أمكنة بدر الشيدي في كتابه «قهقهة على الرصيف»
الاثنين / 9 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 18:55 - الاثنين 21 سبتمبر 2026 18:55
للوهلة الأولى يبدو كتاب (قهقهة على الرصيف: ما تيسر من سيرة التطواف والسكون) لبدر الشيدي الصادر عن الجمعية العمانية للكُتّاب والأدباء، والآن ناشرون وموزعون عام 2024م أنه كتابُ رحلاتٍ، أو سيرةٌ ذاتيةٌ على عادة المثقفين الذين تسرقهم اللحظة محاولين توثيقها، لا سيما إذا كان حال المثقف التنقّل بين المدن سائراً بين طرقاتها ومقاهيها.
لكنّ يمكننا تصنيف الكتاب في موضوعه على أنه مقالات تُبصرُ الحياة فتحاول أن تلوّن ذاتها، أو هو رحلةُ حرفٍ يتمسّك بجماليات المكان نابشاً في ذاكرته الغابرة، فلك أن تصنّفه إذن في أدب الرحلة، أو السيرة أو تأملات في الحياة وقراءة فيها.
يطوف بنا بدر الشيدي في أول مقالتين في الكتاب متأمّلاً في فلسفة الحياة فيكتب عن «سحر البداية»، وعن «تفاصيل متناهية في الصغر» بلغة تحاول اكتشاف العالم. فيعرّج على البدايات كونها أولى الطرق التي نسلكها وتلتصق بنا مردّدا مقولات تجسّد رؤيته العميقة للأشياء. ثم ينتقل إلى موضوع آخر يفتتحه بسؤال رمزي معبّراً من خلاله عن فلسفة الأشياء داخلنا: «ما الذي تحدثه أو توحي لنا به الأشياء الصغيرة أو المتناهية الصغر؟ في مشوارنا اليومي نعبر من أمام أشياء كثيرة دون أن نعيرها اهتماماً أو نلتفت إليها ونتجاهلها، ولا نهتم أصلاً بالتفاصيل ولا بالأشياء الدقيقة؛ فقط لأنها قد لا تشكل شيئاً مهماً، مثلها مثل تلك المصادفات الغريبة التي قد لا تخلو حياتنا منها، نتركها ملقاة لا نعيرها أي اهتمام ولا نفكّر فيها؛ ربما لعدم أهميتها، أو لقلة حجم تأثيرها فينا». (ص16) هكذا يعبّر الشيدي عن الأشياء الصغيرة متناولاً إياها في نقاش سريع داخل مقالته. وإذا كان الشيدي قد تناول الحياة في فلسفتها البسيطة المرتبطة بالإنسان الذي هو فاعل في تحريك الأشياء وإيقافها فإنه ينطلق في مقالاته اللاحقة في التعبير عن أنّ للمكان فلسفة وذاكرة، فنجده يتناول الشوارع والأرصفة؛ كونها أمكنة تزيد من علاقاتها مع الإنسان، وترتبط بثقافته وسلوكه البشري، كما نجده يُوجد ارتباطاً بين المكان والألفة، ويعود بالذاكرة إلى أمكنة مختلفة لها رسوخ في الكتابة الثقافية؛ فالحمرية ومراكش مثلاً أمكنة خصبة للفعل الثقافي، والارتباط الإنساني، والذاكرة، والغياب، والحنين.
في نص (قهقهة على الرصيف) ينطلق بنا الشيدي في فضاءات الأرصفة والشوارع محمّلاً بأسئلة عميقة عن هذه الفضاءات: «هل خطر ببالنا أن نفكر بتلك الأشياء الكثيرة التي تحيط بنا وتشاركنا فضاءات هذا الكون؟ وما مدى تأثيرها فينا؟ وبماذا توحي؟ يقودك ذلك إلى إدراك أن للأشياء معاني عميقة وظلالاً قد لا نحتاج إلا إلى صفاء واختلاج مع النفس لكي ندرك معانيها، ونفهم مغزاها وفلسفتها. أشياء كثيرة تحوم حولنا صغير حجمها أو كبير، جماد أو نبات، أو حيوان، كلها مهما اختلفت وتعددت لها وظائف تقوم بها وتؤديها. نتكلم هنا عن الشوارع التي توحي لنا بأن لها هي الأخرى حيوات وعوالم، ولها لغة خاصة تستطيع من خلالها التواصل والبوح بها، ولها كذلك ذاكرتها كالبشر تخفي بداخلها الكثير من التفاصيل، وللشوارع أحاسيس تنعكس على مرتاديها، فأنا عندما أكون في الشارع أشعر وكأني طليق لا يحدني شيء، لا يهمني الضجيج ولا أكترث له، تمنحني الشوارع التوازن فأستعيد السلام الروحي والسكينة تحضر الشوارع فينا، وتنعكس على نفوسنا، نمنحها أسماءنا نحن البشر، وتمنحنا ألقها وسحرها الشوارع حكايات لا تنتهي، نعرفها جيداً ونحفظ أسماءها، تسكن فينا ونسكن فيها». (ص20)
تحمل هذه الافتتاحية القارئ إلى عوالم التيه، والفضاءات الممتدة بين المدن والقرى بين الحرّية والاغتراب، بين الماضي والحاضر؛ لذا فهو يطوف بنا شوارع الذاكرة متنقّلاً بين عُمان والمغرب مستعيداً أسماء ثقافية ارتبطت بهذا العالم كـ(مبارك العامري، والكاتب المغربي عبد الله الدامون)، هنا تنفتح خارطة التأويل على المزج بين الأسماء المثقفة وبين الشوارع في ارتباط يُعلي من قيمة الاثنين في ذاكرة الشيدي، وهنا تتشكّل شوارع مهمّة مقترنة بالمشهد الثقافي كشارع علال الفاسي الذي يفصل حي الداوديات وحي آسيف، أو شارع الفراهيدي في رويّ مذكّراً في حركته وأهميته برواية (شارع الفراهيدي) لمبارك العامري، وشارع محمد الخامس في المغرب، وشارع إبليس في الرياض الذي سرد حكايته بطريقة طريفة، وشارع فال ولد عمير في أكدال بالمغرب.
ترتبط الشوارع في ذاكرة الشيدي بالأسماء والأحياء السكنية التي مرَّ عليها سنوات الدراسة الطويلة، وربما لتنقّله المستمر ماشياً استطاعت ذاكرته الإلمام بحوادثها وصور مبانيها وشخوص ذاكرتها. لمبارك العامري تحديداً حضورٌ كبيرٌ في أمكنة بدر الشيدي، ليس في الأمكنة فحسب، بل في ذاكرته الثقافية أيضاً، فنجد العامري واحداً من شخوص الشيدي في الكتاب، يستحضر رويّ والحمرية ومسقط فيستحضر مبارك العامري، ويتحدّث عن المغرب وأمكنتها فنجد مبارك العامري حاضراً أيضا، ويتحدّث عن ترحال زاهر الغافري فيبرز مبارك العامري واضحاً وجلياً في المكان، وكأنَّ مبارك العامري ظلٌّ للمكان، وصورة دافئة تربط بين ذاكرة الشعر وخيال المكان.
وكما برز مبارك العامري في ذاكرة الشيدي فإن لزاهر الغافري حضوراً يذكّر الشيدي بالمغرب، وكأنّ الشاعر يجد في ذاكرة المغرب جمال حضور زاهر الغافري. ترتبط الشوارع المغربية في ذاكرة الشيدي بزاهر الغافري، يقول عنه: «نتساءل فيما بيننا نحن الطلبة، عن هوية ذاك الشخص الصامت المنعزل الذي ينسل إلى مبنى السفارة في الدخول والخروج، بكل هدوء وثقة يحمل تلك الحقيبة الصغيرة التي لا تفارقه. رأيته مرة أخرى في شارع فال ولد عمير بأكدال بتلك الحقيبة، ومرات عدة رأيته في شارع محمد الخامس في الرباط المدينة. كثير من المرات ذهبت إلى مكتبه في الملحقية، لكني لم ألتقه، وطول تلك الفترة لم يسعفني الحظ بلقائه». (ص140)
وكما حضر مبارك العامري وزاهر الغافري في ذاكرة الشيدي المكانية، فإنّ لسيف الرحبي أيضاً حضوراً مهماً يسترجع معه ذكريات الأمكنة المختلفة؛ إذ يحاول الشيدي المزج بين المكان والشخصية التي يرى فيها حضوراً كبيراً يخدم نصه الكتابي أو ذاكرته الممتدة أو حنينه المستمر إلى المكان.
إنّ سيف الرحبي ومبارك العامري وزاهر الغافري ذاكرة متشكّلة في ذاكرة أهمّ، هي الذاكرة المكانية، فكلما حاول الكاتب اللجوء إلى المكان والاحتماء بذاكرته وهويته، تتداخل الشخصية معبّرة عن هذا الامتزاج، ومُشكّلة تعبيراً ثقافياً لحظة الكتابة الإبداعية: الشعراء والمكان وجهان لثقافة واحدة هكذا أراد الشيدي في استحضاره للمكان وهويته، فالمقاهي مكان الفكرة، والأرصفة دروب الرحيل والذكريات، والشقق ذاكرة اللقاء الطويل.
في حضور الأمكنة عند بدر الشيدي نجد أنه قد اهتمَّ بالوصف أكثر من امتزاج المكان بالخيال فجاء الوصف مباشراً يقوم بمهمة توثيقية، لكنَّ العاطفة كانت أقوى؛ إذ جاءت معبّرة على فقد عميق تشكّل مع الغياب: غياب الألفة، وغياب الأصدقاء. كذلك نجد أنّ الشيدي قد نوّع في نبش الذاكرة المكانية، لكنه في أحايين كثيرة نجده يستطرد في الحديث فيخرج من موضوعه الرئيس إلى موضوعات هامشية، وهو ما جعل السرد يتوسّع مبتعداً عن الذاكرة والمكان اللذين يقف عليهما الكاتب، وهنا نجده يوثّق استطراداته بكثير من الحكايات والأخبار متنقّلاً بينها وبين فكرته الأولى.
إنّ الذاكرة لتفيض بالأمكنة، فيشتغل الشيدي على رسم ملامحها، وهويتها المكانية مادّاً جسور البُعد لحظة الكتابة، فمن أيام الدراسة الأولى إلى السنوات الأخيرة لحظة الحنين والتأمل للقادم من البعيد. إنها سنوات شكّلت لحظة جغرافية عند السرد والكتابة، لكنها تبقى لحظات ملأى بالرغبة إلى العودة والكتابة والهتاف بصوت عالٍ لعلّها تستعيد ذاكرة الشاب الذي وضع قدمه على رصيف ثم قهقه راحلا.
خالد المعمري كاتب عُماني