الشرق الأوسط الجديد القديم .. حروب الصخب والغضب
الاثنين / 9 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:08 - الاثنين 21 سبتمبر 2026 22:08
تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والحرب في غزة التي سبقتها، من نواح كثيرة كأنهما غيّرتا الشرق الأوسط جذريا. فبعد عقود من حرب الظل، هاجمت إيران وإسرائيل أراضي بعضهما بعضا بصورة مباشرة، وخاضت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مشتركة ضد إيران على نحو غير مسبوق. وخسرت إيران مرشدها الأعلى الذي حكم 36 عاما وجزءا كبيرا من بنيتها الدفاعية، فيما وجدت دول الخليج، التي استطاعت زمنا طويلا البقاء بعيدة نسبيا عن ميادين القتال، منشآتها النفطية ومطاراتها وفنادقها تتعرض للهجمات. وجرّ حزب الله لبنان مرة أخرى إلى الحرب، وسقط نظام الأسد في سوريا بعد ما يقرب من نصف قرن من الحكم، فيما دمّرت إسرائيل غزة، واقتربت أكثر من ضم الضفة الغربية، وعادت إلى أجزاء من جنوب لبنان، ووسعت سيطرتها في سوريا إلى ما وراء الجولان.
كل هذه التحولات حقيقية، وكانت كلفتها الإنسانية هائلة. لكن الشرق الأوسط الذي يخرج من هذه العاصفة يشبه، في بنيته العميقة، الشرق الأوسط الذي دخلها. القوى الخارجية تواصل لعبة موازين القوة داخل حدود دول عربية ضعيفة، والصراع الإيراني الإسرائيلي مستمر، والقضية الفلسطينية بلا حل، فيما تفتقر الولايات المتحدة إلى القدرة أو الإرادة اللازمة لفرض نظام إقليمي، من دون أن تكون قادرة في الوقت نفسه على الانسحاب منه.
ويجسد وقف إطلاق النار الذي وقعته إيران والولايات المتحدة في يونيو 2026 فشل إدارة دونالد ترامب في إحداث تغيير جذري في المنطقة. فبعد سلسلة من الضربات التي تلقتها بين 2023 و2025، استعادت طهران قدرتها على فرض نفسها من خلال التحكم في مضيق هرمز وضرب جيرانها الخليجيين. وبقي النظام السياسي الإيراني في جوهره قائما، مع صعود أكبر للحرس الثوري، الذي لا يقل التزاما عن سابقيه بمواجهة إسرائيل والتدخل في الدول العربية الضعيفة. كانت الحرب التي بدأت في فبراير 2026 تهدف إلى تحطيم القوة الإيرانية وربما إسقاط النظام. لكنها منحت الجمهورية الإسلامية، في المحصلة، فرصة جديدة للبقاء.
والأمر نفسه ينطبق على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فعلى الرغم من عامين ونصف العام من القتال ومقتل عشرات الآلاف، ومعظمهم من الفلسطينيين، بقيت القضايا الأساسية على حالها. أُضعفت حماس بشدة، لكن الاستخدام الإسرائيلي الهائل للقوة لم يحل المشكلة السياسية التي يقوم عليها الصراع. ولم يحدث التهجير الكامل للفلسطينيين أو ضم أراضيهم، رغم تأييد بعض المسؤولين الإسرائيليين لذلك. وما دام لا يوجد تسوية سياسية تمنح الفلسطينيين شكلا حقيقيا من تقرير المصير، فإن جوهر الصراع سيبقى قائما.
لا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل قصف المنطقة حتى تصبح أفضل. الشرق الأوسط المختلف حقا يحتاج إلى حكومات مركزية أقوى في العراق ولبنان وسوريا واليمن، تستطيع ضبط حدودها ومنع الجماعات المسلحة من إدارة سياسات خارجية وعسكرية مستقلة. فالدول الضعيفة لا تصنع سلاما مستداما.
ويحتاج هذا التحول أيضا إلى وقف دعم الميليشيات من القوى الإقليمية والخارجية، وفي مقدمتها إيران، وإطلاق مسار دبلوماسي يحظى بدعم دولي وإقليمي واسع لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بما يضمن أمن إسرائيل وحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وقد يحتاج كذلك إلى تحول سياسي حقيقي في إيران يصنعه الإيرانيون أنفسهم، وينتج حكومة تحترم سيادة جيرانها وتتخلى عن حملتها الأيديولوجية ضد إسرائيل.
الحرب الإقليمية التي بدأت عام 2023 لم تقرّب الشرق الأوسط من أي من هذه النتائج. فإيران لا تريد التخلي عن برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي أو السماح بحرية كاملة للملاحة في هرمز، والولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لإرسال قوات إلى إيران، وهو شرط شبه ضروري لأي تغيير للنظام تفرضه قوة خارجية. لذلك، ما لم ينهَر النظام الإيراني بطريقة أخرى ويحل محله نظام مختلف جذريا، فإن سنوات الدم والدمار قد تنتهي إلى قدر كبير من الصخب والغضب من دون تغيير البنية الأساسية للمنطقة. وحتى إذا تحقق وقف أكثر استدامة لإطلاق النار، فقد يكون العد التنازلي للحرب التالية قد بدأ بالفعل.
ما زالت إيران تملك أوراقها
بين هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023 واندلاع الحرب في فبراير 2026، تلقت إيران ضربات جعلتها تبدو كأنها «نمر من ورق». دُمّرت أجزاء واسعة من منشآتها النووية في الضربات الإسرائيلية والأمريكية خلال يونيو 2025، ونفذت إسرائيل عمليات داخل إيران قتلت فيها قادة عسكريين وعلماء نوويين واغتالت إسماعيل هنية في طهران. ثم أدى سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى قطع الممر البري الإيراني نحو لبنان، فيما تعرضت حماس وحزب الله لضربات قاسية. وجاءت الاحتجاجات الإيرانية الواسعة أواخر 2025 لتضيف أزمة داخلية أخرى واجهها النظام بقمع دموي.
ربما دفعت هذه الصورة ترامب إلى الاعتقاد بأن المزيد من الضربات سيقود إلى إسقاط النظام. لكنه أخطأ في الحساب. فإيران خرجت من الجولة الأخيرة وقد استعادت جانبا من مكانتها الإقليمية، رغم استمرار أزماتها الاقتصادية والاجتماعية. وقد منحها صمودها أمام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي واكتشاف قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية أوراقا جديدة.
ولذلك من المرجح أن تتمسك طهران بالخطوط الأساسية لسياستها التي اتبعتها طوال العقود الماضية: معارضة إسرائيل، مقاومة النفوذ الأمريكي، والتدخل في الدول العربية الضعيفة. وستملك أيضا حافزا أقوى للسعي إلى امتلاك سلاح نووي بوصفه الضمانة القصوى ضد هجمات مستقبلية.
ولا تزال شبكة حلفائها قائمة رغم ما أصابها من ضعف. ففي العراق حافظت الأحزاب الشيعية القريبة من إيران والميليشيات التي تدعمها على نفوذ سياسي وعسكري مهم. أما في لبنان، فقد أتاحت الضربات الإسرائيلية لحزب الله فرصة نادرة للدولة لاستعادة بعض سلطتها، وانتُخب جوزيف عون رئيسا مطلع 2025 بعد سنوات من التعطيل. لكن مشاركة حزب الله في الرد الإيراني عام 2026 دفعت إسرائيل إلى اجتياح جديد للجنوب وحملة جوية واسعة، وهو ما أضعف الحكومة اللبنانية التي كانت تحاول تثبيت سلطتها.
وفي اليمن حافظ الحوثيون فترة على هدنة مع السعودية، لكن استمرار ارتباطهم الأيديولوجي والسياسي بطهران يجعل احتمال عودتهم بقوة إلى المواجهة الإقليمية مرتفعا. ومن شأن تسوية سياسية يمنية أن تساعد في استقرار المنطقة، لكن الاتجاه الحالي يشير إلى احتمال انخراطهم مجددا في الحرب.
الخليج تحت النار
بين 2023 و2025 بقيت دول الخليج إلى حد كبير خارج القتال المباشر. ولم تكن معظمها مستاءة من إضعاف حماس وحزب الله، لكنها أصبحت أكثر قلقا مع تصاعد القوة العسكرية الإسرائيلية، خصوصا بعد الضربة الإسرائيلية في قطر في سبتمبر 2025.
كانت أولوية حكومات الخليج خلال السنوات الماضية هي الاستقرار الذي تحتاج إليه لجذب السياحة والاستثمار والتجارة وتنويع اقتصاداتها بعيدا عن الاعتماد على الطاقة. ولهذا أبقت موقفها حذرا خلال الضربات على إيران عام 2025، وضغطت على واشنطن لتجنب حرب واسعة مطلع 2026.
لكن هذا الحذر لم يحمها. فعندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في فبراير، تحمل الخليج جانبا كبيرا من الرد الإيراني. ومع استمرار الهجمات، تغيرت النظرة الخليجية للحرب. في البداية كان هناك غضب من واشنطن لأنها وضعت حلفاءها في مرمى إيران، ثم بدأ بعض النخب الخليجية يميل إلى ضرورة استمرار الحرب حتى تفقد طهران قدرتها على تهديد جيرانها. وفي النهاية شعر الخليجيون بأنهم خُذلوا في الاتجاهين.
تكشف هذه التجربة المعضلة الكلاسيكية التي تعيشها الدول الصغيرة في تحالفاتها مع قوة أكبر. فهي تخشى أن يجرها الحليف إلى حرب لا تريدها، وتخشى في الوقت نفسه أن يتركها وحدها في مواجهة خصم مشترك. ومع ذلك، من غير المرجح أن تبتعد دول الخليج عن الولايات المتحدة. فأنظمة الدفاع الجوي الخليجية تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والتدريب الأمريكيين، ولا يوجد بديل أمني قادر حاليا على الحلول محل واشنطن. الصين لا تريد هذا الدور ولا تملك أدواته العسكرية، وروسيا منحازة إلى إيران ومنشغلة بحربها في أوكرانيا، فيما تفتقر القوى الأوروبية والإقليمية الأخرى إلى القدرة العسكرية الأمريكية.
أما العلاقة مع إسرائيل فقد تغيرت بصورة أكثر وضوحا. لسنوات اقتربت بعض دول الخليج منها باعتبارها شريكا محتملا ضد إيران، وكان احتمال تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية يتقدم. لكن حرب غزة، وضربة قطر، والحرب ضد إيران أوقفت هذا المسار تقريبا. وبات كثير من القادة الخليجيين يشكون في أن إسرائيل تأخذ أمنهم في الاعتبار أصلا.
أحبب جارك
بنهاية 2025 كان من حق إسرائيل أن ترى نفسها منتصرة عسكريا في سلسلة الحروب الإقليمية. لكنها فشلت في تحقيق هدفها الأكبر، إسقاط النظام الإيراني. وأبقى وقف إطلاق النار في يونيو 2026 النظام في السلطة، محتفظة بما يكفي من القوة العسكرية للتأثير في المنطقة، ومن دون التزام واضح بالتخلي عن برنامجها النووي.
حتى عندما انتصرت إسرائيل عسكريا، لم تحاول تحويل انتصاراتها إلى مبادرات سياسية. اختارت لعب دور القوة المزعزعة للنظام الإقليمي، معتمدة على تفوقها العسكري لضمان أمنها إلى أجل غير مسمى. وهذه مغامرة كبيرة، فقد كانت القوة العسكرية الإسرائيلية مثيرة للإعجاب أيضا قبل السابع من أكتوبر.
وفي الملف الفلسطيني، ترفض حكومة بنيامين نتنياهو أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، ما يجعل بناء نظام سياسي لما بعد حماس شبه مستحيل. ولا يزال العنف مستمرا رغم وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، فيما لم تظهر القوة الدولية التي نصت عليها خطة ترامب، ولم يدخل التكنوقراط الفلسطينيون الذين كان يفترض أن يديروا غزة، ولا تزال حماس ترفض نزع سلاحها، وتحتفظ إسرائيل بالسيطرة على معظم القطاع. وهكذا يبدو وقف النار أقرب إلى استراحة بين جولتين منه إلى نهاية للصراع.
وفي الضفة الغربية تواصل إسرائيل إضعاف السلطة الفلسطينية وتوسيع المستوطنات. وترى حكومة نتنياهو أن التوسع الإقليمي وإضعاف المؤسسات الفلسطينية يخدمان أمنها أكثر من بناء نظام فلسطيني قادر على الحكم.
وتنطلق السياسة نفسها تجاه لبنان وسوريا من اعتقاد بأن إسرائيل تصبح أكثر أمنا عندما يكون جيرانها ضعفاء ومنقسمين. لكن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة أن معاهدتي السلام مع مصر والأردن صمدتا لعقود لأن الدولتين تملكان حكومات قادرة على ضبط الحدود وكبح الجماعات المسلحة. لذلك فإن إضعاف الدولة في لبنان وسوريا قد ينتج، على المدى الطويل، بيئة أكثر خطرا على إسرائيل.
ويظل سقوط نظام الأسد أهم تحول جيوسياسي أنتجته الحروب الأخيرة. فقد نقل أحمد الشرع سوريا بعيدا عن التحالف الإيراني، وحصل على دعم الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي والدول العربية، وهو ما قلص قدرة إيران على التأثير في لبنان وتهديد إسرائيل عبر الأراضي السورية. لكن سوريا ما تزال دولة ضعيفة ومجتمعا شديد الانقسام بعد 14 عاما من الحرب الأهلية. وإذا عادت القوى الإقليمية إلى استغلال ضعفها، فقد تضيع فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة.
كلما تغيّر الكثير
آفاق «شرق أوسط جديد» ما تزال محدودة. إيران وإسرائيل، وهما في قلب كثير من صراعات العقود الماضية، لا تزالان قويتين، بل تبدوان أشد تمسكا بخياراتهما. وفي المقابل، تعاني دول عربية عديدة فراغات سياسية تنتج الحروب الأهلية وتجذب التدخلات الخارجية وتسمح للجماعات المسلحة بالنمو.
إدارة ترامب لا تريد إعادة تجربة بناء الدول التي فشلت فيها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، لكنها تدرك أن الاستقرار الإقليمي يحتاج إلى دول عربية أقوى. لذلك رفعت العقوبات عن سوريا، واحتضنت حكومتها الجديدة، وسلمت قاعدة التنف إلى الجيش السوري، وحاول دبلوماسيوها خفض التوتر بين سوريا وإسرائيل ودعم الدولة اللبنانية في مواجهة حزب الله.
أما التعامل مع إيران فسيحدد ما إذا كانت حرب 2026 مجرد جولة أخرى في صراع ممتد أم بداية مسار مختلف. ويتطلب الاستقرار استمرار الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، من الأسطول الخامس في البحرين وقاعدة العديد في قطر إلى القوات في الكويت والوصول إلى قواعد في الإمارات. فهذا الوجود يردع إيران ويمنح دول الخليج قدرا من الثقة بأن واشنطن لن تتركها وحدها.
لكن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى تفاهم سياسي قابل للاستمرار مع طهران. وقد أشار وزير الخارجية العُماني السيد بدر البوسعيدي إلى أن دبلوماسيين إيرانيين طرحوا قبيل الحرب اتفاقا تتعهد بموجبه إيران بعدم تكديس اليورانيوم المخصب. وربما تبدو الصفقة أصعب اليوم، بعدما خرجت طهران من الحرب في موقع أقوى، لكن حاجة إيران إلى رفع العقوبات تجعل استئناف المفاوضات النووية ممكنا وضروريا. فقد أثبت خيار تغيير النظام بالحرب فشله.
وعلى واشنطن كذلك أن تقود جهدا دوليا يضم الصين والهند وبريطانيا ودولا أوروبية وخليجية وآسيوية لوضع إطار لإدارة مضيق هرمز، مستفيدة من تجارب قناة السويس والمضائق التركية ومضيق ملقا. الاقتصاد العالمي يعتمد على المرور الآمن والمفتوح عبر هرمز، ومن مصلحة معظم القوى الدولية أن يبقى المضيق مفتوحا ومن دون رسوم دائمة.
غير أن السياسة الأكثر قدرة على تغيير المنطقة ستكون مواجهة القضية الفلسطينية نفسها. فقد أثبت هجوم السابع من أكتوبر مرة أخرى أن استمرار حرمان الفلسطينيين من تقرير المصير قادر على تفجير الشرق الأوسط كله. والاستقرار الحقيقي يتطلب الجمع بين الأمن الإسرائيلي والحق الفلسطيني في تقرير المصير.
لم تكن أي إدارة أمريكية مستعدة حتى الآن لاستخدام ما تملكه من نفوذ على إسرائيل لفرض الشروط التي تجعل تسوية سياسية ممكنة. ومن دون هذا الاستعداد ستظل فكرة الاستقرار الطويل الأمد وهما. فاللاعبون الأساسيون ما زالوا كما كانوا: إيران أكثر جرأة ولديها حسابات تريد تصفيتها، ووكلاؤها تلقوا ضربات لكنهم لم يختفوا، وإسرائيل اختارت التعايش مع حالة حرب شبه دائمة بدلا من تقديم تنازلات سياسية.
وهكذا، رغم كل ما تغير خلال السنوات الثلاث الماضية، تبدو خشبة المسرح جاهزة للحريق المقبل.
ف. جريجوري جوس الثالث هو أستاذ فخري في كلية بوش للإدارة والخدمة العامة بجامعة تكساس إيه آند إم، وزميل مشارك في معهد الشرق الأوسط.
عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»