عُمان والجنوب العالمي.. ما هو أبعد من الاقتصاد
السبت / 7 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:47 - السبت 19 سبتمبر 2026 20:47
منذ حرب فيتنام (1955-1975) توسع استخدام مفهوم (الجنوب العالمي)، وبدأ يصعد إلى أدبيات النظرية السياسية والاقتصادية؛ وهو في دلالته يشير إلى مجموعة من الدول خارج نطاقات القوة التقليدية، في أجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول الشرق الأوسط والمحيط الهادئ.
تمثل هذه الدول في مجموعها قوى صغيرة إلى متوسطة خارج نطاق المركزية للقوى السياسية والاقتصادية التقليدية في أوروبا وأمريكا الشمالية؛ وهي في الغالب دول نامية تبدأ في تجارب صعود اقتصادي وسياسي، ويتوقع لها خلال عقود أن تسهم في إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي، وأن تخرج من دائرة التجاذبات بين القوى التقليدية، لأن تكون مستقرة مستقلة في سياساتها واقتصاداتها ومواقفها وتجاربها التنموية.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك دول مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا؛ وهي دول تشترك في عدة عوامل أهمها الثقل السكاني والتركيب الديموغرافي الذي يساعدها على خلق تجربة تنموية رائدة، إضافة إلى قدرتها على بناء نظم سياسية قادرة على تحقيق ما يُعرف بـ (الاستقلال الاستراتيجي) نسبيًا؛ ذلك أنها تستطيع بناء مواقف مستقلة مع الحفاظ على علاقات متوازنة نسبيًا مع القوى التقليدية وخاصة الغرب ورسيا والصين إضافة إلى أقرانها في الجنوب العالمي.
كذلك من العوامل المتماثلة في هذه الدول هو الصعود الاقتصادي القائم على حشد الموارد والمعرفة وتطوير الصناعات المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي وإحلال الواردات والتأثير في سلاسل القيمة العالمية.
لكن أهم العوامل في تقديري هو قدرة هذه الدول على الدخول في إعادة تعريف (الحوكمة العالمية)؛ إما عن طريق زيادة الحضور المؤثر في الأنظمة والمؤسسات الدولية القائمة أو من خلال إنشاء محكات جديدة توازن النظام الدولي القائم، ولعل أهمها تكتل BRICS. وفي المجمل فإن دول الجنوب العالمي في الواقع الراهن تستخدم ثقلها ليس للانفصال عن النظام الدولي القائم، بل للمطالبة بمساحة أكبر للدول غير الغربية في تشكيل قواعده ومؤسساته وقراراته.
تسعى الكثير من الدول «ذات العمق الاستراتيجي» اليوم إلى تعزيز علاقاتها وحضورها مع الجنوب العالمي، نظرًا للمعطيات الاستشرافية المتوقعة للدول التي تقع هذا المفهوم؛ فالتوقعات تشير إلى بلوغ سكان أفريقيا نحو ربع البشرية بحلول عام 2050، وأن الكتلة الحضرية في القارة الأفريقية ستصعد وحدها إلى نحو 1.4 مليار نسمة، مع انتقال مركز نمو المدن الجديدة بصورة متزايدة نحو أفريقيا وآسيا.
على المستوى الاقتصادي تشكل الاقتصادات الناشئة والنامية نحو61% من الناتج العالمي بالقوة الشرائية اليوم، مما يعني أنه خلال عقد من الآن سنشهد اتساع الفجوة بين مكان إنتاج الثروة والنمو عالميًا وبين مكان تركز المؤسسات المالية والسياسية التقليدية.
هذا الصعود لن يكون منفصلًا عن السياسة حيث سيعاد توزيع مراكز القوة في النظام العالمي وفي الحوكمة العالمية، ويتوقع أن تنشأ كتلة من التحالفات المرنة بين دول الجنوب نفسها، مما يؤدي إلى تحرك المركزية العالمية نحو مراكز قوى مختلفة بدل كتلتين ثابتتين.
على المستوى الاجتماعي فإن الأجيال الجديدة والمدن الجديدة والمستهلكين الجدد سيتركزون بصورة متزايدة في دول الجنوب العالمي، وخاصة في آسيا وأفريقيا.
يرجح أن تصبح مدن مثل دكا وجاكرتا ومدن هندية وأفريقية بين أكبر التجمعات البشرية، كما أن السكان في مدن مثل أديس أبابا ودار السلام حسب البيانات المتوقعة سيتجاوزون عتبة 10 ملايين نسمة بحلول 2050.
هذا النمو لا ينحصر في الكم وحده، بل في نوعية الحياة والتكوين العلمي للسكان، وإسهام هذه الدول في اقتصاد المعرفة والابتكار؛ فعلى سبيل المثال أصبحت الهند في السنوات الأخيرة ثالث أكبر منتج للمنشورات العلمية عالميًا، وارتفع إنفاقها على البحث والتطوير إلى نحو72 مليار دولار بالقوة الشرائية، وتستحوذ البرازيل على نحو60% من مجمل البحث العلمي في أمريكا اللاتينية. كل هذه المعطيات تعكس انتقال دول الجنوب العالمي في وجه آخر من استيراد المعرفة إلى بناء قواعد علمية وبحثية قادرة على المنافسة عالميًا.
أدركت سلطنة عُمان (اقتصاديًا) هذا التحول، وما الحراك الاقتصادي الذي نشهد خلال الفترة الأخيرة سوى ترجمة للإمكانات والفرص وموجهات المستقبل الذي تزخز به دول الجنوب العالمي، وأهمها الدول الأفريقية.
وتدفع الزيارات والاستضافات السامية الكريمة لبعض قادة هذه الدول والتواصل معهم نحو دفع العلاقات إلى أبعاد استراتيجية ستشكل في تقديرنا خلال العشر سنوات المقبلة أساسًا ومرتكزًا مهمًا للتحرك العُماني في النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل.
إن قيمة بناء هذه العلاقات مع الجنوب العالمي حسب رؤيتنا مهمة في البعد الاقتصادي؛ حيث يمكن لهذه الدول أن تعوض محدودية حجم السوق العُمانية، وبالتالي تمكن سلطنة عُمان من بناء شركات وموانئ وخدمات مالية ولوجستية ورقمية وصناعية لا تتركز أهدافها الاقتصادية والتجارية وتتمحور حول عمل السوق المحلي وحده، وإنما تستفيد من إمكانية تصدير الخبرات والمعارف والمنتجات والخدمات لنطاقات أوسع تشمل شرق أفريقيا إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي.
غير أن القيمة الاستراتيجية تتجاوز في تقديرنا البعد الاقتصادي؛ حيث تُكسب مثل هذه العلاقات عُمان مبدأ (التحوط الاستراتيجي)؛ ففي ظل تضاؤل حدود القوة والاعتماد بأشكاله المختلفة على الأقطاب والقوى التقليدية، تمتلك القوى المتوسطة مثل عُمان وقطر وباكستان وتركيا مساحة للعب أدوار كبرى في النظام الإقليمي، هذه المساحة يسندها عاملان مهمان؛ الأول شبكة علاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية (مصالح) ناضجة وواسعة، والثاني دول تشاركها الهاجس السياسي المتمثل في معضلة التعامل مع القوى التقليدية.
ويلزمها في هذه الحال الانتباه إلى خلق علاقات مبكرة مع دول قد تبدو اليوم أطرافًا ثانوية في النظام الدولي، لكنها خلال عقدين قادمين ستتمكن من أن تصبح مراكز ديموغرافية أو سياسية أو تكنولوجية مؤثرة، وهنا يعمل مبدأ مهم في السياسة الدولية وهو أن العلاقات المبكرة تنتج ذاكرة مؤسسية ونخبًا وشبكات ثقة يصعب شراؤها لاحقًا.
كما يلزم مبدأ (التحوط الاستراتيجي) كذلك إيجاد آليات سياسية - اقتصادية تضمن المرونة وعدم الاصطفاف الصلب، والقدرة على تنويع الشركاء جغرافيًا وسياسيًا، وتنويع مصادر الاعتماد، والجمع بين الشراكات متعددة المسارات؛ فكلما كان ما يجمعك بشريك استراتيجي معين يتعدى المصلحة المادية الاقتصادية (المؤقتة) إلى الشبكات الثقافية والاجتماعية والمواقف المشتركة، كلما استطعت خلق شبكات اعتماد متنوعة كدولة متوسطة.
الجنوب العالمي يأخذ اليوم حيزه الاستراتيجي ويشكل قواعده، وما الأحداث الجارية حاليًا في المنطقة إلا محفز تاريخي لتسريع نضج هذا الجنوب. تتطلب المرحلة القادمة الحضور جنوبيًا ثقافيًا وعلميًا كذلك، مثلما هو المطلب اقتصاديًا واستثماريًا، وما يدفع باتجاه كل ذلك ليس الفرصة وحدها، وإنما الحاجة إلى (التحوط) على كافة المستويات.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان