هل تقترب العلاقة البريطانية-الإسرائيلية من نهايتها؟
السبت / 7 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:47 - السبت 19 سبتمبر 2026 20:47
في محاولة لفهم السياسة وتعريفها، لم أجد وصفا أفضل مما ذكره الدكتور محمد العريمي -في أحد اللقاءات «البودكاستية»- بتعريفه للسياسة بأنها «كذبة» و«فن الممكن».
لنأخذ مثالا في السياسة البريطانية التي انطلقت منذ قرون عدة بناء على مبادئ معروفة خصوصا في أدبيات السياسة الإقليمية وأرشيفاتها، وأهمها سياسة «فرّق تسد»؛ فعمدت بريطانيا بواسطتها إلى مجابهة كثير من خصومها وحلفائها، وعملت أيضا في كثير من أدوارها السياسية على منهجية التحالف مع آخرين وفق معادلات تضمن لها تحقيق مصالحها وبقاء نفوذها.
واستطاعت أيضا أن تتغلغل في داخل المجتمعات، وتدفع بالثورات الداخلية، وتمنح صلاحيات التقسيم والاستقلال.
لنقترب من فهم النموذج السياسي البريطاني، يمكن أن نستدل بمثالين، وهما الدور البريطاني الرئيس في التخطيط للثورة العربية ودعمها ضد الإمبراطورية العثمانية، وما تلا ذلك من تمكين للكيان الصهيوني بداية بوعدها غير الشرعي «وعد بلفور» الذي منح اليهود وطنا لا يمتّ إليهم بصلة؛ فمنحت صلاحية هجرة المستوطنين الأوروبيين -اليهود وغيرهم- إلى أرض فلسطين الواقعة -يومها- تحت الانتداب البريطاني بعد أن تحققت إزاحة العثمانيين من سلطة الأراضي العربية بما فيها فلسطين.
لم ينقطع الدعم البريطاني بكل أنواعه عن الكيان الصهيوني؛ فأثبت للتاريخ وعالمنا المعاصر متانة العلاقة التي دفعت إلى استمرار الدعم رغم كل الظلم والمجازر التي ارتكبها الكيان الصهيوني منذ غرسه التدريجي في الربع الأول من القرن المنصرم.
لم تكتفِ بريطانيا بالدعم المالي والعسكري والدفاع عن الكيان وتبرير أفعاله الوحشية؛ فأثبتت تقارير كثيرة مشاركة بريطانيا في حرب الإبادة في غزة عبر توفير المعلومات الاستخباراتية التي كانت تجمعها بريطانيا بواسطة طائرات الاستطلاع، وعبر مشاركة بعض خبرائها وجنودها مع جيش الكيان الصهيوني.
أوقع ذلك الحكومة البريطانية في موقف محرج أولا أمام شعبها وكثير من أعضاء الأحزاب الذين -بغالبية كبيرة- أبدوا غضبهم وامتعاضهم من هذا التعاون والدعم الذي يضر بسمعة بريطانيا وعلاقاتها الخارجية؛ فيضعها في دائرة المحاسبة الأخلاقية وجرائم الحرب.
أدى ذلك إلى خروج مئات الآلاف من البريطانيين إلى الشوارع احتجاجا على السياسة البريطانية ودعمها للاحتلال الإسرائيلي، واشتعلت ردهات البرلمان البريطاني بالنقاشات المحتدمة المعارضة لهذه السياسة.
وتعالت مطالبات من قبل أفراد ومجموعات بريطانية مرموقة -سياسيين وفنانين ورياضيين وعلماء- تنادي بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني والاعتذار للإنسانية جمعاء عن الدور البريطاني في تمكين هذا الكيان وتأسيسه، ومواصلة دعمه رغم كل الجرائم التي يقترفها. مثال ذلك، تصويت مؤتمر النقابات العمالية البريطاني لصالح مقاطعة الاستثمارات الإسرائيلية وإلغائها وفرض العقوبات.
قبل فترة وجيزة، بدأت تتكشف لنا ملامح جديدة في السياسة البريطانية تتعلق بتفاعلها مع القضية الفلسطينية وعلاقاتها مع الكيان الإسرائيلي.
مما يُلحظ أن الظاهرة السياسية البريطانية الجديدة وتحديدا على المستوى الحكومي الرسمي بدأت تطفو على السطح بجدية أكثر مع رسوخ قدم الحكومة الجديدة الحالية برئاسة رئيس الوزراء الجديد «آندي بيرنهام».
بالنسبة لرئيس الوزراء الجديد «آندي بيرنهام»، نجد للرجل تاريخا معارضا للسياسات الإسرائيلية؛ فانتقدها مرارا قبل وصوله إلى منصبه الحالي، وطالب بوقف إطلاق النار في غزة منذ عام 2023، وبإنهاء المجزرة التي ترتكبها قوات الكيان الصهيوني.
طالب أيضا إبان حملته الانتخابية بوضع قيود للدعم العسكري وتصدير السلاح إلى إسرائيل، وبحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية -غير القانونية في عرف السياسة البريطانية-.
واصل «بيرنهام» وحكومته عقب وصولهم إلى رئاسة الوزراء سياسة «عدم الالتقاء» مع السياسة الإسرائيلية، وبدأت ملامح القطيعة تتسع شيئا فشيئا؛ لنلحظ توترات لم يسبق حدوثها من قبل الطرفين؛ إذ أعلنت الحكومة مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية ومنع دخولها إلى بريطانيا.
وقدّم «بيرنهام» -شخصيا- اعتذارا عن السياسة السابقة لحزب العمال وتفاعله الضعيف مع القضية الفلسطينية وموقفه المنحاز للجانب الإسرائيلي تجاه حرب الإبادة الجماعية في غزة.
في المقابل، أظهر الكيان الإسرائيلي عداءه وسخطه على الموقف البريطاني الجديد، وردا على الخطوات السياسية البريطانية الأخيرة، بادر وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف «بن غفير» بنشر بيان باللغة الإسبانية مطالبا فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي «نتنياهو» بالاعتراف الإسرائيلي الرسمي بجزر «فوكلاند» باعتبارها أراضي أرجنتينية لا بريطانية.
لا أخفي أن مطالبات «بن غفير» لم تثر استغرابي، وأضحكتني؛ إذ من السخف أن يتحدث أمثال هذا المتطرف عن جذور الجغرافيا وأصل ملكياتها في حين أنه وكيانه فاقدان للشرعية ذاتها.
بجانب «بيرنهام»، لمع نجم وزير خارجية بريطانيا الجديد «إد ميليباند» -ذي الانتماء اليهودي- عبر هجومه على حكومة الكيان الإسرائيلي واتهامه لها بممارسة التطهير العرقي للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ومطالبته بفرض عقوبات اقتصادية تشمل مقاطعة منتجات المستوطنات.
صرّح أيضا في كلمته أمام مجلس العموم البريطاني في 8 سبتمبر من هذا العام بأن على بريطانيا أن تنتقل إلى مرحلة تطبيق عملي لأقوالها؛ فتفرض قراراتها وعقوباتها على إسرائيل.
يمكن أن يعكس ما أشرنا إليه في السطور السابقة بعضَ ما نراه من تحول في السياسة البريطانية دون أن نعتبرها تحولات جادة وقابلة للتفعيل والتصعيد إلا بعد أن نشهد نتائجها الملموسة.
وأعتبر مثل هذه التحولات في السياسة الخارجية البريطانية فيما يخص القضية الفلسطينية وموقفها من الكيان الصهيوني وممارساته الإجرامية انعكاسا لعدد من الأسباب: أولها: الغليان الشعبي الداخلي في بريطانيا بأفراده ومؤسساته نتيجة انهيار السردية الصهيونية وسقوط قناعها.
ثانيها: العنجهية الصهيونية وغرورها اللذان بلغا مراحل متقدمة لم تعد مستساغة ولا محتملة لدى الحكومات الغربية نظرا لتجاوزاتها للخطوط الحمراء واقتحامها غرف السياسة الغربية ومواضع قراراتها؛ فوضع الحكومات الغربية في حرج أمام شعوبها.
كذلك لا ننسى الحراك الدولي بدءا بشعوبه الحرة الرافضة للظلم، والتي شهدته وناهضته بكل ما أتيح لها من وسائل؛ فأعقبه -تحت الضغط الشعبي- حراك حكومي واسع شمل دولا غربية امتلك عدد من ساستها الشجاعة في مواجهة الغطرسة الصهيونية وتهديداتها الظاهرة والمبطنة.
لا يفوتنا أيضا رصدنا للتغيير الكبير في مسار السياسة الأمريكية على الأقل على مستوى الطبقة السياسية الجديدة الصاعدة بما تشمله من العناصر المسلمة، وسبق أن أفردنا مقالا مستقلا تناولناه فيه.
لذلك، مع نمو الصحوة العالمية واتساع رقعة نبذ الصهيونية، لا تريد بريطانيا وعدد من الدول الغربية الأخرى -على المستوى الحكومي الرسمي- أن تكون بمعزل عن التجانس العالمي وموقفه الإنساني.
ثمة من يعتقد أن بريطانيا -ومعها فرنسا وألمانيا- بعيدة كل البعد عن التخلي عن إسرائيل وعن وقف دعم بقاء كيانها رغم ما نشهده من فتور في العلاقات وتباين في المواقف إزاء عدد من القضايا السياسية.
لذلك يتصور بعضنا أن هذا الفتور أشبه بوعكة سياسة مؤقتة قابلة للتعافي.
لننظر إلى الأمر من زاوية أخرى؛ إذ لا يمكن أن نسلّم ببقاء العلاقة البريطانية-الإسرائيلية إلى الأبد، ومن غير المستبعد أن تتلاشى الرؤية البريطانية القديمة المعنية بتأمين وطن لليهود وضمان بقائه. ويمكن أن نستند في هذا الافتراض إلى منطلقات جديدة منها التمادي الإسرائيلي في التمرد على التوجيهات البريطانية ومحاولة التأثير في قراراتها عبر شراء الولاءات في الداخل البريطاني على غرار ما يحدث في أمريكا، وهذا غير مقبول في العرف السياسي البريطاني.
كذلك، لا نغفل أن بريطانيا لم تعد بريطانيا السابقة بقوتها وثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري، ولديها ما يؤرقها في الداخل مثل خطر تفكك مقاطعاتها المهمة وسعيها نحو الاستقلال، وهي: إسكلتندا وويلز وإيرلندا الشمالية.
هذا ما يدعونا إلى قراءة جديدة لمسار هذه العلاقة؛ فلا أستبعد أن تصل إلى نهايتها، وإن لم تبلغها بعد؛ فعلى بريطانيا أن تراجع موقفها وتصحح ما يمكن تصحيحه؛ فمن غير المعقول أن تكتفي بالتنديد والشجب دون أن تقف موقفا أخلاقيا يعيدها إلى موقع سياسي أفضل يمكن أن يحسّن شيئا من مظهرها السياسي أمام من لم يعد يثق بالنوايا الغربية وإجراءاتها على غرار ما كشف عنه التاريخ.
لا أتصور أن الجيل السياسي الجديد في بريطانيا يحبذ التمسّك بالعقدة الغربية «معاداة السامية» التي تعوق مواجهته للغرور الصهيوني. ووفق كل أبجديات السياسة والاقتصاد، تتضح أن مصلحة الغرب جمعاء تكمن في وقوفه في الجانب الصحيح من التاريخ، وما زالت الفرصة سانحة لكبح الغطرسة الصهيونية.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني