أثر حرب إيران لا يقتصر على سوق النفط
الاحد / 8 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:39 - الاحد 20 سبتمبر 2026 20:39
ترجمة قاسم مكي
كثيرا ما تُقَاس الآثار الاقتصادية لحرب الولايات المتحدة مع إيران بما أسمته وكالة الطاقة الدولية أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمية؛ فالخسائر التراكمية تجاوزت 1.3 بليون برميل حتى شهر يونيو.
وفي هذا الربيع استوجب ذلك ضخ ما يزيد عن ضعف ما كانت الوكالة قد أمرت بسحبه من الاحتياطي النفطي العالمي الخاص بالطوارئ بعد اندلاع حرب أوكرانيا في 2022. وقفزت أسعار البنزين والديزل بعد الهجمات التي تعرض لها خط أنابيب سعودي رئيسي قبل أيام.
لكن تداعيات الحرب تتخطى ذلك بقدر كبير؛ فقد تسببت في أزمة سلعٍ عميقة بأسواق عديدة لا توجد لدى معظمها احتياطيات تعتمد عليها.
لننظر في الهجوم على منشأة «رأس لفان» لتسييل الغاز الطبيعي بدولة قطر في مارس؛ فبعد تعطيل الصواريخ الإيرانية قاطرتين لإنتاج الغاز المسال توقعت شركة «قطر للطاقة» هبوط صادرات المكثفات بنسبة 24% والهيليوم بنسبة 14% والغاز البترولي المسال بنسبة 13% والنافتا والكبريت بنسبة 6%.
كل ذلك بالإضافة إلى تراجع القدرة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال بنسبة 17%. وهو الحدث الذي احتل عناوين الأخبار.
فضربة واحدة على منشأة واحدة أحدثت اضطرابا متزامنا في ستة أسواق سلع عالمية. إلى ذلك، يحتاج إصلاح الضرر الذي ترتب عنها إلى ما بين ثلاث وخمس سنوات. وقدّر وزير الطاقة القطري خسارة الإيرادات السنوية بحوالي 20 بليون دولار.
هذا ما تبدو عليه أزمة السلع المتعددة وما يفسر عدم كفاية الأدوات المعتادة لإدارة صدمة الطاقة.
لقد خفَّض البنك الدولي توقعات النمو لعام 2026 إلى أدنى مستوى منذ جائحة كوفيد مع وقوع الضرر الأكبر على البلدان النامية. ورفع تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يوليو توقعاتِه لمعدل التضخم العالمي إلى 4.7% لهذا العام بعد تجدد هجمات الولايات المتحدة على إيران.
في الأثناء ظلت أسعار الغاز الطبيعي منخفضة في الولايات المتحدة.
ذلك معقول بالنسبة لأكبر منتج في العالم؛ لكنه يعزز التصوّر بأن الوضع طبيعي تقريبا. تلك ليست هي الحال والبلدان تتعامل مع الصدمة بطرائق ستكون لها عواقب طويلة الأمد.
قلَّص إغلاق مضيق هرمز وقصف رأس لفان حوالي 20% من الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال. وبعكس النفط لا يمكن نقل الغاز المسال عبر خطوط الأنابيب للالتفاف على ممر بحري مغلق.
نتج عن ذلك ارتفاع حاد في الأسعار الفورية الآسيوية للغاز. تعاملت كوريا الجنوبية واليابان مع الأزمة برفع السقف المفروض على إنتاج الكهرباء بواسطة الفحم الحجري بعدما أنفقت سنوات في محاولة التخلص التدريجي من استخدامه.
وارتفع توليد الكهرباء بحرق الفحم الحجري في كوريا الجنوبية بما يقارب 40% على أساس سنوي في أبريل، وفي اليابان بنسبة 11%.
وضاعفت تايلاند، التي تعتمد على الغاز الطبيعي لتوليد أكثر من نصف إمدادها الكهربائي، ما تهدف إلى إنتاجه من الطاقة المتجددة. وتتبنى الطاقة النووية لأول مرة، وهذا قرار ربطه وزير الطاقة بالحرب مباشرة.
توجد مدخلات صناعية أخرى تتكامل بطرائق بالغة الأهمية في أرجاء الاقتصاد؛ فالهيليوم لا يمكن تخزينه كالنفط؛ فهو بعد تسييله يغلي ويتبخر خلال أسابيع. لذلك يعني وقفُ الإنتاج ندرتَه بالنسبة لأجهزة الرنين المغناطيسي ومصانع أشباه الموصلات وصناعة الطيران والفضاء.
كما ارتفعت بشدة أسعار الكبريت، وهو المادة الأولية البسيطة لإنتاج حامض الكبريتيك والذي يستخدم لاستخلاص النحاس من الخام ونقش رقاقات السيلكون.
هذا يعني تقليص المُدخل الكيميائي الذي يحتاجه البنتاجون لإعادة بناء أنظمة الرادار كثيفة استخدام النحاس في منطقة الخليج وللاستمرار في تصنيع الرقائق محليا.
كما قفزت أسعار الألمونيوم إلى أعلى مستوى لها خلال أربعة أعوام بعد قصف اثنين من أكبر المصاهر في الخليج.
ويشعر الناس بأثر الحرب على وقود الطهي والأسمدة في المنازل والمزارع؛ فعندما ارتفع السعر الآسيوي المعياري لغاز البروبان بأكثر من النصف في أول ثلاثة أسابيع من الحرب ربما تأثر البلايين بذلك، حسب تقدير وكالة الطاقة الدولية. فالأُسَر في جنوب آسيا وإفريقيا والتي تحولت للطهي بموقد الغاز عادت إلى استخدام الفحم النباتي مرة أخرى. وقضت بذلك على تقدُّمٍ تحقق على مدى سنواتٍ في مجال الصحة العامة خلال أسابيع فقط.
إضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار سماد اليوريا الذي تعتمد عليه معظم مزارع الحبوب في العالم إلى 700 دولار للطن المتري من حوالي 450 دولارا. وصار لزاما على مصانع الأسمدة في الهند وبنجلاديش وباكستان خفض أو وقف الإنتاج.
هنالك حكومة واحدة هي الأفضل أداء من معظم الحكومات الأخرى؛ فقبل الحرب كانت الصين تحتفظ باحتياطي نفطي يبلغ 1.4 بليون برميل. بعضه نفط إيراني وروسي وفنزويلي اشترته بسعر مخفَّض عندما كانت العقوبات الغربية تحاول إخراجه من السوق.
استخدمت الصين هذه الاحتياطيات لمقابلة احتياجاتها في أثناء انخفاض وارداتها عبر مضيق هرمز بملايين البراميل يوميا.
من بلدٍ إلى آخر، تحولت حربٌ قُصِدَ بها الضغطُ على إيران وطمأنة حلفاء أمريكا إلى سبب لشراء أمن الطاقة من بكين بدلا من واشنطن.
فباكستان استوردت 50 جيجاوات تقريبا من معدات الطاقة الشمسية الصينية حتى أغسطس 2025 مما أعانها على تحصين شبكة إمدادها الكهربائي من نفس صدمة الغاز الطبيعي المسال التي تأثر بها جيرانها.
ارتكزت خارطة الطاقة التي كانت موجودة قبل 28 فبراير على افتراض ضعيف بأن مضيق هرمز سينقل الغاز والمواد الكيماوية والوقود وفق جدول زمني يمكن توقعه دائما.
لم يعد هذا الافتراض موجودا، وعلى البلدان ترتيب أمورها مع واقع بدونه. أما الدرس الذي يجب على الولايات المتحدة استخلاصه فهو تقليل انعزالها عن العالم وإدراك ترابط سلاسل التوريد.
ستنتهي الحرب في إيران. لكن آثارها على الاقتصاد العالمي ستستمر لفترة أطول.
مورجان بازيليان مدير معهد باين للسياسات العامة بجامعة كولورادو للمناجم وخبير سابق في الطاقة بالبنك الدولي
الترجمة عن واشنطن بوست