أفكار وآراء

الأمم المتحدة وقضايا الأمن والسلام في مفترق طرق

زرت الأمم المتحدة في نيويورك في بداية عملي الصحفي ضمن مجموعة من الصحفيين والدبلوماسيين العرب موفدا من قبل جريدة عمان، وقد ركز برنامج الزيارة الذي نظمته وزارة الخارجية الأمريكية على إطلاع المشاركين على مؤسسات الدولة الأمريكية في العاصمة واشنطن ونيويورك.

ومن أبرز المؤسسات الدولية في مدينة نيويورك أحد أهم إنجازات الحرب العالمية الثانية وهي منظمة الأمم المتحدة والتي ركز فيها المنتصرون على ضرورات الأمن والسلام والاستقرار بعد أهوال ودمار غير مسبوق، نتج عن ويلات الحرب العالمية الثانية خاصة في المدن الأوروبية. الدخول إلى الأيقونة الدولية يعطي إحساسا عاما بأن هذه المنظمة سوف تكون صمام الأمان لحماية الدول والشعوب من ويلات الحروب بعد فقدان أكثر من ٨٠ مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية التي تواصلت على مدى ست سنوات، أي من عام ١٩٣٩ حتى عام ١٩٤٥.

تحليل وشرح ونقاش مميز استمع له الجميع في المبنى الزجاجي للأمم المتحدة من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى قاعة مجلس الأمن الشهيرة حيث يتحكم المنتصرون ومعهم الصين في القرار السياسي الدولي مرورًا بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وبقية مؤسسات الأمم المتحدة خاصة قوات حفظ السلام والإغاثة الإنسانية.

ومن خلال استعراض ميثاق الأمم المتحدة الذي وضعه المؤسسون في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية يتضح أن المنظمة الدولية وجدت لحفظ السلام والاستقرار، وصون الأمن واحترام القانون الدولي، وعدم ارتكاب الإبادة ضد الإنسانية، وغيرها من الأدوات والمعايير الأخلاقية التي تعظم قيمة الإنسان في هذا الكوكب. بعد سنوات من تلك الزيارة إلى الأمم المتحدة في صيف ١٩٨٩ وخلال زيارات متعددة بعد ذلك دخل العالم في عشرات من الحروب والصراعات الإقليمية والدولية، وبقيت الأمم المتحدة عاجزة عن إيجاد الحلول الموضوعية خاصة تجاه القضية الفلسطينية التي تعد من القضايا الأساسية، خاصة وأن نكبة فلسطين كانت محور الاهتمام الدولي بعد ثلاث سنوات من قيام منظمة الأمم المتحدة؛ حيث شهد العالم تشريد شعب من أرضه من قبل الكيان الإسرائيلي الغاصب.

نتحدث هنا ونستذكر تلك اللحظات الفارقة في مبنى الأمم المتحدة مع انطلاق الدورة ٨١ من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة من تلك القاعة الكبرى التي يتحدث من على منبرها قيادات العالم المختلفة؛ حيث تأتي الدورة الحالية والعالم يعاني الأمرين من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ويعاني الاقتصاد العالمي من اختناقات كبيرة بسبب إغلاق مضيق هرمز، والحصار البحري الشامل على إيران من قبل القوات الأمريكية، وهناك تراجع القيم والسلوكيات الإيجابية وتدني المصداقية من قبل القوى الكبرى، وعلى رأسها الإدارة الأمريكية الحالية، علاوة على تدني هيبة الأمم المتحدة والتي كانت الأمل المنشود لإقرار السلام والاستقرار في العالم، والتفرغ للتعاون والتنمية والتحديث، والتركيز على التعليم والتقنية، وفتح مجالات الاستثمار المشترك، ومحاربة الفقر والأمراض وتسخير العلم لصالح الإنسانية.

كل تلك الأماني والتطلعات التي استمعنا لها قبل عقود داخل الأمم المتحدة أصبحت سرابًا، وما بقي من الأمم المتحدة هو فقط الاسم والجهود من هنا وهناك في ظل غياب الإرادة الدولية، وفي ظل هيمنة القطب الواحد، وفي ظل مشاريع صهيونية للظفر بمقدرات الدول النامية. تأتي أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة كل عام والقضايا هي نفس القضايا، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضايا الحروب والصراعات في منطقة الشرق الأوسط بداية من الحرب في اليمن وفي منطقة الخليج العربي والأوضاع غير المستقرة في الصومال والسودان وأفغانستان وغيرها من الدول، وفي ظل قضية المناخ والذكاء الاصطناعي الوافد الجديد، ومع ذلك تنتهي آمال تلك الكلمات من قادة الدول وتتبخر بمجرد أن تطوي صفحات تلك الكلمات. وعلى ضوء ذلك فإن الدورة الحالية للأمم المتحدة لن تخرج عن المألوف في الدورات الأخيرة، وقد يكون الإنجاز السياسي الوحيد إن حدث هو إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإيجاد نظام أمني إقليمي بين دول المنطقة، وهي المبادرة الدبلوماسية الفريدة التي قدمتها سلطنة عمان قبل خمسة عقود خلال اجتماع وزراء خارجية دول المنطقة بما فيهم إيران والعراق، وخرج من ذلك الاجتماع المهم بيان مسقط، وكانت مدينة صلالة على موعد مع تكرار المشهد من خلال اجتماع وزراء خارجية دول المنطقة، لكن سلطنة عمان حرصت على تأجيل الاجتماع حتى يحدث التوافق بين دول المنطقة. مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية بشكل خاص فإن ثمة قناعات راسخة بأن الأمن الإقليمي بين الدول الثماني أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الأمن الإقليمي والمحافظة على علاقات إيجابية بين دول المنطقة، والتفرغ للتنمية المستدامة، وتحقيق الازدهار الاقتصادي لشعوب المنطقة.

وفي تصوري أن إشعال الحروب يعود إلى غطرسة الكيان الصهيوني والذي ورط إدارة الرئيس الأمريكي ترامب في حرب استنزاف طويلة أضرت بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا بمصالح ومقدرات دول المنطقة علاوة على ارتفاع التصعيد والإضرار الكبير بإنتاج الطاقة والذي يعد المحرك الأساسي لاقتصاديات دول المنطقة. إن ظروف الأمم المتحدة صعبة، ولا يمكن أن يتغير حال العالم بسبب كلمات من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في ظل غياب الإرادة الدولية وانتهاك القانون الدولي وحقوق الإنسان، خاصة في مناطق النزاع والحروب. وستظل الإبادة الجماعية التي ارتكبها نظام نتنياهو وحكومته المتطرفة في قطاع غزة عارا على إنسانية العالم؛ حيث فقد أكثر من ٧٥ ألف إنسان حياتهم وهم من المدنيين في ظل غطرسة إسرائيلية لم تجد الرادع القانوني رغم أن الشعوب في العالم نددت بتلك الجريمة البشعة، وأصبح الرأي العام العالمي مدركا لخطورة سلوك إسرائيل الذي تخطى كل القيم والأخلاقيات.

ومن هنا، فإن الأمم المتحدة ورغم ميثاقها الإيجابي والرصين لكن القدرة على التنفيذ تبقى حبيسة الأدراج ويصعب على الأمم المتحدة أن تقوم بدور إيجابي يعزز من دورها الإقليمي والدولي في ظل الهيمنة الأمريكية وفي ظل الصراعات بين القوى الكبرى على اقتسام النفوذ.

فالصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين سوف يكون من أهم الصراعات في العقود القادمة، كما أن الكيان الإسرائيلي سوف يواصل مشروعه الخطير الذي يهدد الأمن القومي العربي، وحتى إذا كان هناك مشروع إيراني، أليس أولى بالعرب أن يكون لهم مشروعهم القومي الذي يحافظ على أوطانهم ومقدراتهم ونصرة قضاياهم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وقضية احتلال إسرائيل لأراض في جنوب لبنان والجولان السوري المحتل؟ علاوة على ضرورة إنهاء الأزمات العربية في اليمن ولبنان وسوريا والصومال والسودان وليبيا، وحل الخلافات العميقة بين بعض الدول العربية، وإهدار الأموال الكبيرة في نزاعات لا مكان لها.

الجامعة العربية وهي من أقدم المنظمات الإقليمية في العالم، وحتى أقدم من الأمم المتحدة تعيش أوضاعا صعبة، وأصبحت كالرجل المريض بسبب الإشكالات والخلافات بين الدول الأعضاء. ومع التمنيات للأمين العام الجديد بالنجاح والتوفيق، لكن مشكلة الجامعة العربية هي مسألة إصلاحها، وإعادة هيكلتها، وتطوير ميثاقها، وإنهاء البيروقراطية التي تقود أعمالها دون تطور إيجابي أو حتى التدخل لحل الخلافات بين بعض الدول الأعضاء. إذن ثمة تشابه بين الأمم المتحدة والجامعة العربية؛ الأولى أصبحت عاجزة حتى عن الدفاع عن الميثاق، وأصبح دورها هامشيا. وأصبح التركيز على قضايا الكوارث الطبيعية وتقديم العون الصحي في مناطق النزاع والنزوح في حين تعطل دورها الأساسي في حفظ السلم والأمن الدوليين.

في حين عجزت الجامعة العربية وتدهور دورها مع مرور السنوات، وأصبحت هي الأخرى كالغريق الذي يحاول أن يتشبث بأي شيء بهدف البقاء، وهي حالة محزنة لأهم المنظمات الإقليمية في العالم، كان العرب دولا وشعوبا يأملون منها الكثير.

الأمم المتحدة ستودع قريبا أمينها العام البرتغالي إنطونيو جوتيريش؛ حيث بذل الرجل جهودا كبيرة لإيجاد حلول لقضايا النزاع والحروب، ولكنه لم يستطع فعل الكثير في ظل الاستقطاب الدولي والهيمنة الأمريكية على القرار الدولي وفي ظل التراجع المخيف للقانون الدولي وتدني المصداقية، وكأن العالم أصبح يعيش في غابة.

عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة