أعمدة

سُواق «التكاسِي» الجميلون

كان يومًا رائعًا، السماء مدلهمة توحي بهطول أمطار، الهواء الخارجي يميل إلى البرودة، قررت أن أنزل زجاج النافذة التي على يساري، صوت أيوب طارش يصدح عبر إذاعة سلطنة عُمان:

مدارب السيل قولي وامدارب لما،

لا يقدر السيل أن يروي القلوب الضما،

مهما مسيلِك سال، دافق،

ومن صدور ضاحات الجبال ارتمى.

سرعة السيارة وأنا أخرج من دوار الخوض باتجاه المعبيلة، لم تكن تتجاوز الـ٨٠ كيلومترًا في الساعة، هدوء غير عادي في شارع اعتدته مكتظًا هذه الساعة من اليوم، أسكنت سيارتي المسار الأيمن، فلا سبب يدعوني للتمسك بالأيسر وإبطاء حركة المرور، فجأة ودون سابق إنذار، انتقلت سيارة تاكسي من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين في لحظة خاطفة، ارتبكت، كدت أفقد توازن السيارة وأصطدم بالرصيف.

على مسافة أمتار قليلة لمحت السيارة نفسها التي كادت أن تتسبب في وقوع حادث مروري خطير متوقفة، يبدو أن السائق يستهدف ثلاثة من العمالة الوافدة، ودونما نية أو تخطيط «سفطت» خلفه، قصدته حانقًا، يجب أن أسأله عن سبب تصرفه غير المبرر، توقعت أن يكون شابًا طائشًا، لا يعرف معنى المسؤولية، لكن ما إن نظرت عبر زجاج نافذته، حتى تبين أنه رجل كبير في السن، في الحال انطفأت داخلي جمرة الغضب، تلاشت الأسئلة، سلمت عليه بكل أدب واحترام فرد السلام، رفع رأسه: «تفضل يا ولدي».

قلت له: «ما كنك دخلت علي قبل شويه من اليسار الوالد؟» رد: «صحيح»، فقلت: «لكن هذا غلط الله يحفظك، وممكن يتسبب في حادث كبير»، عقّب: «صدقت لكن ما باليد حيلة، هذا بو الله جعله واستوى»، فاجأني رده، لم أجد ما أضيفه أكملت: «نزين تفضل خلا تقهوى عندنا.. البيت قريب»، قال: «جزاك الله خير توني مستعجل، باغي أوصل هاذيلا العُمال».

وأنا أهم بالتحرك، استأنف السائق حواره مع الرجال الثلاثة، وفي أقل من ٣٠ ثانية، توقفت فجأة سيارة تاكسي أخرى، سُمع صوت سائقها ينادي على العُمال: «تعال تعال صديق، أنا أودي أي مكان انته يريد»، وهنا ودون توقع، ترجل سائق التاكسي عن سيارته، اتجه غاضبًا نحو السائق، الذي يبدو شابًا لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره.

ودون مقدمات: «نتوه ما فيكم أدب ولا احترام، ما تحشموا اللي أكبر عنكم في السن، كيف باغي تشلهم وأنا واقف لهم قبلك؟ ما تخاف الله؟ تريد تتسبب في قطع رزقي وزرق أولادي؟، ما سمعت المثل اللي يقول قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق؟».

لم يرد الشاب، لم ينبس ببنت شفة، آثر السكوت في حضرة السن وتعب السنين والمعاناة، توجه معتذرًا للرجل: «سامحني الوالد، والله ما قصدي أشلهم عنك، ولا قصدي أقطع رزقك ورزق أولادك، أنا كنت أظن إنك منزلنهم»، طبع قبلة على جبينه، صافحه، اعتذر له للمرة الثانية.

استقل سيارته وغادر المكان، تلك اللحظة توجهت للعمال الذين كانوا حتى تلك اللحظة مترددين في ركوب التاكسي، أقنعتهم بالموافقة على السعر بعد تخفيض معقول رضي عنه صاحب التاكسي، ركبوا، ملت إلى أذنه ممازحًا: «تراها القهوة لعدينية تراضك الوالد، شرفني في بيتي بعد ما تخلص شغلك»، رد مبتهجًا: «تم، لكن طيني رقم تلفونك».

عُمر العبري كاتب عُماني