رأي عُمان

حماية المجتمعات في عصر الذكاء الاصطناعي

 

تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي على إطلاق أنظمة أشد قدرة فيما تتزايد من داخلها التحذيرات من صعوبة مراقبتها وضبط سلوكها. وأورد تقرير لرويترز حوادث تجاوزت فيها برامج نطاق الاختبارات واخترقت أنظمة شركات أخرى. وتكشف هذه الوقائع ما يمكن أن يحدث عندما تتقدم قدرات التقنية على وسائل ضبطها وتضع الحكومات أمام مسؤولية بناء حماية قانونية تواكب هذا التطور، فسلامة المجتمعات تقتضي التزامات واضحة على المطورين والمستخدمين، ورقابة تملك صلاحية التدخل قبل أن تتسع الأضرار.

وتختلف تقديرات الباحثين بشأن المخاطر الأشد جسامة ومواعيد ظهورها، وهذا يقتضي دقة في وصفها واحتياطا في التعامل معها. وتستدعي مخاطر تعطيل الخدمات الأساسية والاحتيال وتعريض بيانات المرضى للخطر إجراءات وقائية تتناسب مع احتمال وقوعها وحجم أثرها. وينبغي أن تبدأ الحماية قبل انتشار الاستخدام وأن تستمر بالمراقبة والتصحيح بعده. وكلما اتسع نطاق الضرر المحتمل وصعب تداركه وجب تشديد متطلبات السلامة مع مراجعة القواعد كلما ظهرت أدلة جديدة.

تبدأ المسؤولية لدى الشركات التي تصمم الأنظمة وتحدد قدراتها والتي ينبغي أن تلتزم باختبارات سلامة تتناسب مع المخاطر والكشف عن القيود المعروفة، والإبلاغ عن الحوادث، وإتاحة الفحص المستقل. وتحتاج الجهات الرقابية إلى خبرة وصلاحيات تمكنها من تأجيل إطلاق نظام أو تقييد استخدامه عندما تكشف الأدلة خطرا جسيما.

وتمتد الالتزامات إلى المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في العلاج والتوظيف والائتمان والخدمات العامة.. وعلى هذه المؤسسات التحقق من ملاءمة النظام وحماية البيانات وتعيين مسؤول بشري عن القرارات المؤثرة في حياة الناس، وضمان حقهم في الاعتراض. كما يجب أن يخضع الأفراد للمساءلة عن استخدام التقنية في الابتزاز والاحتيال وانتحال الهوية. وتتحدد مسؤولية كل طرف بقدر سيطرته على الخطر ومساهمته في حدوث الضرر.

وتساعد مواثيق الاستخدام المهنية على تحويل هذه الالتزامات إلى قواعد يومية واضحة. وعليها أن توضح للمستخدم، بلغة مفهومة، حدود الأداة وواجباتها وطرق الإبلاغ عن الخلل. لكن قيمتها تتوقف على سند قانوني يمنحها أثرا عمليا، وآليات تكشف مخالفتها وتتيح تصحيحها. ويحدد القانون الحقوق والعقوبات، ويتطلب ذلك أن تكون شروط الخدمة نفسها خاضعة للقانون، وأن تحافظ على حقوق المستخدمين عند وقوع النزاع. ومن الضروري أن تحمي هذه القوانين الخصوصية وحرية التعبير، وأن تميز بين الاستخدام المشروع والسلوك المؤذي بضمانات تمنع التوسع التعسفي في المنع والعقاب.

ويقدم الإطار الأوروبي لتنظيم الذكاء الاصطناعي تجربة في توزيع الالتزامات بحسب المخاطر، يمكن الاستفادة منها وتقييم أوجه قصورها، غير أن تفاوت القوانين وقدرات إنفاذها يترك المجتمعات أمام مستويات متفاوتة من الحماية، لذلك تحتاج الدول إلى معايير مشتركة للاختبار، وتبادل معلومات الحوادث، والتعاون في التحقيق والمساءلة. ويجب أن تشارك الدول المستوردة للتقنية في صياغة هذه القواعد وأن تحصل على المعرفة اللازمة لتطبيقها؛ فآثار الاستخدام قد تصل إلى مجتمعات بعيدة عن مواقع التطوير. وتحتاج البلدان الأقل موارد إلى دعم تقني يمكّنها من الإنفاذ وحماية مواطنيها.

يحمل الذكاء الاصطناعي فرصا واسعة لتحسين حياة البشر، ويتطلب الانتفاع بها ضمانات تحمي سلامتهم وحقوقهم. ومن حق كل فرد أن يعرف كيف استُخدمت هذه التقنية في قرار يمسه، وأن يتمكن من الاعتراض عليه وطلب الإنصاف عند وقوع الضرر. وينبغي أن تلازم هذه الحقوق تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه.