أفكار وآراء

11 سبتمبر من الجهة الأخرى

أحيت الولايات المتحدة الأمريكية ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، بمناسبة مرور ربع قرن على الحادثة، كما قرع الجرس في الساعة ٨:٤٦ في نيويورك في نصب جراوند زيرو (أرض الصفر).

في منهاتن حيث موقع برجي التجارة العالمية، وبينما تستعيد الولايات المتحدة من جهتها تلك الأحداث فإن المرء يتأمل أرض المعركة التي تلت ذلك، هنا في الشرق، في دول مثل أفغانستان والعراق وأفريقيا، الدول التي صبّت الولايات المتحدة عليها النيران طوال هذه المدة في حربها لمكافحة الإرهاب، لكن ما هي النتيجة اليوم؟

حذرت الأمم المتحدة في تقرير نشرته بتاريخ ١٤ يوليو الماضي من أن تهديد الجماعات الإرهابية لا يزال حادًا في غرب أفريقيا والساحل، كما نشرت صحيفة الجارديان قبل أيام تغطية لنشاط القاعدة وداعش في الساحل الإفريقي، دون أن ننسى المعركة المحتدمة بين الجيش النيجيري وجماعات إرهابية متطرفة مثل داعش وبوكو حرام، وأصبحت هذه الجماعات تمتلك قدرات تسليحية متطورة بما فيها المسيّرات، ونفس تلك الجماعات «القاعدة وداعش» موجودة في اليمن ولها أنشطة متعددة، وبداية هذا الشهر أعلن جهاز أمن الدولة اليمني مقتل أبو حذيفة الأنصاري المتحدث والقيادي في تنظيم داعش.

في العراق لا تزال المواجهة بين الجماعات الإرهابية وأجهزة الدولة المختلفة مستمرة، ولا تزال الضربات متبادلة، وفي سوريا هذا العام نقل آلاف السجناء المنسوبين لتنظيم داعش من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى سلطات الدولة السورية، وتم ترحيل أكثر من ٥ آلاف معتقل منهم للعراق، وهم سجناء منذ ٢٠١٦م دون محاكمات، وبينهم أطفال ولدوا في تلك المعتقلات.

أما في باكستان ففي فبراير هذا العام وقع تفجير انتحاري منسوب لتنظيم داعش في مسجد إسلام آباد وأسفر عن مقتل ٣٢ وإصابة أكثر من ١٧٠، هذا غير تفجيرات العام الماضي، وجزء من الأزمة القائمة بين أفغانستان وباكستان تلعب فيها تلك الجماعات الإرهابية كالقاعدة دورًا محوريًا.

في تقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام ٢٠٢٦ والصادر عن معهد الاقتصاد والسلام IEP الأسترالي، وهو مركز أبحاث مستقل، فإن الذروة كانت عام ٢٠١٤م بأكثر من ٣٠ ألف ضحية، لكن النسب العام الماضي ٢٠٢٥ لضحايا الإرهاب في العالم لا تزال مرتفعة مقارنة بمرحلة ما قبل الحرب على الإرهاب، هذا غير اتساع رقعة الأنشطة الإرهابية في العالم، حيث تستغل الجماعات الإرهابية كل فراغ أمني، وتتغلغل في الدول الضعيفة المتوترة وغير المستقرة.

في أفغانستان تجاوز ضحايا الحرب الأمريكية على الإرهاب من الطرفين أكثر من ١٥٠ ألف نسمة، وكان عدد القتلى الأمريكيين وقوات التحالف منهم قرابة ٣٥٠٠ قتيل، والبقية أفغان، منهم قرابة ٤٦ ألف مدني، أما في العراق حسب الإحصائيات فإن ضحايا الحرب الأمريكية تجاوزوا في بعض الإحصائيات نصف مليون نسمة، وكان قرابة ٢٠٠ ألف منهم مدنيون.

إذا عدنا لحادثة ١١ سبتمبر نفسها فإن عدد ضحايا الهجوم الإرهابي يومها حسب الإحصائيات بلغ قرابة ثلاثة آلاف، وما حدث للحياة العامة والعادية لكل الناس بعد تلك الحادثة مس كل واحد من سكان العالم، بغض النظر عن الدين والجنس والعرق واللون؛ فقد أصبح السفر عمومًا وبالطائرات خصوصًا أكثر تعقيدًا، وأصبح كل عربي ومسلم تحت دائرة الاتهام أينما كان، ووقع الكثير من حوادث الكراهية والعنصرية، وما يطلق عليه الإسلاموفوبيا «رهاب الإسلام»، وتغيرت حتى المناهج الدراسية في الدول العربية والغربية كذلك، وأغلقت الكثير من الجمعيات الخيرية وغيرها.

حين وقعت الهجمات ظهرت فرضيات بعضها يتهم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بأنها دبرت الحادثة أو سهلتها، من أجل أغراض وأهداف ومؤامرات مستقبلية نفذتها الإدارات المتلاحقة، وللمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي كتاب مهم عن الحادثة هو عبارة عن مجموعة مقابلات أجريت معه، يمكن تلخيص الفكرة المركزية فيه بأن للولايات المتحدة الأمريكية عبر سياساتها في إرهاب الدولة، واختطاف واغتيال رؤساء الدول الأخرى، خاصة في أمريكا اللاتينية والشرق، ودعمها للجماعات الجهادية في أفغانستان تحديدًا أيام الحرب الباردة دور رئيسي في ما وقع، لكن ما وقع بعد ذلك فاقم الأمر أضعافًا مضاعفة، وأصبح التهديد الإرهابي واقعًا حيًا ومستمرًا لا يتوقف.

إذا كانت الحرب على الإرهاب هي من أجل القضاء عليه فإن نعوم تشومسكي كان يقول بوضوح إن مثل هذه الحرب لا شك فاشلة، وأنها ستفاقم الحالة أكثر، وطريقة الأنظمة في استغلال مثل هذه الحرب كانت فاقعة؛ إذ أخذتها الأنظمة ذريعة للتخلص من كل الجماعات والحركات المناهضة لها، في غالبية دول العالم.

وواقع الأمر أن جذور الإرهاب العشوائي هذه كامنة في سياسات احتكار إرهاب الدولة نفسه، وفي غياب العدالة والقانون والنظام الذي تسببت به الولايات المتحدة الأمريكية، وهي التي حولت دولًا مستقرة إلى دول عشش فيها الإرهاب وفرّخ وطار في كل مكان، ولا أدل على ذلك من أن بعض أفراد تلك الجماعات الإرهابية السابقين وصلوا إلى سدة الحكم.

الأخطر من إرهاب الجماعات الإرهابية، ومشاهد الذبح التلفزيونية المقززة والخالية من ذرة الإنسانية، أن إرهاب الدول طغى هو الآخر، فها هي إسرائيل مستمرة في جريمتها العلنية الموجهة لإبادة الفلسطينيين، وها هي الولايات المتحدة تهاجم إيران، وكأنها تريد توسيع رقعة الخراب الذي تسببت به خلال ربع القرن المنصرم ليتسع أكثر ما يمكن، ومثل هذه التدابير هي تدابير إرهابية بلا شك، لكنها تفصح أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتعلم الدرس.

إن نظرة واحدة إلى عالمنا اليوم تحت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية تقول إنه ليس أفضل حالًا، بل إن الحالة الأمنية كارثية بكل المقاييس، وما يكشفه ملف الإرهاب والتطورات التي وقعت منذ حادثة ١١ سبتمبر، هو أن الوضع العالمي مضى إلى خراب محقق، وانتشرت الجماعات الإرهابية وتنوعت وتعددت حتى أصبح لها أكثر من شكل واسم وأسلوب.

لا أدري ما سيكون الوضع عليه بعد نصف قرن من الآن، لكن مقارنة بالوضع الحالي فلا يبدو أن الإرهاب في انحسار، وما تفرضه السياسات الاقتصادية الخانقة على الدول الفقيرة من نهب وإكراهات وفساد سيقود الشعوب إلى أوضاع أسوأ، وإلى اختلال أمني يسمح بتفشي وانتشار أشكال الجريمة المنظمة.

لا شك أن الإرهاب جبان، خاصة باتخاذه المدنيين أهدافًا مشروعة، ولا شك أن تفكير منظريه ومبرريه ومفكريه مختل وملوث، وأنه يبحث عن نظرية لتبرير نزوعه الإجرامي، لكن اليوم بعد ربع قرن يمكننا القول كذلك إن سياسات الحرب على الإرهاب والإجراءات «الأمنية» والضربات «الوقائية» والمعتقلات المسيجة قد نجحت لكن ليس في القضاء على الإرهاب بل العكس في تفريخه ونشره هو والجريمة المنظمة والفوضى والخراب والفقر أكثر، في مختلف بقاع الأرض، وأن ما تعاني منه أوروبا وأمريكا من ضغط الهجرة من بلدان الجنوب ليس إلا إحدى النتائج الثانوية لتلك السياسات «الأمنية»، وأن هذا أحد نتاج نهج الحروب المستمرة التي لا تتوقف؛ هكذا يبدو ١١ سبتمبر من الجهة الأخرى.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني