أفكار وآراء

أمريكا تمضي متخبطة إلى حرب مع الصين

ترجمة: أحمد شافعي

قبل إيران، وقبل العراق، وقبل أفغانستان، لم تخطئ أمريكا في فهم دولة مثلما أخطأت في فهم الصين. ولو أن هذا القول محير، فما ذلك إلا لقصر مدى الذاكرة التاريخية. ولقد كانت الإخفاقات السابقة عسيرة على أمريكا. ولكن الخطأ من جديد سوف يكون كارثيا.

ومن هنا تأتي الأهمية البالغة لأن يحقق الرئيس ترامب التوازن الصحيح في قمته هذا الأسبوع مع الرئيس الصيني شي جينبنج.

دعمت الولايات المتحدة القائد الصيني تشيانج كاي-شيك خلال الحرب العالمية الثانية في مواجهة الفاشيين اليابانيين الذين كانوا قد غزوا بلده في ثلاثينيات القرن العشرين. إذ افترضت إدارة روزفلت أن الصين في ظل حكم تشيانج والقوميين سوف تمثل إحدى القوى «الأربعة الكبرى» بعد الحرب العالمية الثانية بجانب الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي.

وحينما اجتاح الشيوعيون الصينيون بقيادة ماو تسيدوج الحرب الأهلية التي استمرت في ما بين 1946 و1949، كان صدمة لواشنطن أن استطاعت حركة لم تعترف بها تقريبا أن تطيح بتشيانج المحبوب لديها. واستعر غضبها بعدما بات الاتحاد السوفييتي والصين في أيدي الشيوعيين. وكان لا بد من محاسبة أحد.

وكذلك كان ميلاد جدال (من أضاع الصين؟) عنصرا مهما في «الفزع الأحمر» من الشيوعية في خمسينيات القرن العشرين. كان مسئولو الخارجية الأمريكية الذين حوسبوا هم تحديدا الذين سبق أن نبهوا خلال الحرب العالمية الثانية دونما جدوى إلى رجحان انتصار الشيوعيين عسكريا. وبدلا من الاحتفاء ببعد نظرهم، أدين أولئك المسؤولون وعُدوا خائنين وقيل إن تخاذلهم عن دعم تشيانج والقوميين هو الذي أسفر عن سقوطه. وسادت فكرة تسيء كثيرا تقدير حدود القوة الأمريكية، مفادها أن الخارجية الأمريكية كان يمكن أن تحول دون استيلاء الشيوعيين على بلد يبلغ سكانه خمسمائة وخمسين مليون نسمة ـ أي أكثر من شعب جنوب فيتنام سبعا وثلاثين مرة في فترة حربنا هناك.

ولم يكن مسؤولو السلك الدبلوماسي أنفسهم أبرياء؛ فبرغم دقتهم في ما يتعلق بفرص ماو، أساءوا فهم طبيعة حكمه. فقد توقعوا أن يكون الشيوعيون من أتباع ماو مقبولين بالمقارنة مع القوميين من أتباع تشيانج.

فبسبب إقامتهم في عاصمة القوميين تشونجتشنج في فترة الحرب، كانوا على معرفة وثيقة بنزعات تشيانج الاستبدادية. ولم تكن لهم دراية بالمعسكر الشيوعي في يانآن إلا عبر زيارات سريعة من ترتيب ماو والمسؤول عن الدعاية في فريقه تشو إنلاي.

وإعجابا بالنظام والانضباط في يانآن، غفلوا عن نزعة ماو الشمولية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى قتل وتجويع ما يصل إلى سبعين مليون صيني.

استمر تطهير وزارة الخارجية في خمسينيات القرن الماضي من المتخصصين حتى الستينيات. لقيت حرب فيتنام تشجيعا من المتخصصين في الشئون الأوروبية والعامة، نظرا لعدم احتفاظ الحكومة ضمن صفوفها بخبراء الشؤون الصينية الذين كان من المؤكد أنهم سيحذرون من مخاطر حرب العصابات في آسيا وأنهم سينبهون إلى أن فيتنام لم تكن قط دمية تحركها الصين الشيوعية.

وثمة صلة تاريخية ـ من خلال الصين ـ تمتد من الفزع الأحمر في مطلع خمسينيات القرن الماضي وحتى فشل فيتنام في أواسط الستينيات وأواخرها.

ثم حدث الانفتاح الدبلوماسي على الصين على يد الرئيس ريتشارد نيكسن ومستشاره للأمن الوطني هنري كيسنجر سنة 1972 فأنهى تماما جدال (من أضاع الصين؟). ولم تعد الصين بلدا مضيَّعا وإنما تحولت إلى بيدق جيوسياسي يمكن تحريكه ضد الاتحاد السوفييتي.

واستمرت رؤية نيكسن وكيسنجر حتى عام 1989 حينما أدى مزيج من وحشية الصين في ميدان تيانانمين ونهاية الحرب البادرة إلى أن باتت الصين ممقوتة، ومع انتهاء الشيوعية في أوروبا، لم تعد تمثل أصلا من الأصول ذات القيمة.

وكان أن استوجب ازدهار الصين الاقتصادي والتكنولوجي وبخاصة في تسعينيات القرن الماضي معاملة من الولايات المتحدة للصين باعتبارها قوة عظمى. وبلغ جيانج زيمين ونائبه تشو رونجي من الديناميكية أن افترض الديمقراطيون والجمهوريون على السواء أنه في حال قبول الصين في منظمة التجارة العالمية فإن الصين سوف تمضي على طريق التحول إلى مجتمع رأسمالي ليبرالي. وكان الرئيس بيل كلينتون يرى هذا الرأي، ولم يكن الوحيد في ذلك بأي حال.

ذلك كان ثالث سوء تقدير من واشنطن؛ إذ افترضت المؤسسة فيها ـ بثقة بالغة من جراء الانتصار في نهاية الحرب الباردة ـ أن الصين سوف تحذو حذو أوروبا إلى الحرية. ومن أسف أن الصين ليست أوروبا.

وإثر انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، كشفت الصين في نهاية المطاف وجهها الاستبدادي الكامل في ظل حكم شي جينبنج.

لكلٍّ من هذه الأخطاء أسبابه الخاصة. وهي أيضا مرتبطة بحكم الصين وتعقيدها واختلافها الثقافي الشديد. ولم يحدث إلا في الآونة الأخيرة فقط ـ وبفضل بحث رائد لفراند ديكوتر من معهد هوفر ـ أن علمنا القصة الكاملة للدعم الكبير الذي قدمه ستالين لماو خلال الحرب الأهلية فازداد احتمال فوز القوميين بعدا. وبرغم أنه ما من شائبة تحيز تشوب عمل محللي الشئون الصينية ـ خلافا لمحللي شؤون الشرق الأوسط، فإن الصين تبقى مستغلقة على فهم الولايات المتحدة حتى لدى طبقة الخبراء المحايدة عاطفيا.

ويتمثل عامل استقرار العلاقات الثنائية في التفاهم الغامض عمدا بشأن تايوان إثر زيارة نيكسن، وهو ما يعرف بـ»بيان شنجهاي». فقد أشارت تلك الصيغة إلى أن هناك صينا واحدة عاصمتها بكين، وإلى أن أيًّا من الطرفين لن يحاول بالعنف أن يغير من وضع تايوان القائم.

للمرة الأولى منذ عام 1972، قد يكون بيان شنجهاي معرضا لخطر ذي شأن.

صحيح أننا شهدنا بعض الزلات من قبيل تصريح الرئيس جو بايدن بأنه سوف يدافع عن تايوان، وهو ما يمثل تراجعا عن صيغة نيكسون المبهمة، لكن الرؤساء بصفة عامة التزموا بضبط التصريحات.

ولم يعد هذا هو الحال في إدارة ترامب، في ظل موقف الرئيس المعلن من تايوان والتقلب الدائم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

أما عن الصين فلم تعد تحكمها طائفة من القادة الشيوعيين المستنيرين، إنما هم أمثال شي جينبنج الشمولي اللينيني ذي المخططات العدوانية السافرة تجاه تايوان. وهكذا تضطرب الإشارات الإرشادية. وبرغم حديث القمم الوردي، رجعنا إلى حقبة (من أضاع الصين؟)، حيث يمكن الوقوع في الأخطاء الجسام، لكن هذه المرة أخطاء ذات عواقب لا يمكن حسبانها.

فضلا عن أنه في ظل عدم اهتمام أي من الصين أو الولايات المتحدة بالتعاون على وضع قواعد منظمة للذكاء الاصطناعي، فإن التنافس على هذه التكنولوجيا ينذر بمزيد من اضطراب العلاقات.

سوف تكون الكارثة الجيوسياسية القصوى صراعا عسكريا على تايوان وبحر الصين الجنوبي. واجتناب صراع كهذا لا يتحقق بمحض تقليص التوترات العسكرية.

فمثلما يوضح أود آرن ويستد، أستاذ الدراسات الصينية بجامعة يال، كان افتراض ألمانيا أن بريطانيا لن تهب لمساعدة حلفائها في عام 1914 هو الذي ساعد على إطلاق الحرب العالمية الأولى. ولو أن الصين تفترض أن الولايات المتحدة لن تهب لمساعدة تايوان، فقد يزيد ذلك بالمثل من فرص نشوب حرب.

ولقد أدت حروب أوكرانيا وغزة وإيران إلى اختلافات حادة في الرأي بين الشعوب والنخب، لكنها لم تغير حياتنا تغييرا جذريا. في حين أن حربا عسكرية شاملة في غربي المحيط الهادي بين أقوى اقتصادين في العالم كفيلة بتعطيل أهم سلاسل الإمداد وتغيير عالمنا تغييرا جذريا. فليست المقارنة بالحرب العالمية الأولى من قبيل التهويل.

لقد كان جدال (من أضاع الصين؟) ابنا لهاجس وسوء فهم. إذ أصبح الهاجس في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين هو الشيوعية التي حلت محل النازية الألمانية والفاشية اليابانية لتكون العدو الأساسي لأمريكا في لحظة انتهاء الحرب العالمية الثانية. ثم ظنت الولايات المتحدة أن لديها القوة لإنقاذ نظام حكم تشيانج في الحرب التي شملت آلاف الأميال من الأرض.

والهاجس اليوم مرة أخرى هو الشيوعية ـ في هيئة استيلاء الصين على مكانة الولايات المتحدة بوصفها الأقوى في العالم جيشا واقتصادا وذكاء اصطناعيا. ويكمن سوء الفهم في أن نهجا أشد لينا وأقل حزما في الدفاع عن تايوان وحلفائنا الآخرين في آسيا قد يحول بطريقة ما دون نشوب حرب. فهذا النهج في واقع الأمر قد يجعل الصين تجترئ وتهاجم الجزيرة فتضع الولايات المتحدة في أزمة شديدة الحساسية فيما يتعلق بمصير المحيط الهادئ كله.

فالعنصر الأهم في منع نشوب حرب كبيرة هو الانضباط السياسي. وقد يكون هذا مملا لكنه صحيح، فهذا هو ما يؤدي إلى إشارات ثابتة يمكن التنبؤ بها.

لا يجب على أمريكا أن تحير الصين، كما لا يجب على الصين أن تحيرنا. لقد نجمت الحرب العالمية الأولى جزئيا عن سوء فهم النوايا. والرئيس ترامب بتردده ـ واستعماله المساعدات العسكرية لتايوان ورقة للتفاوض مع الصين وتلاعبه بآسيا والتخلي عنها لتدخل مجال النفوذ الصيني ـ يشجع على نحو لا يتحلى بالمسؤولية على الحيرة التي قد تؤدي إلى حرب.

لقد أعقبت المؤرخة باربرا توتشمان كتابها الكلاسيكي عن نشوب الحرب العالمية الأولى الصادر سنة 1966 بكتابها (برج العزة) عن العالم الكوزموبوليتاني المتلألئ في أوروبا القرن التاسع عشر، وكيف أن نسيج ذلك العالم وبهاءه وبساطته قد ضاعت جميعا بسبب الحرب الكبيرة - أي العالمية الأولى-.

والثيمة التي اختارتها توتشمان لكتابها مأخوذة من قصيدة نشرها إدجار آلن بو سنة 1845 وقال فيها: «فوق برج العزة في قلب المدينة/أشرف الموت مهولا على الأرض الحزينة».

ما من صراع جيوسياسي في العالم اليوم بقادر ـ في حال إساءة تقديره ـ على ابتلائنا بخراب كالذي يمكن أن يبتلينا به صراع بين الولايات المتحدة والصين. لقد مزقت الصين سياستنا الداخلية قبل ثلاثة أرباع القرن، وقد يكون الحال أسوأ هذه المرة.

روبرت كابلان محاضر في جامعة تكساس، ومؤلف كتاب «همس الصين: أصوات شكلت رؤى أمريكا لمنافسها الجيوسياسي الأساسي».

الترجمة عن نيويورك تايمز