محمد الرندي: أكتشف عُمان بالصورة والطريق وحكايات الأمكنة
مغامرة تبحث عن الإنسان خلف جغرافيا المكان
الثلاثاء / 10 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 15:02 - الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 15:02
'العُمانية': تتمثل تجربة المغامر والمصور الشاب العُماني محمد بن راشد الرندي في كونها مرتبطة باكتشاف الأبعاد المرتبطة بالمكان، والتفاصيل الإنسانية والثقافية والاجتماعية وكل ما يتعلق بالهوية، هكذا يصفها وفق تعبيره ـ
فقد ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بالمغامرات والاستكشافات داخل سلطنة عُمان وخارجها، يبدأ شغفه من واقع ارتباطه بالطبيعة واكتشاف الأمكنة التي لم تظهر بعين المكتشف بعد للمتلقي، ويومًا بعد يوم نما هذا الشغف ليكوّن تجربة حسية ملموسة ليصل إلى مشروعات تعمل رسائل وأهدافًا تتجاوز مجرد الوصول إلى المكان. فقط أصبح ومن خلال هذه التجربة، هو البحث عن قصة المكان وطبيعته وتاريخه، مرورًا بالإنسان الذي يعيش فيه أيضًا. وللعودة إلى تجربته مع المغامرة، فقد تنقلت تجاربه في جهات متعددة من أرض 'عُمان' مرورًا بالرحلات البحرية والاستكشاف والتصوير.
وعند الحديث عن المغامرة فإن 'الرندي' يراها فكرة تتجاوز التحدي الشخصي، فهي على حسب تعبيره يجدها ذلك الاختبار الذي يتقاطع مع قدرته على التحمل، كونها وسيلة يتعرف من خلالها عن أرض 'عُمان' وتنوع جغرافيتها، فهو يعيش تفاصيلها بطرق مغايرة تختلف عن تلك التي توجد له الطرق المألوفة.
ويشير 'الرندي' إلى ذلك الفضول الذي يدفعه إلى المجهول دومًا، ويقول: 'أنا دائم البحث عمّا هو أبعد من المشاهد المعتادة المألوفة، أذهب إلى ما خلف الجبال، وبواطن الأودية، وتشدني رمال السواحل والصحاري، وأقف مندهشًا مع ما تكنّه القرى من جمال ربّاني، كون أن لكل بقعة حكاية، ولكل رحلة حقائق استكشاف تقودني إلى 'عُمان' الأجمل التي لم أزرها من قبل، فالرحلة في خصوصيتها لدي تتجاوز مجرد الوصول إلى وجهتي'.
وأوضح: في كل مغامرة أجد 'ذاتي' حاضرة أيضًا، وكل حواسي، حيث التأمل في الطبيعة واختلاف تضاريسها، والتعرف على الناس والعادات والتقاليد، أبقى مُنصتًا للقصص والروايات المرتبطة بالأرض التي تطأ قدماي فيها والتي غالبًا ما تكونت بفعل الأحداث والتي لا تسقط من المخيلة أبدًا. حيث إن التفاصيل الصغيرة تدهشني، وأجمل محطاتي عادة ما تكون في قرية نائية أو منظر أراه فجأة بعد قطع مسافات وساعات من المشي، أو أفتش في ذاكرة شخص ألتقيه في الطريق على سبيل المثال. أن علاقتي بأرض 'عُمان' تكبر يومًا بعد يوم، أنا مرتبط بتفاصيل المكان، وبجمال الجغرافيا، أبحث عن المجهول باستمرار لاكتشاف أماكن جديدة.
ولأن 'الرندي' مصّور أيضًا وحول ما يتعلق بحقيقة المغامرة والصورة الجميلة التي تصل إلى المتلقي، يشير إلى ما يعيشه المغامر في الوقت ذاته خوف وتعب، وقلق وانتظار مرورًا بالمفاجآت والقرارات الصعبة وهنا يشير: دائمًا ما يرى الجمهور الصورة الجميلة في هذا السياق، أو كما نطلق عليها اللحظة الأخيرة من المغامرة إن صح القول، وهنا يبدو المشهد مثاليًّا جدًا، مناظر طبيعية وخلابة، راحة بعد الوصول توحي كما لو أن الحقيقة اختصرت في ذلك المشهد، ولكن وكما قيل 'المناظر في المرآة قد لا تبدو مما هي عليه'، فخلف تلك المشاهد والمغامرة ألم وأمل أيضًا، تفاصيل لا يعلم أو يراها أحد، إرهاق وتعب يمتد لساعات، خوف وترقب ولحظات لم تكن في الحسبان، وقد يطول الانتظار أكثر مما نتوقع. ناهيك عن القرارات الصعبة التي أن نتخذها في وقت قصير ولا يمكن التراجع عنها، فالمفاجآت تأتي في سياق طريق أصبح أكثر صعوبة مما نتخيل أو أحوال تغيرت فجأة وكادت أن تقضي على لحظات السعادة فينا وبسببها قد نغيّر كل شيء.
وأوضح: المغامرة في الحقيقة لا تعبّر دائمًا عن فكرة الوصول إلى نقطة النهاية وإنما عن كل ما قد يقع في الطريق لأجلها. وكون أن لحظة الوصول بعد التعب والإرهاق له شعور مغاير، فإن تلك المغامرة تصبح أكثر من كونها مجرد لحظة توثيق أمام الكاميرا، وتتجسد في الشعور بالامتنان، والرضا عن كل خطوة تجاوزت تلك اللحظة. فأنا عندما أقف على عتبة المكان الذي كنت أبحث عنه، أجد أن قيمة المشهد لا تكمن فيه وحده، بل بكل ما مررت به حتى أصل إلى نقطة النهاية. وهذا ما يدفعني دائمًا للاستمرار، مدفوع ذلك بالشغف وحب الاكتشاف، ما يدفعاني إلى خوض تجربة أخرى رغم التعب والخوف والتحديات. وفي حقيقة الأمر يجب أن أعترف إنني لا أبحث عن الصورة الأخيرة بقدر ما أبحث عن القصة الكاملة التي تقف خلفها تلك الصورة، عن الموقف والطريق والمشاعر الإنسانية واللحظات التي تجعل المغامرة فكرة لا تسقط من المخيلة.
ويقول في السياق ذاته إن التصوير هو في حقيقته جزء من المغامرة، ووسيلة لحفظ تفاصيل اللحظة كما عاشها، ويؤكد: فيه تتجسد المشاعر والضوء والظروف بكل وقائعها، فأنا أصِل إلى مواقع قد لا يراها الكثير من الناس، أماكن بعيدة عن الطرق التي يعتداها المُطلع على تفاصيل الصورة، ولهذا أشعر أن وجودي في تلك الأماكن يضعني في موضع مسؤولية تتجاوز الاستمتاع بالمشهد على المستوى الشخصي كوني أوثق الجمال وأن أنقل للناس صورة حقيقية عن أماكن تكاد لا يستطيع الوصول إليها بسهولة.
وبيّن قوله: الصورة بالنسبة لي 'أنظر ماذا يوجد في هذا المكان'، أنقل تفاصيله وأحاسيسه، وأسعى أن الشخص الذي يشاهدها يشعر بذلك الجزء البسيط مما شعرت به وأنا أقف عند ذلك المكان، وأكرر أن الصورة لربما لا تنقل طول الطريق أو التعب والسعي، لكنها تحفظ لحظة مهمة من حياتي وتوجد للمكان زاوية أخرى لأن يُرى من أشخاص لم يطّلعوا عليه بعد.
ويقف 'الرندي' عند التنوع الجغرافي الاستثنائي لسلطنة عُمان، الذي يمنح المغامر مساحة مغايرة لاكتشاف مكنوناتها وهنا يوضح: لسلطنة عُمان طبيعة جغرافية مختلفة، فهي كنز غير مكتشف لكل مغامر، بلد يجمع بيئات وتجارب مختلفة على مستوى المكان الواحد، 'جبل وسهل وبجر وصحراء' هذا التنوع يوجد الاختلاف بين رحلة وأخرى بالرغم من تقارب المكان، مع فرصة متعددة الأوجه يمنحها للمغامر لاكتشاف بقعة جديدة. وأضاف أيضًا: في سلطنة عُمان لا يحتاج المغامر إلى قطع مسافات طويلة كي تتغير ملامح المكان حوله، فهو محاط بالسهل والجبل والوادي والصحراء والبحر أيضًا في نطاق كيلومترات متقاربة، ومع كل انتقال يجد المغامر نفسه بين طبيعة تتغير ألوانها وتضاريسها وتفاصيلها الصغيرة التي تميز كل منطقة عن غيرها.
وقال أيضًا: أنا لا أكتفي بمشاهدة الأماكن من بعيد، ما يجذبني أكثر هو محاولة الاكتشاف ما وراء المشهد، أن أكون أكثر قربًا من المكان وأرى تفاصيله بعين المغامر، أكتشف حقيقة المكان بعيدًا عن الصورة الصغيرة التي تلتقط من أجل المغادرة. فأنا أحب أن أرى بلدي بطرق مختلفة، أن أكتشف طرقًا جديدة ومناظر لم ترى من قبل. باختصار 'هذا هو جوهر المغامرة الخاص بي'، أن أبقى فضوليًّا بشكل إيجابي يبحث عن زاوية جديدة في بلادي مهما اكتشفت منها، فهناك المزيد مما يتوجب اكتشافه لأجل أن أعيشه وأراه وأوثقه.
ويقول المغامر العُماني الشاب محمد الرندي إن المغامرة عادة ما تقود المغامر إلى اكتشاف طبيعة الإنسان في سلطنة عُمان مرورًا بالتعرف أكثر على ثقافته وذاكرته المحلية أيضًا، ويؤكد أيضًا: كلما قمت بتجربة جديدة أجد نفسي ألتقي أشخاصًا جدد في كل منطقة وقرية أمر بها، على الرغم من أن المسافات قد تكون قصيرة جدًا أحيانًا، كون أن التفاصيل التي أكتشفها تجعلني أشعر بأنني أنتقل بين عوالم مختلفة، لها عاداتها ولهجاتها وطريقتها الخاصة في الحياة وقصص أكثر جمالية تستحق أن تُسمع. ففي بعض الأحيان تبدأ الحكاية من لقاء بسيط ثم تمتد لأن تصبح قصة لا تنسى عن المكان وأهله وعادات تتوارث جيلاً بعد جيل، تلك التفاصيل تصبح جزءًا أصيلاً من المغامرة فهي تجعلني أكثر قربًا من المكان تمنحني فهمًا مغايرًا لبلدي 'عُمان' لا يمكن أن تقدمه الخريطة وحدها. لذلك فالطريق لم يكن يومًا مجرد وسيلة للوصول إلى وجهتي بكل تجربة تخلدها الذاكرة، ومع الوقت أصبح لدي إيمان عميق أن اكتشاف أرض سلطنة عُمان لا يكتمل باكتشاف الجغرافيا فيها، وإنما باكتشاف الإنسان الذي يقطن فيها ويحمل جزءًا من روح المكان وعبقه وذاكرته وتاريخه أيضًا.
ويشير المغامر محمد الرندي إلى الأثر والشغف الشخصي حيث الرسالة الأسمى عن سلطنة عُمان من خلال المغامرة وما يقوم به من أثر في تعريف الآخرين مرورًا بالتحدي الشخصي ووجود قصة تلهم الشباب لاكتشاف المزيد عن وطنهم، ويقول إن المغامرة في البداية كانت لي شغفًا شخصيًّا يقودني للاكتشاف والتصوير وخوض تجارب أكثر جدية، فقد كنت أبحث عن مسارات لم أزرها من قبل، وأعيش لحظات استثنائية فيها، ومن ثم توثيقها بالصورة، لتصبح ذكرى لي ولمن سيشاهدها لاحقًا، ومع مرور الوقت، بدأت أشعر أن الأمر أصبح يحمل رسالة أكبر من مجرد شغف شخصي، فكلما اكتشفت مكانًا جديدًا، أو التقيت بأشخاص جدد، أو عشت تجربة مغايرة نوعية، أدركت أن هذه التجربة يمكن أن تصل إلى شخص آخر يجب أن تتاح له فرصة لخوضها، حيث إن الصورة التي ألتقطها أو حتى القصة التي أحكيها يجب أن تكون سياقًا لاكتشاف شخص ما في مكان ما أيضًا في ربوع بلادي. لتظهر برؤية أخرى مختلفة عن تلك التي تولّدت في مخيلتي.
فأنا أرى ومن زاوية أكثر انفتاحًا على الآخر أن لكل مصور ومغامر فرصة لأن يكون سفيرًا لبلده عُمان، وبطريقته الخاصة أيضًا، وذلك من خلال القصة الصادقة التي تقف خلف كل صورة وتجربة عاشها في الطريق والتفاصيل التي لا تظهر للمرة الأولى أيضًا. وأن مشاركة التجارب بالنسبة لي أمر يظهر الوجه الجميل لكل مغامر عُماني لإظهار تنوع هذه البلاد بدءًا من مسندم إلى ظفار، وتعريف الناس بثقافتنا وأهلنا وإيصال صورة حقيقية عن أرض خلّدها التاريخ وتمتلك الكثير مما يستحق أن يكتشف.