مصائد الشيطان
الثلاثاء / 10 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 18:42 - الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 18:42
ما زال الوعي العربي يخشى الحكاية، يخاف القصص، يتّهم القُصّاص والروائيين، ويأخذ ما يكتبون على أساسٍ من الواقع والمطابقة، ويبلغ الأمر -أحيانًا- إلى جرّهم إلى المحاكم، وتهديد سلامتهم، وتشويه صورهم، وتذنيب فعالهم، وأشدّ من ذلك وأدهى الاتّهام الاجتماعي بالوقوع في أحضان الشيطان. الروائي العربي من أكثر الروائيين سيْرًا على ترسانة من المحاذير والقيود، هو مُواجَه بتراث يجب ألاّ يُقدِّم حكايةً عنه تمسّ نصاعته وبياضه، وهو مُواجَه بمجتمع ينبغي ألاّ يحكي ما يُمكن أن يجرح مشاعره وأن يسيء إليه، وهو مواجَه بواقع محلي وعالمي ينبغي أن يحذر من مواقفه تجاهه، وهو إضافة إلى كل ذلك إزاء تراكم نفسيّ من تربية اجتماعية وأسرية مليئة بالمكبّلات وبالمحظورات والمحاذير. لا يكتب الروائي العربي وهو هانئ سالم منطلق، وإنّما قَصصه مكبوت، مراقَب، مُحاطٌ بإكراهات جمّة، ولنا في كلّ قطر عربيّ، ضحايا من الروائيين الذين عابهم المجتمع وأطلق عليهم شتّى النعوت والتّهم، وأقْصتهم السلطة الدينيّة من الملّة، بل هنالك مَن تبرّأ منه أقرب الأقربين، وأنكره أهله وصحبه. مظاهر عديدة لشيطنة كتابة الرواية، وكأنّ الوعي الجمعي والسلطوي لا يقبل حكايةً مُربكة لحكايته، ولا يقبل قصّة مختلفة عن قصّته.
من أهمّ التهم القضائيّة والاجتماعيّة التي سُلِّطت على الروائيين «خدش الحياء العام» أو «الإساءة إلى المجتمع» أو «ازدراء الأديان»، ثلاثيّة لم نتصالح معها، وما زلنا نتعامل بوصاية قاتلة تجاهها: الدين، الأخلاق، الوطن. ألم يحن للقائمين على هذا الثلاثي أن يُدركوا أنّ الرواية تخيّل وتخييل، وأنّها تمثيل واعٍ وليست نقلا لوقائع ومواقف؟ أتعجّب ممّن يُجهِد النفس والمال والرأي لمنع فكرة ولحظر حكاية. الرقيب العادل على الكتابة والإبداع هو القارئ الذي له القُدرة على أن يُفشِل كتابًا، أو رواية لم ترقْ له، أو خدشت حياءه، أو اعتدت على مقدّساته. القارئ هو الرقيب المقبل أو المُدبر، يتفاعل مع الرواية، فيُقبل عليها، ويُبْدي إعجابه بها، أو يُعرض عنها وينصرف، وهو ليس في حاجة إلى وصايةٍ تُحدّد له ما يقرَأ وكيف يقرأ.
ماذا فعلت الرقابة السلطويّة أو القضائيّة أو الاجتماعية أو الدينيّة إذا أنكرت عملا وهاجمته، وأساءت إلى صاحبه؟ لم تفعل سوى أن قوّت منسوب الإقبال على قراءته، وغذّت الإقبال عليه، وكم مِن عملٍ روائيّ أو قصصيّ فاسد ضعيف لا قيمة له حوّلته الرقابة الرسميّة إلى الكتاب الأكثر طلبًا، ودفعت الناس إلى الإقبال عليه واللهفة في الاطّلاع على علل مقاومته! ليست الخشية معرفيّا من هذا الرقيب المخفيّ والظاهر الذي يُنصّب نفسه قائما على الدين والأخلاق وحارسًا لطهارة المجتمع، وإنّما الخشية أن يتحوَّل هذا التراكم الرقابيّ المكثَّف إلى رقابة ذاتية يصعب التخلّص منها.
الروائيّ قادرٌ أن يتحدّى هذه القيود بوعي، ولكنّه من الصعب والمؤلم أن يتخطّى الرقابة الذاتية التي تكوّنت بفعل قيود المجتمع منذ الطفولة. رقابةٌ تُعطِّلُ الإبداع الروائيّ وتُلْجِمه، وتَحدُّ من أفقه الوسيع. لم يكن القصص يومًا -سواء في تراثنا الشفوي والمكتوب أو في واقع حالنا- نقلا لواقعٍ، وإنّما هو رؤية للواقع، إعادة تمثيل له واختيار ممكنٍ يُروَى ويُحْكى من آفاقِ ممكناتٍ حكائية عديدة. يخشى الرقباء القصة؛ لأنها تجعل القارئ يعيشها، لأنها تحمله على فهم نفسه وعلى إدراك العالم من حوله. القصص حمالة الشيطان، ينفث فيها من روحه، هكذا يُصوّر البعض نمطًا من الأدب وشعبة من التخييل، ونحن من سُلالة حضارة اجتهدت منذ أوّل تاريخها أن تكتم القُصاص وأن تُلْجِم أفواههم، وما زال الفعل الارتدادي قائما إلى اليوم، ما زال الوعي العربيّ يخشى أن تشفّ الرواية عن جوهر الإنسان، يخشى الوعي العربيّ الوقوف أمام المرآة وإن كانت مرآة مهشمة أو مقعَّرة أو مُحدَّبة.
ليست المشكلة في أنّ الروائي يكذب على الناس ويُسوِّئ جميلا، ويبدِّل ناصعَ بياضٍ بسوادٍ، وليست المشكلة أنّ الروائي يقول ما لا يُقَال، ويكشف ما ينبغي أن يظلّ مكتومًا، وإنما المشكل الرئيس أنّنا نخشى من حكاياتنا، نخشى من أنفسنا، ففي النهاية الكاتب يتخيل، والروائي يبني عالمًا من الخيال وإن توطَنت أحداثه في مكانٍ وإن أحال إلى شخوصٍ، هو «كاذب» جوهرًا، وينبغي أن يكون كذلك، فلمَ خشية الكذب؟ ألم يقل العرب قديمًا «أعذب الشعر أكذبه»؟! وبهذا فتحوا الباب على مصراعيه لكذب الشعراء، وتقبّلوا منهم ما يخدش الحياء ويمسّ الدين والأخلاق؟ لا يخشى الرقيب من الحكاية في ذاتها ولا مِن حاكيها، وإنّما هو يخشى من أنّ الحكاية تحكي ما لا نريد أن نراه في واقعنا، ما نُغمض عنه أعيننا لنعيش هانئين؛ فالرواية لا تقصّ العالم فحسب، وإنّما هي تعيد ترتيبه، وتضع القارئ أمام مرآة لا يستطيع أن يغيّر صورتها، ولا يقدر أن يتحكّم فيما تعكسه وتُظهره وتُبديه.
الرقيب لا يخشى الحكاية لأنها تقول ما لا يُقَال، وإنما هو يخشاها؛ لأنها تزعزع ساكنا ارتضاه، وتهزّ يقينا صنعه، وتُربك وهْما أقنع نفسه به. الحكاية هي بناء لعالم لا يُخفي بالضرورة ما يكتمه المجتمع، ولا يكتم ما يتهامس به الناس. وخطر الحكاية أنّها منذ بدء الإنسان قادرة على تقديم صورة ثانية عن السائد. فهل مصائد الشيطان من فعل الحكّاء أو من فعل مَن يخشى الحكاية؟
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي