مارد الذكاء الاصطناعي يتمرد على صُنّاعه
الاحد / 8 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:47 - الاحد 20 سبتمبر 2026 20:47
ما زالت فكرة نهاية العالم تراود البشر كلما احتدمت الصراعات وتعذرت تأويلاتها.
فمنذ ملحمة جلجامش، يتبدى الطوفان حدثًا كونيًا يمحو العالم القديم تمهيدًا لولادة عالم جديد؛ هذه التصورات عن نهاية العالم لم تكن مجرد معتقدات دينية تسلم الإنسان إلى ترقب الفناء تمثلا لإنسان أفضل فكرا وسلوكا سعيا لتجليات مثلى بعد الفناء، بل هي سرديات اجتماعية وثقافية منحت الإنسان تفسيرًا للكوارث الكبرى والصراعات المعقدة والحروب المستعرة مقدمة إطارًا أخلاقيًا لفهم العلاقة بين الخير والشر تحضيرا وتهيئة للتعامل مع القلق الوجودي المرتبط بالموت والزوال، ولكل نوع من المجتمعات خطره الأكبر؛ من الطوفان في المجتمعات الزراعية، والحرب الشاملة في المجتمعات الإمبراطورية إلى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح رمزًا لمخاوف المجتمع الرقمي في الواقع المعاصر خشية خروج التكنولوجيا التي صنعها الإنسان عن نطاق سيطرته لتتحول من أداة لخدمته إلى مصدر تهديد لا لمستقبله وحسب، بل مستقبل الحضارة الإنسانية كلها.
ولما كانت هذه المخاوف تصدر عن العامة ممن لا يملكون تأويلات أفضل لتساؤلاتهم أو قدرة على التأقلم مع متغيرات الوقت كان من اليسير تجاوزها، أما ما تحاول هذه المقالة مناقشته فهي المخاوف والتحذيرات التي تصدر عن أرباب الذكاء الاصطناعي نفسه بعد انشغالهم أمدا بتأسيس وعي عالمي لتسويق التفاؤل تسريعا لوتيرة العمل على توليد تطبيقات مستحدثة ووكلاء رقميين متخصصين في شتى المجالات، وها هي الأيام الماضية تشغل العالم بما آل إليه خبيران في هذا المجال هما البريطاني «جاكوب كوكسون» الموظف السابق في شركتَي أنثروبيك وأوبن إيه آي وزميله الأمريكي «إيفان هوبينجر» مسؤول سلامة الذكاء الاصطناعي في أنثروبيك.
بين استقالة الأول متهما الشركتين بالمضي في سباق خطير دون مسؤولية لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة قادرة على تطوير نفسها ذاتيا ليرسل صرخة مفادها «إنهم يقامرون بحياتنا»، وتأكيد الثاني احتمال قدرة الذكاء الاصطناعي على قتل جميع البشر خلال العقد المقبل مرسلا صرخة أخرى مفادها «لا نملك خطة حتى الآن لحل مشكلة المواءمة مع الذكاء الاصطناعي الفائق» كل ذلك مع كشف شركة أنثروبيك عن حالات لمحاولة استغلال نموذج كلود لتنفيذ عمليات سيبرانية وأعمال مرتبطة بالأسلحة والأبحاث البيولوجية، وصولا لتحذيرات الرئيس التنفيذي للشركة «داريو أمودي» ودعوته لإبطاء وتيرة تطوير النماذج المتقدمة لمنح أنظمة السلامة والتقييم وقتا كافيا للحاق بقدرات النماذج الجديدة مرسلا صرخته كذلك «أبطئوا التطوير حتى تدرك السلامة القدرات التقنية».
وسط كل هذه التحذيرات الصادمة من رواد الذكاء الاصطناعي نفسه لا نملك إلا استعادة مخاوف نهاية العالم مرتبطة بالتسلح الذكي، حيث قد لا يأتي الخطر من الذكاء الاصطناعي ذاته، بل من استخدامه داخل أنظمة الأسلحة والاستهداف السيبراني والمراقبة الشاملة بأشكال يصبح معها الذكاء الاصطناعي مضاعفًا لقدرات الصراع البشري تمامًا كما ضاعف السلاح النووي من القدرة التدميرية للجيوش، وفقدان السيطرة؛ إذ أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تحسين نفسها بصورة متكررة وسريعة وصولا لمرحلة عدم قدرة الإنسان على فهم كيفية اتخاذها للقرارات أو التدخل في عملها.
وهنا لا تكمن الخطورة في «العداء» للإنسان، بل في اللامبالاة تجاهه، وفقد السيطرة على البنية التحتية للحضارة مما دفع «داريو أمودي» للتحذير من سيناريوهات قد يصبح فيها الوكلاء الأذكياء رقميا قادرين على تنفيذ عمليات واسعة النطاق عبر الإنترنت إذا لم تتطور إجراءات السلامة بالسرعة الكافية.
ومع اعتماد العالم المتزايد على الأنظمة الرقمية في الطاقة والمال، والاتصالات والنقل، فإن أي خلل واسع النطاق قد يمتد تأثيره إلى البنية الأساسية للحياة الحديثة.
ختاما: كما جسدت أساطير الطوفان والقيامة خوف الإنسان القديم من قوى الطبيعة والغيب، فإن الجدل الحالي حول الذكاء الاصطناعي يجسد خوف الإنسان المعاصر من قواه الخاصة.
التحول في الانتقال من نهاية العالم بفعل قوى خارقة خارجية إلى نهاية العالم بفعل الخوارزميات والأدوات التي أنتجتها الحضارة نفسها يعكس تحولًا عميقًا في الوعي البشري، وقراءة التاريخ تعلمنا أن أعظم الابتكارات البشرية كانت دائمًا مصدرًا للأمل والخوف معًا، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنهاء العالم خلال سنوات، بل ما إذا كانت البشرية قادرة على تطوير الحكمة الأخلاقية والسياسية التي تجعل قوتها التقنية في خدمة مستقبلها لا في تقويضه؟ وما نعول عليه لضمان أمان المستقبل ليس في ذكاء الآلة، بل في نضج الإنسان الذي يديرها ويوجهها.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية