ذلك الوعود التي صاحبت الحداثة نفسها. ويمنح هذا الموقف الحروب والهيمنة موقعا في صلب النقاش حول المستقبل ويعيد السؤال عمن يملك القوة لتحديد ما يمكن للآخرين أن يفعلوه بحياتهم.
تساعد قراءة الموقفين معا على تحديد موضع الاختلاف. يحافظ صبحي حديدي على مفهوم النهضة لأنه يربطه بحاجات لم تُستوفَ، بينما يشكك سنان أنطون في كفاية المقولات المرتبطة به لفهم اللحظة الراهنة. ويمكن الدفاع عن الحرية والمعرفة مع الاختلاف في تفسير العالم الذي يُفترض أن تتحققا فيه. هنا يصبح تحديد المقصود بالنهضة ضروريا: هل نتحدث عن حقبة تاريخية أو عن برنامج للتغيير أو عن غايات إنسانية تتجدد الوسائل المؤدية إليها؟ فكثير من التباعد بين الإجابات يتصل بما يضعه كل متحدث داخل هذه الكلمة.
ضرورة المراجعة
ومن طريق آخر يصل الناقد البحريني نادر كاظم إلى ضرورة المراجعة، ففي قراءته لآمال العرب خلال قرنين، يتتبع انتقال الرهان من التنوير والإصلاح إلى الثورة والتغيير الجذري، ثم إلى التحول الديمقراطي. كان كل رهان يحمل توقعا بأن ينجز ما تعذر على سابقه. وحين لم تأت النتائج على قدر الآمال تراكم الإحباط وأصبح تعثر التغيير يبدو كأنه عجز دائم في المجتمعات نفسها. ما يستوقفه في هذا المسار هو حجم المهمات التي حمّلها الناس لفكرة واحدة والسرعة التي انتظروا أن تتحقق بها.
ويختصر كاظم موقفه بقوله: «الموضوع أكبر من الديمقراطية، والديمقراطية أصغر من حل سحري»، فحين يُنتظر منها أن توفر العمل، وترفع مستويات المعيشة، وتحفظ الكرامة، وتعالج قضايا الأمة دفعة واحدة، تصبح معرضة للحكم عليها من خلال وعود أوسع من قدرتها المباشرة. وينسحب نقده على النهضة والتنوير والثورة والوحدة القومية، وعلى تحويل كل مشروع منها إلى مخلّص تنتهي بوصوله المشكلات المتراكمة.
ويقول: «ما نحتاجه اليوم هو الجرأة على التساؤل عن مدى واقعية كل تلك الآمال الكبرى، ومدى قابليتها للتحقق، ودفعة واحدة، دون أن ينال ذلك من فضيلة التفكير بأعين وعقول مفتوحة على الأمل في مستقبل أفضل».
يضيف هذا التحفظ سؤالا إلى النقاش حول صلاحية المفاهيم: كيف نقيس نجاحها؟ فالمشروع الذي يُحاكم بوصفه وعدًا بحل كل شيء يمكن أن يفقد شرعيته عند أول تعثر، حتى إذا أتاح تغييرا في بعض جوانب الحياة. ومع ذلك، يبقى تفسير استعجال النتائج محتاجا إلى النظر في أحوال من ينتظرونها، فالحاجة العاجلة إلى العمل أو الأمان قد تضيق الوقت المتاح للانتظار. والمقارنة بين نقد كاظم للتوقعات وحديث سنان أنطون عن الحرب والتشريد تضع الأمل داخل شروطه الاجتماعية؛ إذ تختلف كلفة الانتظار باختلاف ما يملكه الناس من قدرة على احتمال حاضرهم.
حصيلة ضئيلة
ويظهر اختلاف آخر في تقدير ما تحقق خلال القرنين. يصف كاظم حقبة التنوير والإصلاح بقوله: «لقد كانت هذه الحقبة واعدة جدًا، إلا أن حصيلتها ضئيلة». ويؤكد صبحي حديدي أن النهضة أنجزت الكثير في مجالات متعددة. ويتوقف فهم هذا التفاوت على المعيار الذي نزن به الحصيلة؛ فمقارنة النتائج بالوعود الكبرى قد تقود إلى حكم يختلف عن تتبع ما تغير في التعليم والحياة اليومية. ويؤثر اختيار المعيار في تصور المستقبل أيضا: هل يبدأ العمل من رصيد يمكن البناء عليه أم يُنظر إلى التجربة كلها بوصفها إخفاقا؟ وتحتاج الإجابة إلى تعيين ما بقي صالحا وما تعثر وأسباب تعثره.
وتفتح مشاركة الناقد المصري إيهاب الملاح طريقا للعودة إلى البدايات من زاوية طريقة اكتساب المعرفة واستعمالها. يستعيد الملاح سنوات الطهطاوي في باريس وقراءته لمفكري التنوير الفرنسي واستخدامه الترجمة لإيصال أفكار عن العدل والحرية. وفي قراءته، أتاحت الترجمة للطهطاوي أن يعرض أفكارا سياسية من خلال نقلها عن أصحابها، فيما أتاحت الكتابة عن الرحلة تسجيل التحول الذي أصاب وعيه. وكان كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» ثمرة لهذا الجمع بين المشاهدة والقراءة والتأليف.
هذه العودة إلى الطهطاوي تحمل معنى يمكن اختباره في الحاضر، فقد كانت عملية النقل، وفق تفسير الملاح، متصلة بسؤال عما يمكن أن يتغير في المجتمع الذي سيعود إليه الكاتب. ومن هنا يمكن وصلها بما تطرحه ثريا بن مسمية، أستاذة الفلسفة بالجامعة التونسية، عن علاقتنا بالمعرفة المنتجة خارج المجال العربي. ترى ثريا أن مفهوم اللحاق بالآخر تأخر عن طبيعة التحول الجاري، وتدعو إلى مساءلة العجز عن إنتاج معرفة بالمستقبل. يصبح السؤال عن الترجمة، في هذا السياق، متصلا بما يحدث بعد وصول النص أو المفهوم: كيف يُقرأ، وما الذي يضيفه إلى البحث، ومن يستطيع أن يبني عليه؟
تصف ثريا بن مسمية حصيلة واسعة من الكتابة العربية عن الاستعمار والعقل والتراث والتحديث والديمقراطية، وتضع موضع الإشكال ضعف انتقالها إلى سياسات وممارسات اجتماعية. وهي ترى أن المسألة التي بقيت معلقة هي المستقبل ذاته: أي مستقبل نريد وبأي آليات معرفية ومؤسسية يمكن الوصول إليه؟ وتقول إن «العالم التكنولوجي الحديث ما عاد ينتظر أحدا، لذا علينا أن نتساءل عن أسباب عجز الفكر العربي عن إنتاج معرفة مستقبلية». وتلتقي عند هذه النقطة مع الكاتب العُماني محمد العجمي، الذي يلخص جانبا من الأزمة بعبارة: «دهشةُ معرفة لا يتمخّض عنها مشروع تنويريٌ مؤسَّسي مستدام». في مقارنة هذين الرأيين، تنتقل المشكلة من عدد الكتب والأفكار إلى ما يحدث لها بعد صدورها. فالنص يستطيع تشخيص خلل وإثارة نقاش، لكن أثره في التعليم أو الإدارة أو البحث يتوقف على جهات تلتقطه وتختبره، وعلى قواعد تتيح مراجعة العمل في ضوئه. وقد تتراكم الكتابات حول المشكلة نفسها لأن كل كاتب يجدها قائمة أمامه، بينما يظل الجهاز الذي يمكن أن يحول المعرفة بها إلى تغيير خارج هذا النقاش. هنا يكتسب سؤال المؤسسة معناه، فهو سؤال عن استمرار المعرفة وعن قدرتها على التأثير في القرار.
يربط العجمي هذا التعثر بمسألة الاستقلال. وفي استعادته للدفاع عن استقلال الجامعة المصرية، يذهب إلى أن المؤسسة قد تقوم من دون أن تُمنح الشروط التي تسمح لها بالعمل والتراكم. ويقول: «وما لا يستقلُّ لا يُراكم». وفي قراءته للمشروعات الفكرية الكبرى عند الجابري وأركون وحسن حنفي، يرى أن الجهد بقي شديد الارتباط بصاحبه، وأنه افتقد مؤسسات ومدارس تضمن مواصلة العمل بعده. ويختصر تصوره للفجوة بين البناء الإداري وحفظ المعرفة بقوله: «ملكنا المباني ولم نملك الذاكرة». ويحتاج هذا التشخيص إلى تمييز بين استمرار تأثير الكاتب واستمرار برنامجه البحثي. يمكن لكتاب أن يظل حاضرا في القراءة والتعليم من دون أن تتكون جماعة تتولى تطوير الأسئلة التي فتحها. ويمكن لمؤسسة تحمل اسم صاحب مشروع أن تحفظ آثاره من دون أن تضيف إليها. لذلك يتطلب الحديث عن التراكم النظر في كيفية انتقال المعرفة بين الباحثين، وفي إمكان الاختلاف مع المؤسس وتعديل أفكاره. فالاستمرار الذي يبحث عنه المشاركون يفترض عملا يمكن مراجعته، وقدرة على إضافة نتائج لم يكن صاحب المشروع الأول يتوقعها.
المعجم التاريخي
ويستحضر العجمي مشروع المعجم التاريخي في الشارقة مثالا على تأخر إنجاز جماعي. وتتيح مقارنته بمعجم الدوحة التاريخي النظر في شروط تحقق هذا النوع من المعرفة. فقد أُطلقت المرحلة الأولى من معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في ديسمبر 2018، وأُطلقت المجلدات الأولى من المعجم التاريخي للغة العربية في الشارقة عام 2020. نحن هنا أمام مشروعين مختلفين يقوم كل منهما على عمل مؤسسي، ويتيح وجودهما نقل النقاش إلى الشروط التي تجعل إنجازا معرفيا جماعيا ممكنا وإلى كيفية استمرار خدمته للباحثين. أما الحكم على أثره فيحتاج إلى متابعة استخدامه وما يفتحه من أبحاث، إلى جانب رصد صدوره.
عند هذه النقطة يدخل سؤال الدولة الذي يمنحه الشريف طوطاو، أستاذ الفلسفة بجامعة السلطان قابوس، أولوية في التفكير العربي المقبل، فهو يرى أن التنظير للدولة لم يتطور بما يكفي وأن الفكر العربي كثيرا ما استدعى نماذج من التراث أو من الفكر الغربي. ويربط أزمات الحرية والعدالة والهوية بتعثر بناء الدولة الوطنية الحديثة التي يتطلع إليها المواطن. وبقدر ما يركز العجمي على استقلال المؤسسة، يضع الشريف طوطاو شروط عملها ضمن مشكلة أوسع تتصل ببنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع.
تطرح هذه الصلة مسألة لا تحسمها الدعوة إلى تأسيس مزيد من الجامعات والمراكز: كيف تتوزع سلطة تحديد الأسئلة داخلها؟ فالمؤسسة التي يُطلب منها إنتاج معرفة قد تكون مطالبة أيضا بموافقة الجهة التي تحدد تمويلها أو تختار قيادتها. وإذا ضاق مجال الاختلاف، يصبح التوسع الإداري قابلا لأن يتعايش مع ضيق البحث. ولهذا فإن الجمع بين حديث طوطاو عن الدولة وحديث العجمي عن الاستقلال يعيد تعريف المشكلة؛ إذ تتصل جودة العمل المعرفي بما يسمح للباحث أن يصل إلى نتيجة غير مرغوبة، وأن يناقشها من دون أن يتوقف عمله.
وتذهب بن مسمية إلى هذا المعنى حين تطالب بمراكز تفكير تنتج رؤى بعيدة المدى وتحتفظ بمسافة تتيح لها التفكير في السياسة، بدل أن تنحصر مهمتها في تبرير القرارات المتخذة. وتضيف إلى ذلك مؤسسات للترجمة، ومختبرات تصل العلوم الإنسانية بالتقنية والفن والبيئة، وجامعة تعيد النظر في تكوينها العلمي. تبدو هذه المقترحات أكثر تحديدا من المطالبة العامة بعودة دور المثقف، لأنها تبحث عن مواضع يمكن أن يعمل فيها وعن علاقات بين اختصاصات تحتاج إلى أن تتبادل الأسئلة والمعرفة.
غير أن تعداد المؤسسات المطلوبة يترك مسألة القوة التي تحمي استقلالها مفتوحة. من يضمن استمرار المركز حين تتغير أولويات مموله؟ ومن يتيح للجامعة مراجعة شروط التعليم داخلها؟ في قراءة كاظم لرهان التحول الديمقراطي، كان المجتمع المدني مطالبا بمهمة مزدوجة تشمل الحد من الاستبداد، وتحديث العلاقات الاجتماعية. وعند وصل هذا الرهان بالمقترحات المؤسسية، يظهر أن الجامعة والمركز والناشر يحتاجون إلى بيئة تعترف بقيمة الاختلاف وبحق المعرفة في فحص ما استقر. ويتعذر فصل مصيرهم عن علاقة المجتمع بالسلطة.
ويمنع حديث سنان أنطون عن الحرب والتشريد من التعامل مع هذه البيئة كما لو كانت متاحة بالدرجة نفسها في كل مكان، فالعمل البحثي يحتاج إلى إمكان الاستمرار، وإلى أشخاص يستطيعون البقاء على صلة بعضهم ببعض. ويضيق هذا الإمكان حين تتعرض الحياة نفسها للتدمير. وفي مقابل التفسيرات التي ترد التعثر إلى ضعف المفاهيم أو سوء التوقعات، يلح أنطون على القوى التي تصنع الخراب المادي والمعرفي. وتضع قراءته مسؤولية الفكر أمام فهم هذه القوى وصلاتها، وتحد من تفسير الأزمة باعتبارها شأنا ثقافيا داخليا يمكن عزله عما يجري للمجتمعات.
من هنا، تأتي حساسية الحديث عن مستقبل تصوغه شركات التقنية ومراكز الاقتصاد والاستشارات، بينما يضعف حضور المثقف فيه. تتعامل بن مسمية مع اتساع دور هذه الجهات بوصفه أمرا مفهوما في سياق التطور التكنولوجي. ويتركز اعتراضها على انفراد التقنية بتحديد المستقبل، وعلى استبعاد السؤال عن الغايات الإنسانية. فالقدرة على إنجاز عمل بكفاءة لا تحدد وحدها ما إذا كان ذلك العمل يخدم الناس، ولا تجيب عن كيفية توزيع منافعه وأعبائه. وما تطالب به هو موقع للمفكر داخل النقاش الذي تتكون فيه القرارات، بحيث يكون شريكا في تقدير آثارها.
ويصف العجمي الوجه الآخر لهذه المشكلة حين يقول: «يصلنا الذكاء الاصطناعي منتجا جاهزا، فنجادل في أخلاقه بعد أن صيغت بنيته دوننا، ونفكر في مستقبلنا بمفردات وُلدت في مختبرات لم نشارك في صياغة مشكلاتها، ثم نسمي هذه الترجمة استشرافا». يتصل نقده بترتيب المشاركة: يصل المنتج بعد أن تكون أسئلته الأساسية قد حُددت، فينصرف الجهد إلى التعليق على نتائجه. ويشير ذلك إلى أن الحضور الأخلاقي الذي تدعو إليه ثريا بن مسمية سيكون أقدر على التأثير إذا دخل في مرحلة تحديد المشكلة التي يراد للتقنية أن تعالجها.
وتختلف المهمات تبعا لهذا التوقيت، فالباحث الذي يدرس أثر أداة بعد انتشارها يؤدي عملا ضروريا، لكن قدرته على تعديلها تتوقف على وصول دراسته إلى من يملكون تطويرها واعتمادها. وإذا شارك الباحث في مناقشة الغاية منذ البداية أمكن أن تصبح المعرفة الاجتماعية جزءا من تصور الأداة نفسها. تكشف المقارنة بين الرأيين أن استعادة دور المثقف ترتبط بمكانه في عملية إنتاج المعرفة، وبمن يقرأ ما ينتجه، وبإمكان انتقال اعتراضه إلى مراجعة فعلية. أما الاكتفاء بإعلان أهمية الأخلاق فيترك هذه العلاقات على حالها.
ويضع الشريف طوطاو التقنية والتعليم ضمن الاهتمامات التي ينبغي أن تتقدم الفكر العربي، ويربط القدرة على المنافسة بالإبداع. كما يخشى اتساع أثر القيم المادية والاستهلاكية ووسائط التواصل والذكاء الاصطناعي في حياة الإنسان. وتفتح هذه المخاوف سؤالا عن نوع التعليم القادر على تكوين علاقة واعية بالأدوات الجديدة، فالمعرفة بالتقنية تتصل أيضا بقدرة المتعلم على فهم ما تتيحه وما تفترضه وبالأسئلة التي يستطيع توجيهها إليها. وتزداد أهمية الجامعة هنا بقدر ما تتيح لقاء الخبرة المتخصصة بالنقاش حول المجتمع الذي ستُستخدم فيه هذه الخبرة.
وفي التعليم تتقاطع ملاحظات هؤلاء المشاركين على نحو مباشر. تنتقد ثريا بن مسمية استيراد التقنية والمناهج من دون المشاركة في إنتاجها، فيما يستعيد العجمي انتقال طه حسين، في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» إلى سؤال التعليم والمؤسسة. ويحضر هذا الانتقال اليوم في كيفية اختيار ما يتعلمه الطالب، وفي مقدار ما يتيحه له المنهج من ممارسة البحث. وقد يكون نقل معرفة من سياق آخر ضروريا لكن تحديد الحاجة إليها وفحص نتائج استخدامها مهمتان تبقيان على عاتق المؤسسة التي تعتمدها. وهما تتطلبان من الأستاذ والباحث قدرة على الاعتراض والتعديل، فتعود مسألة الاستقلال لتصبح شرطا في طريقة التعليم نفسها.
ويضيف الشريف طوطاو البيئة إلى جدول الاهتمامات المقبلة، انطلاقا من صلتها بالتنمية وبقدرة الإنسان على الفعل. ويصل هذا السؤال بين ما ننتظره من التقنية وشروط الحياة التي نريد الحفاظ عليها، فاختيار ما نعده تقدما يقتضي النظر في شروط استمراره، وفي أثره على الحياة التي يفترض أنه يحسنها. وتطرح هذه الصلة مهمة على المؤسسات الثقافية والتعليمية: كيف تدخل المعرفة البيئية في صميم عملها، وكيف تتحول إلى مقررات ومشروعات ومعايير تؤثر في القرار؟ فإدراج البيئة ضمن قضايا الفكر يقتضي تتبع أثرها في الاقتصاد وفي العيش اليومي، وتحديد ما تحتاج المؤسسات إلى معرفته كي تتعامل مع هذا الأثر.
ويمتد سؤال المشاركة إلى علاقة الثقافة العربية بالعالم. تنتقد ثريا بن مسمية الاختيار الضيق بين الانغلاق على التراث والذوبان في ثقافات الآخرين، وتستحضر رحلة الطهطاوي مثالا على انفتاح بدأ بالسفر والقراءة. وتقول: «لدينا تراث فكري وفلسفي وفني وأدبي من شأنه أن يُستثمر لينتج معرفة علمية عالمية». وفي اقتراحها لمؤسسات الترجمة، تمنح نقل الفكر العربي إلى لغات أخرى أهمية توازي استقبال ما يُكتب خارج العربية. وتصل هذه المهمة بمشاركة تحمل أسئلتها الخاصة إلى النقاش الإنساني المشترك.
وهنا تتلاقى قراءتها مع استعادة الملاح لوظيفة الترجمة، مع اختلاف اللحظة التي يتحدث عنها كل منهما. يركز الملاح على الطريقة التي أتاح بها الطهطاوي لقارئه معرفة عالم آخر والتفكير في إمكان تغيير عالمه. وتركز ثريا بن مسمية على قدرة الثقافة العربية على أن تدخل الحوار بما تنتجه هي. تتوقف المسافة بين الاستقبال والمشاركة، في الحالتين، على ما يُفعل بالنص بعد نقله، فالترجمة تفتح إمكان القراءة، وتحتاج المعرفة إلى من يناقشها ويستخدمها ويختبر مدى صلاحيتها لتفسير تجربة تختلف عن التجربة التي نشأت فيها.
الترجمة وتداول المعرفة
ويعيد القناع الذي يتحدث عنه الملاح سؤال الترجمة إلى حرية القول، فاختيار النص الذي يُنقل، والشرح الذي يصاحبه، يستطيعان حمل موقف من أحوال المجتمع الذي يستقبله. وتظل القدرة على مناقشة هذا الموقف مرتبطة بمساحة الحرية المتاحة للكاتب وقارئه. يضيف هذا البعد إلى النقاش عن الترجمة سؤالا عن المؤسسات التي تسمح بتداول المعرفة، وعن المعايير التي تختار بها ما تنشره، فحين تنحصر قيمة الترجمة في عدد العناوين الصادرة، يصعب أن نعرف ما إذا كانت توسع مجال التفكير أو تكرر ما استقر فيه. ويحتاج تقدير أثرها إلى متابعة النقاش الذي تثيره.
ويستدعي ذلك تدقيقا في المقصود بإنتاج فكر ينطلق من الواقع العربي. يستطيع الباحث استخدام مفهوم صيغ في سياق آخر، ثم يكتشف أن بعض ما يراه لا يفسره هذا المفهوم بما يكفي. عندئذ يصبح تعديل السؤال أو بناء تفسير مختلف جزءا من العمل المعرفي. أما الانتقال إلى العالمية فيحتاج إلى قنوات تجعل هذه الإضافة مقروءة وقابلة للنقاش. وتلتقي هنا مسألة اللغة بمسألة المؤسسة مرة أخرى؛ إذ تعتمد حركة الأفكار على باحثين ومترجمين وناشرين، وعلى وقت يسمح بمتابعة ما يحدث للفكرة حين تعبر إلى قراء جدد.
لكن الحديث عن المشروعات المشتركة يصطدم بتقدير مختلف لأولويات الأجيال الجديدة. يرى عادل المعولي أن الأزمات الاقتصادية والسياسية دفعت جيلا إلى تقديم الاستقرار الشخصي والعمل والهجرة على الانخراط في شعارات أيديولوجية كبرى. وفي تصويره لهذا التحول، تُستخدم الأدوات الرقمية لإيجاد فرص تسمح بالفكاك من البطالة والغلاء ومن ضبابية المستقبل المحلي. إنها قراءة تجعل الطموح الفردي مدخلا لفهم ما تغير، وتضع أمام الخطاب الثقافي سؤالا عن قدرته على مخاطبة احتياجات من يتوجه إليهم.
ويختلف معنى هذا التقدير بحسب الطريقة التي نقرأ بها السعي إلى النجاة. يمكن اعتباره تراجعا عن مشروع جماعي، ويمكن النظر إليه بوصفه استجابة لغياب الثقة بقدرة المؤسسات على توفير حياة قابلة للتخطيط. ويبقى السؤال عما إذا كانت هذه الأولويات ستنتج عزلة دائمة أو أشكالا أخرى من العمل المشترك. وتنبه هذه القراءة إلى أن الدعوة إلى استعادة النهضة تحتاج إلى أن تُفهم في حياة أشخاص يقيسون المستقبل بفرصة عمل أو بإمكان الاستقرار، ويبحثون عن أثر قريب لما يُعرض عليهم من أفكار.
وتضيء هذه القراءة جانبا من التحفظ الذي أبداه كاظم تجاه انتظار حلول شاملة من مشروع واحد، فحين تحمل كلمة النهضة وعودا بعيدة، ثم لا يجد الفرد ما يصلها بحياته، يصبح ابتعاده عنها قابلا للفهم. ويعيد ذلك النقاش إلى العلاقة بين الزمن الذي يحتاج إليه التغيير والزمن الذي يستطيع الناس انتظاره. من هنا تكتسب المؤسسات قيمتها حين تجعل بعض النتائج قابلة للملاحظة والاستمرار؛ فالخبرة التي يبنيها الناس من تعاملهم معها تؤثر في استعدادهم للمشاركة وفي تقديرهم لجدوى الجهد المشترك.
وعندما ينتقل المعولي إلى أفق عام 2050، يطرح الحاجة إلى نموذج يحقق السيادة ويستوعب الذكاء الاصطناعي ويتجاوز صراعات الهوية الضيقة، لكنه يربط إمكان التحسن بالعثور على إجابات عن الأسئلة الموروثة، ويقول: «ما لم نجد إجابات حاسمة لأسئلة عصر النهضة، فإن حال الواقع العربي لن يشهد أي تبدل إيجابي بحلول عام 2050، بل سيبقى يدور في فلك أزماته الموروثة». يحمل هذا التقدير تشاؤما واضحا ويعيد فتح النقاش الذي بدأنا منه: أي أسئلة ينبغي استكمال الإجابة عنها، وأيها تغيرت شروطه إلى حد يقتضي إعادة صياغته؟
ويتخذ المستقبل في كلام الشريف طوطاو صيغة أقل حسما، يقول: «قد تبرز مشكلات أخرى، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما على الفكر العربي إلا أن يكون متيقظا ومتفاعلا مع هذه المشكلات بغية تشخيصها وإيجاد الحلول لها وإلا تجاوزته الأحداث». تضع هذه الملاحظة القدرة على الاستجابة ضمن شروط التفكير في الغد، وهي تختلف عن ربط التحسن بإجابات حاسمة تنجز مقدما؛ فقد تفرض المشكلة الجديدة مراجعة ما حسبناه محسوما. ويصبح من المهم أن تحتفظ المؤسسة بقدرتها على تعديل أولوياتها، وأن تسمح للباحثين برصد ما يتغير خارج الأسئلة التي اعتادوا الاشتغال عليها. بذلك يتصل الاستعداد للمستقبل بقبول حدود معرفتنا به.
