السياسة في الوطن العربي وعقلية التمذهب
الثلاثاء / 10 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:23 - الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 20:23
المتأمل في الأحداث الأخيرة منذ حرب 7 أكتوبر وحتى صدور أحد البيانات الدينية فيما يتعلق باليمن؛ يجد النفس المذهبي حاضرا بشكل واضح، وتمدده يزداد يوما بعد آخر، وهذا يطرح عدة تساؤلات على رأسها: هل فشلت عموم الدول العربية في بناء مواطنة إنسانية بعيدة عن عقل التمذهب، أو هي أصلا لا تستطيع الانفكاك عن التمذهب، وبقاء سياساتها ببقاء المذهب؟ ثم هل المحرك للعديد من أحداث المنطقة الرؤية المذهبية المغلقة، أم الرغبات السياسية؟ وهل هناك مَن هو مِن خارج المنطقة مَن يلعب على ورقة المذهبية في تحريك الأوراق السياسية؟ فإن كان كذلك، هل فشلت المؤسسات المدنية في الدول الوطنية في بناء أجيال تتجاوز التمذهب والطائفية؟
صحيح أن المذاهب في جملتها تكون سياسي، أو نشأت في غالبها بفعل السياسة، حتى أصبحت لها رؤيتها الكلامية المغلقة في ظاهرها في الأحداث السياسية التأريخية، لكنها متحركة لغلبة الواقع على النص والتأريخ، فيحدث في داخلها من الاجتهادات التبريرية والتأويلية للتكيف مع الواقع، وإن أدركت في جملتها أن ذلك يخالف أصولها الكلامية واللاهوتية، ولكن مصلحة بقاء المذهب هو المقدم في نظرها، مع اختلاطها بالجوانب النفعية من بعض رموزها، إما منصبية أو مالية أو اجتماعية، مما يجعلها تبرر الواقع باسم المذهب ذاته؛ هذا التبرير لا يخرج عن مراجعات في أصول المذاهب الكلامية فيما يتعلق بالسياسة خصوصا، بقدر ما يخرج عن منافع ومصالح ذاتية.
هذه الرؤية المذهبية إما لغلبة الواقع، أو لسبب المصالح النفعية؛ كان مدارها واسعا سابقا، وتتحرك في مساحات جغرافية أو قبلية أو عشائرية لسعة الشراك بينها وبين الدولة المركزية؛ فهناك مساحة كبيرة من الاستقلالية، كانت مادية أو معرفية أو خدمية، ترتكز على القبلية والعشائرية والمناطقية، مما يعطي للمذاهب المتكئة عليها مساحة أوسع في البقاء والحركة من جهة، مع الانغلاق على المذهب ذاته من جهة أخرى.
هذا لم يخلُ من صراعات مذهبية في تأريخ عالمنا العربي والإسلامي عموما، ولكن كان هناك شيء من سعة الانغلاق على المذهب، مما ساهم بشكل كبير في تكون بعض المذاهب الباطنية المنغلقة على ذاتها، وضعف معرفة الآخر لانغلاق الآخر على ذاته لأجل البقاء وممارسة طقوسه بحرية تحت دائرة العشيرة أو القبيلة.
تكون الدولة الوطنية أو القطرية غير المعادلة ذاتها، فلم يعد ذلك الشراك الجغرافي والقبلي والعشائري حاضرا، وأصبحت الدولة بكاملها بيد الدولة المركزية، في الجوانب المالية والقضائية والعسكرية والأمنية والخدمية، حتى الجوانب الجغرافية أصبحت موزعة حسب الدولة الجغرافية القطرية، وما يتبع ذلك من ثقافات وتمذهب وانتماءات مختلفة، كتوزع عرقي الأكراد بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، والبلوش بين باكستان وأفغانستان وإيران مثلا، ومن أمثالهم في الوطن العربي الأمازيغ والطوارق والنوبيين والأرمن والدروز والقبائل الحدودية، وهي تحمل خصوصيات مذهبية وثقافية توزعت على دول قطرية قد تختلف عن انتماءات مراكزها وعواصمها السياسية، فتتحول بعض الأكثريات إلى أقليات بحكم الدولة القطرية.
هذا الأمر أصبح واقعا بحكم الدولة الوطنية، لكن استنساخ الدولة القطرية في غالب عالمنا العربي لم يكن مدنيا تعاقديا على أسس فردانية الكرامة والمساواة والعدالة والحرية، ولم تستطع غالبا دولنا في جملتها التخلص من عقدة الانتماءات الجمعية أو الهوية الغالبة؛ كانت باسم العرق أو الدين أو المذهب، أو من عقدة انتماء السلطة الحاكمة دينيا أو مذهبيا أو ثقافيا، وقد فصلت هذا الأمر في كتابي: «لاهوت الرحمة»، «وأنسنة الدولة».
ما سبق ندرك به جواب سؤال: «هل فشلت عموم الدول العربية في بناء مواطنة إنسانية بعيدة عن عقل التمذهب، أو هي أصلا لا تستطيع الانفكاك عن التمذهب، وبقاء سياساتها ببقاء المذهب؟»، في نظري غالب دولنا العربية فشلت في بناء دولة وطنية بمعنى الدولة المدنية الواحدة، ولم تتهذب المذاهب بمدنية الدولة وأنسنتها، بقدر ما كانت قلقا على الدولة ذاتها، يثير الخلافات المذهبية والطائفية بين حين وآخر، ومتكأ للعديد من استبداد السلطات السياسية والدينية المتمذهبة.
ما نراه اليوم من نشوء مليشيات وجماعات تخرج على الدولة، نجد المحرك هو المذهب والرؤى التاريخية الماضوية، والشعارات النضالية المعاصرة لا يتجاوز الرداء الذي يخفي في داخله أغراضا مذهبية تأريخية وهذا نسبته أقل، ولكنه في الغالب يحمل منافع شخصية أو فئوية باسم الدين أو المذهب أو المناطقية، ونتيجة الفراغ العقلي الجمعي، وطبيعة التدين الشعبي؛ يسهل التلاعب بمثل هذه الشعارات النضالية لخط أفقي أوسع.
الذي يساهم في نشوء جماعات ومليشيات تخرج على الدولة هي الدولة ذاتها؛ فعدم وجود مؤسسات تشاركية، وضعف وجود تعاقد حقيقي في الدولة، وتحجيم الحريات، وغلبة الهويات الجمعية، وتهميش الأقليات، وضعف المساواة والعدالة الاجتماعية، وتسييس المذاهب والأديان، وعدم وجود مراكز بحثية ناقدة وموجهة؛ يساهم بشكل كبير في تمذهب الجماعات السياسية، وتشكلها داخل الدولة حفاظا على بقائها، فيدخل فيها من له رغبات شخصية، مادية وسلطوية، باسم الطائفة أو المذهب أو القبيلة.
وهذا ذاته الذي يقود إلى انشقاقات داخل الدولة؛ فشمولية الدولة، وعدم أنسنتها، أكبر قاتل للدولة ذاتها، وهذا ما ندركه اليوم من محاولات لإحياء صراعات المكونات المذهبية والطائفية والعرقية في عالمنا العربي الذي يحمل في داخله أكثر الدول في العالم لها انتماءات دينية ومذهبية وطائفية وعرقية متعددة.
هذا الاختلاف والتنوع كادت أن تلبسه لباسا جماليا في الجوانب السياحية والمعرفية والفنية، ولكن للأسف العقلية السياسية والدينية المذهبية في غالب عالمنا العربي غيبت هذا الجمال التعددي، وجعلت العقل الجمعي مغيبا عن إدراك جمالياته، وينظر إليه بريبة وشبهة، وبثنائية الهوية والانتماء، والإيمان والكفر، وهذا نتيجته ما نراه اليوم في العقل الجمعي في وسائل التواصل الاجتماعي.
بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»