حروب الوعي الرقمية
الاحد / 8 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:47 - الاحد 20 سبتمبر 2026 20:47
الحقيقة المشاهدة والمعيشة في السنوات الأخيرة هي التحول الكبير، وربما الجذري، في مفهوم القوة وأدوات السيطرة.
فلم تعد الجيوش والترسانات العسكرية التقليدية وحدها الكفيلة بحسم المعارك أو صياغة الرأي العام؛ وحتى الأسلحة التقليدية أصبحت من الماضي الآن بعد ظهور المسيّرات والتفجيرات عن بُعد.
لقد انتقل العالم بشكل متسارع نحو ما يُعرف بـ«حروب الجيل الخامس»، وهي حروب لا تُستخدم فيها الرصاصة أو الصاروخ، بل الكلمة والمعلومة الموجهة والصورة المضللة بهدف احتلال العقول وتوجيه المجتمعات عن بُعد، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحات حرب مفتوحة، حيث استغلت دولٌ عديدة هذه الفضاءات الرقمية لإنشاء ما بات يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني»، وهي جيوش وهمية أو حسابات موجهة بدقة تهدف إلى اغتيال الشخصيات معنويًّا، أو تزييف الوعي الجمعي، أو تمرير أجندات سياسية محددة، تحت غطاء الرأي العام العفوي.ونحن في سلطنة عُمان لم نكن بعيدين عن استهداف مثل هذه الحسابات؛ إذ عانت بلادُنا مرارًا من حملات ممنهجة وهجمات شرسة شنّها هذا «الذباب الإلكتروني» الموجّه، والتي حاولت عبثًا استهداف الداخل العُماني أو التشويه والضغط على مسار سياستنا المتوازنة. وهذا الاستهداف ضريبة واضحة لسياسة عُمان الخارجية المستقلة، وتمسكها الراسخ بالسلام بعيدًا عن سياسة المحاور؛ وهذا بدوره يثبت حاجتنا القصوى إلى أهمية تعزيز الأمن السيبراني الفكري كحائط صد رئيسي لحماية المجتمع من الاختراق والتلاعب الخارجي، (وهذا يحتاج إلى مقال آخر مستقل).
مسألة الاختراق قديمة وليست بالأمر المستجد، وكانت بعض الدول تستغل الوسائل المتوفرة لتمرير أجنداتها ورسائلها، مثل الصحافة والسينما والمسلسلات وغيرها، فيما استغلت دولٌ أخرى ساحات أخرى مثل منابر المساجد ممّا أدى إلى التأثير على جيل كامل من الشباب المسلم، ولكن بما أنّ القفزة الكبيرة في مجال الاتصالات تغيّرت، فكان لا بد من تغيير هذه الوسائل.
وإذا كانت دولة عظمى مثل أمريكا استطاعت أن تصل إلى قلوب الناس وعقولهم عبر قوتها الناعمة التي تمثلت في أفلامها ومسلسلاتها، فإنها غيّرت من تلك الوسائل واتجهت إلى استغلال الوسائل الحديثة، فاستعانت سرًا - على ما يبدو - بعدد من المؤثرين والنشطاء الكبار على شبكات التواصل الاجتماعي للتأثير في الرأي العام الأمريكي، وربما الرأي العام العالمي أيضًا؛ حيث تبيّن أنها عيّنت عددًا منهم سرًا في وظائف غير معلومة التفاصيل حتى الآن. كشف عن هذه التعينات تقريرٌ نشرتْه جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، إذ عيّنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بشكل سري عسكريين متقاعدين محافظين من المؤثرين الذين يتابعهم مئات الآلاف على منصات التواصل الاجتماعي في وظائف حكومية مدنية من دون الكشف عن طبيعة مهامهم.
وهؤلاء المؤثرون واصلوا من خلف الشاشات ترويج سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب والدفاع المستميت عن آراء وزير الدفاع بيت هيغسيث، مستهدفين منتقديهم بضراوة.
خبرٌ كهذا يمثل ما يمكن أن نسميه «عسكرة مقنعة» لشبكات التواصل الاجتماعي في أمريكا، ممّا يؤكد أنّ الولايات المتحدة التي تظهر في المحافل الدولية مروجة لنفسها كـ«واحة للديمقراطية» وحامية لحرية الصحافة والتدفق الحر للمعلومات، تنزلق مؤسساتُها خلف الكواليس لتبني ذات الأساليب الملتوية والتضليلية التي طالما انتقدتها لدى دول أخرى.
وحين يستعين البنتاجون بأصوات رقمية يراها الجمهور «مستقلة» و«شخصية» لتمرير «بروباغندا» سياسية وعسكرية، فإننا نكون أمام عملية غسيل ممنهجة للدعاية الحكومية.
والأكثر إثارة هو ربط هؤلاء المؤثرين بمكتب «شؤون الأفراد والجاهزية»، وهو المركز المسؤول اليوم عما يُعرف بـ«الحروب الثقافية» داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.
إذن فالولايات المتحدة لا تختلف كثيرًا عن أيِّ دولة من دول ما يسمى بالعالم الثالث؛ فلجوؤها إلى مثل هذه الأساليب، مستغلةً ثغرات قانونية وتسميات وظيفية مبهمة مثل «خبراء ذوي مؤهلات عالية» للتهرب من رقابة الكونجرس والشفافية، يؤكد أنّ أدوات «الحرب النفسية الرقمية» التي كانت تُصمم لمواجهة الأعداء الخارجيين باتت تُطبق اليوم داخليًّا ضد المواطن والعسكري الأمريكي على حد سواء.
إنها مرحلة جديدة وخطيرة من مراحل التلاعب بالوعي، تثبت أنّ الجيوش الإلكترونية والمؤثرين الموجهين أصبحوا السلاح المفضّل لحكومات العالم الكبرى لإعادة صياغة الولاءات وضمان التبعية المطلقة للخط السياسي السائد، ممّا يجعل معركة الوعي القادمة هي المعركة الحقيقية لكلّ مجتمع يسعى للحفاظ على استقلاله وسيادته. إنّ الهيمنة الرقمية الغربية اليوم تتبدى بوضوح في هندسة الرأي العام العالمي؛ حيث تُسخّر واشنطن وحلفاؤها خوارزميات هذه الشبكات لفرض رواياتها السياسية وتبرير مواقفها الدولية. ولم يكن الكيان الإسرائيلي بعيدًا عن تلك التطورات والتحولات، إذ برز كأحد أكبر المستفيدين والممارسين لهذا الاستغلال في منطقتنا؛ ووظّف لسنواتٍ، شبكات من العلاقات العامة الرقمية الممنهجة وضخّ ميزانيات ضخمة لما يُعرف بـ«الهسبارا» (الدبلوماسية العامة والدعاية) لتوجيه الرأي العام العالمي، والترويج لروايته وتبرير انتهاكاته وممارساته في الأراضي المحتلة، ناهيك عن استخدام الفضاء الرقمي وسيلةً للرصد الأمني والتجسس.
واستغلت إسرائيل شبكات المؤثرين الرقميين ووسائل التواصل الاجتماعي كأداة مركزية ضمن حملات نفوذ واسعة ومموّلة لتشكيل الرأي العام الأميركي واستعادة الدعم الشعبي المتراجع، وتمثّل ذلك في تمويل شبكات المؤثرين (مشروع إستير)، حيث أظهرت وثائق رسمية مقدمة لوزارة العدل الأمريكية أنّ الحكومة الإسرائيلية موّلت وأدارت حملات عبر شركة العلاقات العامة، واستقطبت مؤثرين أميركيين بمبالغ مالية مباشرة وصلت إلى نحو 7.000 دولار للمنشور الواحد للترويج لروايات معيّنة ومحاولة تحسين الصورة العامة لإسرائيل.
وترافقت حملة المؤثرين مع ضخ ملايين الرسائل النصية المكتوبة والمصاغة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي استهدفت هواتف المواطنين الأمريكيين مباشرة لتوجيه المزاج العام والحد من النظرة السلبية المتزايدة تجاه سياساتها.
ولكن ما أعجب له هو أن يتطوع بعض العرب والمسلمين الذين يعتلون المنابر للترويج للدعاية الصهيونية حول غزة، مما يطرح سؤالًا مهمًّا، هل مثل هؤلاء ممولون من قبل إسرائيل؟!
تكمن خطورة هذه التطورات من حروب الوعي في أنها تستهدف الأجيال الشابة التي تأثرت بالصور والوقائع الميدانية في المعارك خاصةً في غزة، وهذا يدل على أهمية وسائل التواصل هذه ومدى قدرتها على تشكيل الوعي العام والجمعي.
ويمكن القول إنّ حروب الوعي الإلكترونية هذه قد نقلت المعارك من الميدان الجغرافي إلى شاشات الهواتف، لتصبح الضحية الأكبر هي الحقيقة، والمستهدف الأول هو العقل البشري.
إنّ الاستسلام والقبول برواية هذه الخوارزميات الموجهة هو تنازل طوعي عن التفكير الحر، ورهان خاسر في عالم لا يعترف إلا بالقوة؛ فالسيادة الوطنية تقتضي حماية الهوية وبناء فضاء رقمي مستقل يعبّر عن واقعنا وقضايانا.
وفي هذا الفضاء الافتراضي تظل القاعدة الذهبية ثابتة، إما أن تصنع وعيك بنفسك، أو أنه سيُصنع لك وعيٌ مزيّف لتكون مجرد سلاح في يد الآخرين دون أن تدري.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.