ويتيح موقف الفيلسوف الفلسطيني أحمد برقاوي الاقتراب من السؤال عبر الغايات التي يمكن أن تجمع تجارب مختلفة. فهو يرى أن المرحلة الراهنة تختلف عن عصر النهضة، وأن المشكلات التي نواجهها أزاحت كثيرا من أهداف الأيديولوجيات الطوباوية، ومع ذلك تبقى الحرية والعلم والحياة الكريمة حاضرة في تصوره لما يطلبه الناس. ويمنح الفلسفة مهمة فهم الواقع والكشف عن إمكان تغييره، بحيث تمد الإرادة بمعرفة تساعدها على الفعل. بهذا المعنى يصبح التفكير في المستقبل بحثا في الممكن داخل ما نعيشه، وفي الشروط التي قد تتيح تحققه. ويحدد برقاوي هذه الغايات بقوله: «الحياة الحرة المرتبطة بالكرامة الإنسانية وتحقيق الحاجات البشرية المتنامية بفضل الثورة التكنو-إلكترونية والحياة الروحية الإبداعية هي الغايات الممكنة». تتيح هذه العبارة وصل سؤال النهضة بالسعي الفردي إلى حياة مستقرة، لكنها توسع معنى تلك الحياة ليشمل الحرية والإبداع. كما تعيد التقنية إلى موقعها ضمن السؤال عن حاجات البشر. فإذا اتسعت القدرة التقنية من دون أن تتسع قدرة الناس على العيش بحرية وكرامة، بقيت العلاقة بين الوسيلة والغاية موضع مساءلة.
وتظهر هنا حدود اختزال دور المثقف في تقديم رؤية تقود المجتمع، فحديث ثريا بن مسمية عن المشاركة في القرار، وحديث المعولي عن احتياجات الأفراد، يضعان هذا الدور داخل علاقة تتطلب معرفة الناس الذين يراد التأثير في حياتهم. وقدرة المثقف على تفسير واقعهم تتوقف على استعداد لتعديل مفاهيمه حين لا تفسر خبرتهم. ويصبح الإصغاء جزءا من إنتاج المعرفة، مثلما يصبح الوصول إلى الجمهور شرطا لاختبار أثرها. وهو ما يمنح النقاش عن المؤسسات بعدا اجتماعيا يتجاوز توفير مكان للكاتب أو الباحث.
ومن الصعب أن تنتهي هذه الآراء إلى برنامج واحد، فأنطون يطلب مراجعة جذرية للمقولات التي رافقت الحداثة، وحديدي يتمسك بصلاحية سؤال النهضة، وكاظم يريد توقعات أكثر واقعية من المشروعات الكبرى. وفي المسافة بينهم تتقدم أسئلة تتصل بكيفية عمل الفكر: استقلال المؤسسة، واستمرار البحث والمشاركة في تحديد ما يراد من التقنية. أما الأجيال التي يجري التفكير في مستقبلها، فإن حضور حاجاتها في النقاش يكشف مقدار ما ينبغي معرفته عن حياتها قبل الحديث باسمها.
بعد قرنين من رحلة الطهطاوي، يحمل اختلاف المشاركين دلالة تتصل بقدرة الفكر على مراجعة السؤال الذي ورثه، وقد يكون استمرار بعض المطالب القديمة دليلا على تأخر تحقيقها، فيما يكشف ظهور أدوات وقوى جديدة ضرورة إعادة النظر في وسائل العمل عليها. ما يبقى معلقا في هذا النقاش هو كيف يصبح الاختلاف نفسه منتجا: كيف تجد الفكرة من يختبرها وكيف تحفظ مؤسسة ما تحقق منها وكيف يستطيع الناس أن يروا أثر المعرفة في حياتهم. عند هذه الصلة بين التفكير والعمل يمكن أن تُختبر الوعود التي نحملها إلى المستقبل.