أعمدة

أدب المراسلات والنهايات المأساوية.. كاواباتا وميشيما أنموذجا

مُنذ أن قرأت وصية الكاتب الياباني يوكيو ميشيما (1925 ــ 1970) إلى معلمه ياسوناري كاواباتا (1899 ــ 1972) الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1968، والتي تضمنتها رسالته الطويلة المؤرخة بيوم 4 أغسطس 1969: «إن ما أخشاه ليس الموت، وإنما شرف عائلتي بعد موتي»؛ وأنا أتساءل عن سطوة الأبناء على الآباء، والعلاقة الأبوية التي يحملها الروائي ميشيما تجاه أبنائه. فإذا كان يهمه أمر الأبناء فلماذا أقدم على الانتحار؟ وإن كان فوز كاواباتا بجائزة نوبل قد أثر على ميشيما إلى درجة أنه لم يقدم لمعلمه تهنئة على الفوز بالجائزة رغم أن ميشيما هو من كتب إلى لجنة نوبل أحقية كاواباتا بالجائزة فلماذا عهد إليه بالوصية، واستمر في مراسلته إلى الفترة التي سبقت الانتحار بعدة أشهر؟كتب ميشيما في رسالته الموجهة إلى كاواباتا: «إن أصابني مكروه في أي وقت فإنني أظن أن الناس سيستغلون ذلك ليكشروا عن أنيابهم، ويلاحقوا أوهى أخطائي، ويمزقوا سمعتي. سيان عندي أن يسخروا مني في حياتي، ولكن ما يبدو لي غير محتمل هو فكرة أنهم قد يسخرون من أطفالي بعد موتي. إنني واثق أنك الوحيد الذي يمكنه أن يحميهم من ذلك، وأفوضك بهذا الأمر كلياً في المستقبل» (المراسلات، كاواباتا وميشيما، 2017). قرأ كاواباتا هذا المقطع في جنازة مشيما سنة 1970، لكن كاواباتا لحق بتلميذه بعد سنتين وبنفس طريقة الموت، ليترك تساؤلا حول مسؤولية الموصى إليه، وتخليه عن تنفيذ الوصية.

في كتاب «المراسلات، كاواباتا وميشيما، ترجمة معن عاقل، دار أثر،2017» الذي يُعد من أهم أدب المراسلات، تتوزع (94) رسالة متبادلة من الكاتبين لمدة خمسة وعشرين عاما. ورغم فارق السن بين الكاتبين ــ ربع قرن ــ، إلا أن نشوء الصداقة الأدبية بينهما توطدت أكثر بالرغم من أن ميشيما كان يكتب رسائله في البداية باسم مستعار (هيراوكا كيميتاكي)، ولم يوقع باسمه الحقيقي إلا بعد الاحتلال الأمريكي لليابان.

تجلى عمق الصداقة بين أشهر كاتبين يابانيين في رسالة التزكية التي بعثها ميشيما للجنة جائزة نوبل عام 1961: «إنه ليشرفني أن أوصي بكاتب يحمل حقيقة المميزات المطلوبة لجائزة نوبل للأدب أكثر من الكتاب اليابانيين الآخرين».

تكشف الرسائل عن طموح الشاب ميشيما المتحمس والساعي إلى الإعلان عن اسمه في الوسط الأدبي؛ حيث أظهر موهبة أدبية أشاده بها معلمه، ثم تطورت العلاقة إلى تبادل وجهات نظر حول الثقافة والأدب في اليابان.

تظهر الرسائل أيضا اهتمام كاواباتا بترجمة الأدب الياباني إلى اللغات الأجنبية، بعد تنامي رغبة الأوساط الأدبية الغربية والأمريكية على وجه التحديد بالتعرف على الحياة الثقافية اليابانية؛ ولذلك يشجع كاواباتا ميشيما على السفر إلى الغرب والتعريف بالأدب الياباني بعد الحرب العالمية الثانية التي تركت آثارها في نفوس الكتّاب والمثقفين. وقد استمرت المراسلات بينهما رغم سفر كاواباتا إلى أمريكا اللاتينية، وقد أُعجب باللغة البرتغالية في البرازيل قائلا: «سحرتني عدم مبالاة البرازيليين منذ وصولي إلى أمريكا الجنوبية. لم أر قط أناساً أكثر بساطة منهم. الأمر ذاته ينطبق على اللغة؛ فالبرتغالية تتضمن الكثير من الحروف الصوتية، وتُلفظ تقريبا مثل اليابانية، وحين يتحدث بها مواطنونا ترن بشكل طبيعي».

نُشرت هذه الرسائل في مجلة (التيار الجديد) الأدبية عام 1997 تحت عنوان «ميشيما يوكيو كان يخطط لكل شيء»، وقد أشار إليها المترجم السوري محمد عضيمة (1954) في مقاله المنشور في مجلة نزوى عدد (أبريل 1999).

نأمل أن تنشر العديد من الرسائل المتبادلة بين الكتاب العرب، وفي مقدمتها رسائل الكاتبة السورية غادة السمان (1942) إلى الكاتب والروائي الفلسطيني غسان كنفاني (1936-1972)، وقد نشرت غادة رسائل غسان إليها في كتاب صدر في العام 1992.

محمد الشحري كاتب وروائي عُماني