عمان اليوم

وزير الصحة: تعزيز الوقاية ونمط الحياة الصحي وتوطين التخصصات الدقيقة أولويات المرحلة المقبلة

كشف لـ"عمان" عن تحولات نوعية بالقطاع وخدمات تقترب من المواطن

 


كشف معالي الدكتور هلال بن علي السبتي، وزير الصحة، في حوار لـ'عمان' عن تحولات نوعية يشهدها القطاع الصحي في سلطنة عمان، وخدمات تقترب من المواطن، من خلال حزمة من المشاريع الصحية الاستراتيجية الجاري تنفيذها والإعداد لها، تشمل مستشفيات ومراكز تخصصية ومراكز للتأهيل وطب العيون والجينوم وطب الأسنان، واستكمال تطوير الخدمات بالمركز الوطني للصحة الافتراضية الذي سيتم تدشينه رسميًا قريبًا، والذي يعتبر نقلة نوعية في تعزيز الخدمات الصحية وتعزيز العدالة في الحصول على الخدمات ذات الجودة العالية، إلى جانب تطوير منظومة متكاملة لسلاسل الإمداد الدوائية وإنشاء مصنع للنظائر المشعة والصيدلية النووية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لرفع كفاءة الخدمات واستدامتها.
وأكد معاليه أن أولويات المرحلة المقبلة ترتكز على تعزيز الوقاية ونمط الحياة الصحي وتوطين التخصصات الدقيقة وتنمية الكوادر الوطنية، مشيرًا إلى أن سلطنة عمان بنهج وقائي متقدم يركز على حماية المجتمع من الأمراض السارية، من خلال التكامل بين التوعية، والتقنيات الحديثة، والتغطية الشاملة بالتطعيم، بما يعزز الأمن الصحي الوطني ويواكب التوجهات العالمية في الصحة العامة.
وقال معالي وزير الصحة في رده على أسئلة 'عمان' حول التحديات المرتبطة بقوائم الانتظار إن هناك جهودًا مستمرة لمعالجة هذه التحديات من خلال تحسين أنظمة المواعيد، وتبسيط الإجراءات، والاستفادة من الحلول الرقمية، بما يضمن تحقيق توازن أفضل بين جودة الخدمة وسرعة الوصول إليها.


• ما تقييمكم لواقع القطاع الصحي في سلطنة عمان اليوم؟ وما أبرز التحولات التي شهدها خلال السنوات الأخيرة؟
معالي الوزير: يشهد القطاع الصحي في سلطنة عُمان اليوم مرحلة متقدمة من التطور، ويمكن القول إنه انتقل من مرحلة البناء إلى مرحلة النضج والتحول النوعي، وتحسنت المؤشرات الصحية بشكل ملحوظ، وارتفعت جودة وكفاءة الخدمات المقدمة، وأن هذا التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استثمار مستمر وتخطيط استراتيجي واضح ضمن رؤية عُمان 2040، التي وضعت صحة الإنسان في صميم الأولويات الوطنية.
ومن أبرز التحولات التي تشهدها المنظومة حاليًا، الانتقال إلى التخطيط القائم على البرامج والمؤشرات، والتوسع في التغطية الصحية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب رفع التركيز على الوقاية والصحة العامة بدلًا من العلاج فقط.
وتضع وزارة الصحة مبدأ تحسين جودة الخدمات الصحية في صميم أولوياتها، وذلك من منطلق العدالة الصحية وضمان حصول جميع المواطنين والمقيمين على خدمات صحية متكافئة، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي، وأن تحقيق ذلك لا يعتمد فقط على زيادة عدد المؤسسات، بل يقوم على تخطيط منهجي يستند إلى تحليل فجوة الاحتياج في كل محافظة وولاية، ودراسة البيانات الوبائية والديموغرافية، ومعدلات الاستخدام للطاقة الاستيعابية المتاحة، ومتوسط أزمنة الانتظار وكفاءة توزيع القوى العاملة الصحية.
ومن خلال ذلك يتم تطوير البنية الأساسية للمؤسسات الصحية، وتحسين توزيع المؤسسات والكوادر وفق الخصائص السكانية والوبائية لكل محافظة، فالهدف ليس إنشاء أكبر عدد ممكن من المراكز، بل ضمان أن يحصل كل مواطن – أينما كان – على خدمات متكاملة، ومناسبة لمستوى احتياجه، دون عناء في الوصول إليها، مع التركيز دائمًا على تحسين تجربة المستفيد، من خلال تطوير مسارات الإحالة، وتعزيز التكامل بين مستويات الرعاية، ورفع جودة وسلامة الخدمات، بما ينعكس مباشرة على رضا المستفيدين وثقتهم بالنظام الصحي.
• ما أهم أولويات الوزارة في المرحلة الحالية لتحسين جودة الخدمات الصحية؟
الوزير: أن أولويات وزارة الصحة تتمثل في المرحلة المقبلة في تعزيز الوقاية ونمط الحياة الصحي، والتصدي لتزايد عبء الأمراض غير المعدية، وتطوير الرعاية الصحية الأولية كنقطة ارتكاز للنظام الصحي. كما تشمل الأولويات التحول الرقمي الصحي، وتكامل نظم المعلومات، وتعزيز الحوكمة، وتحسين كفاءة الإنفاق الصحي.
وتعمل الوزارة على بناء نظام صحي مرن وقادر على الصمود أمام الأزمات، من خلال تعزيز الجاهزية، وتنويع مصادر التمويل، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، بما يضمن استدامة الخدمات الصحية على المدى الطويل.
واعتمدت الوزارة خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026-2030) بموجب المرسوم السلطاني رقم 1/2026، ومن ضمنها الخطة الخمسية لأولوية الصحة. حيث جاءت الخطة لتركز على تعزيز النظام الصحي بشكل ممنهج عبر مجموعة برامج استراتيجية ومشاريع تنموية تُعد محركات أساسية لتمكين المنظومة الصحية نحو نموذج صحي مستدام، عادل ووقائي، وأهم التوجهات الاستراتيجية للبرامج تشمل تعزيز الصحة العامة والتغطية الصحية الشاملة وتطوير الموارد البشرية، وحوكمة النظام الصحي والأمن الدوائي، وتمويل النظام الصحي وتطوير الرعاية الصحية في القطاع الخاص، وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية.
الوقاية والصحة العامة
• ما خطط الوزارة لتعزيز الرعاية الصحية الأولية ودورها في الوقاية وتقليل الضغط على المستشفيات؟
وزير الصحة: تعمل الوزارة على تعزيز دور الرعاية الصحية الأولية كخط الدفاع الأول للصحة العامة، لا سيما في مجال الصحة الإنجابية، والتي تشمل رعاية الحوامل والتخطيط الأسري والفحص الطبي قبل الزواج، بما يسهم في الوقاية، والتشخيص المبكر، وتقليل الضغط على المستشفيات.
كما تسعى إلى تعزيز الكشف المبكر عن بعض الأمراض المتعلقة بالنساء، ومنها سرطان الثدي، حيث يتم تسجيل النساء حسب الفئة العمرية وتقديم خدمة فحص الثدي الإكلينيكي في الرعاية الصحية الأولية وتحويلهن لأشعة الماموجرام، والذي سيكون في وحدات الكشف المبكر في بعض المحافظات ليخفف الضغط على المستشفيات.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الإجراءات في تخفيف الضغط على المستشفيات، وتقليص فترات الانتظار، وتعزيز كفاءة النظام الصحي، ورفع ثقة المجتمع بالخدمة المقدمة في مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، مع توجيه المستشفيات للتركيز على الحالات عالية الخطورة والتخصصية.
• هل هناك مؤشرات صحية كشفتها الدراسات أو المسوحات تستدعي تدخلات عاجلة؟
معالي الدكتور: تشير المؤشرات الصحية الحديثة ونتائج الترصد الوبائي إلى وجود إشارات تستدعي الانتباه وتعزيز التدخلات الوقائية بشكل عاجل، لا سيما في ما يتعلق ببعض الأمراض المعدية ذات الحساسية الموسمية أو المرتبطة بعوامل بيئية وسلوكية.
فعلى صعيد حمى الضنك، تُظهر البيانات أن السلطنة تدخل حاليًا فترة ترتفع فيها مخاطر التفشي، خاصة بعد الأمطار الأخيرة التي أسهمت في زيادة أماكن توالد البعوض الناقل للمرض. ومع اقتراب الموسم المتوقع لارتفاع الحالات، فإن المؤشرات مثل ارتفاع إيجابية المصائد وتوسع انتشار البعوض في المناطق الحضرية تعزز الحاجة إلى تكثيف أعمال المكافحة، وإزالة مواقع تجمع المياه، ورفع مستوى الوعي المجتمعي حول سبل الوقاية.
وفيما يخص مرض البروسيلا (الحمى المالطية)، فقد لوحظت زيادة في عدد الحالات المبلغ عنها في بعض المناطق، وهو ما يرتبط غالبًا بالممارسات المرتبطة بتربية المواشي واستهلاك منتجات حيوانية غير مبسترة. ورغم أن المرض يخضع لنظام ترصد مستمر، إلا أن هذه الزيادة تستدعي تعزيز التوعية الصحية، خاصة للفئات الأكثر عرضة، وتشديد الرقابة على سلامة الغذاء، إلى جانب دعم الجهود البيطرية ضمن نهج 'الصحة الواحدة'.
وأن أنظمة الترصد تعمل بكفاءة في الكشف المبكر عن المخاطر الصحية، إلا أن الاستجابة الفعالة تتطلب تكاملًا بين الجهود الحكومية والمجتمعية، مع التركيز على الوقاية، والتوعية، والتدخل المبكر للحد من احتمالية حدوث تفشيات.
• ما أبرز الجهود الحالية لتعزيز برامج التطعيم ضد الأمراض السارية؟
الوزير: تلتزم سلطنة عمان بنهج وقائي متقدم يركز على حماية المجتمع من الأمراض السارية، من خلال التكامل بين التوعية، والتقنيات الحديثة، والتغطية الشاملة بالتطعيم، بما يعزز الأمن الصحي الوطني ويواكب التوجهات العالمية في الصحة العامة، وتواصل السلطنة جهودها الحثيثة لتعزيز برامج التطعيم ضد الأمراض المعدية ضمن منظومة صحية متكاملة تعتمد على الوقاية والاستجابة المبكرة، بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية في الصحة العامة، وذلك عبر تطوير البرامج الوطنية للتحصين لجميع الفئات المستهدفة، وإدراج لقاحات جديدة وفق الوضع الوبائي والمستجدات العلمية والتوصيات الدولية، بما يسهم في تعزيز الوقاية من الأمراض السارية ورفع مستوى الحماية الصحية للمجتمع، خاصة بين الفئات الأكثر عرضة مثل الأطفال وطلبة المدارس والحوامل ومقدمي الخدمة في الصفوف الأمامية وغيرها من الفئات المستهدفة.
وعمل حملات تطعيم عند حدوث فاشيات بأحد الأمراض المعدية وتطوير الاستراتيجيات الوطنية للاستجابة السريعة أثناء حدوث الفاشيات، وتعزيز الترصد الوبائي والأنظمة الرقمية من خلال تطوير أنظمة الترصد والتبليغ الإلكتروني للأمراض المعدية المشمولة بالتحصين، وربط البيانات الصحية لتحسين سرعة الاستجابة واتخاذ القرار، بالإضافة إلى تدريب وتأهيل الكوادر الصحية على أحدث الممارسات في مجال التحصين والتواصل الصحي الفعّال، وضمان استدامة توفر اللقاحات وجودة الخدمات بالحرص على توفير اللقاحات بشكل مستمر في جميع المؤسسات الصحية، مع تطبيق أعلى معايير الجودة والسلامة في تقديم خدمات التطعيم.
كما أن تعزيز الوعي بأهمية اللقاحات في سلطنة عمان يتطلب عملًا تكامليًا مستدامًا يركز على التثقيف، وبناء الثقة، وضمان جودة الخدمات، وتحقيق الشراكة المجتمعية بما ينعكس إيجابًا على صحة المجتمع ويعزز الوقاية من الأمراض. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تنفيذ حملات توعوية وتثقيفية متعددة اللغات وبصورة مستمرة تستهدف مختلف فئات المجتمع عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وتصحيح المعلومات المغلوطة والتصدي للشائعات وتوفير محتوى علمي مبني على الأدلة العلمية، وتطوير مهارات الكوادر الصحية على مهارات التواصل الفعّال مع المجتمع، بما يعزز الثقة ويشجع على اتخاذ قرارات صحية مبنية على المعرفة، وتعزيز الشراكات المجتمعية والتعاون مع المؤسسات الحكومية والخاصة، والجمعيات الأهلية، وقادة المجتمع، وتوظيف التقنيات الحديثة والاستفادة من المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية.
قوائم الانتظار
• رغم التطور الملحوظ، لا يزال هناك تذمر من طول فترات الانتظار، فأين يكمن الخلل؟
وزير الصحة: موضوع فترات الانتظار يظل تحديًا عالميًا حتى في الأنظمة المتقدمة. وما نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لارتفاع الوعي الصحي وزيادة الطلب على الخدمات، بالتوازي مع توسع وتطور المنظومة، فالخلل لا يمكن اختزاله في جانب واحد، بل هو مزيج من عدة عوامل، أهمها إدارة الطلب، وكفاءة تدفق المرضى داخل المنشآت، إضافة إلى الحاجة لتعزيز دور الرعاية الأولية في توجيه الحالات بشكل أكثر فاعلية. في المقابل، هناك جهود مستمرة لمعالجة هذه التحديات من خلال تحسين أنظمة المواعيد، وتبسيط الإجراءات، والاستفادة من الحلول الرقمية، بما يضمن تحقيق توازن أفضل بين جودة الخدمة وسرعة الوصول إليها.
• هل ترون أن مستوى الشفافية في نشر مؤشرات الأداء الصحي كاف؟
معالي الوزير: التوجه الحالي يركز على الشفافية الداخلية أولًا؛ وصولًا إلى بيانات صناع القرار والفرق الطبية للبدء بالإصلاح الفوري. بمجرد وصول هذه المنظومة إلى مرحلة النضج الرقمي الكامل، يصبح الانتقال إلى 'الشفافية العامة' خطوة طبيعية وتلقائية.
فالشفافية تتطلب 'لغة موحدة'. وحاليًا، تعمل الأنظمة الصحية على توحيد آليات رصد المؤشرات بين مختلف المؤسسات لضمان أن تكون المقارنات عادلة. والنشر قبل اكتمال هذا الربط التقني قد يعطي بيانات متباينة لا تخدم صنع القرار.
والعمل على حماية سياق البيانات فالمؤشرات الصحية معقدة بطبيعتها؛ فمثلًا، ارتفاع نسبة الوفيات في مستشفى معين قد لا يعكس ضعف الجودة، بل يعكس حقيقة أنه المستشفى المرجعي الذي يستقبل الحالات الأكثر تعقيدًا وخطورة. النشر دون 'تفسير سياقي' دقيق قد يؤدي إلى رسم صورة ذهنية غير عادلة تؤثر على ثقة المريض في مؤسسة حيوية. كما أن أمن البيانات يمثل عنصرًا أساسيًا في المنظومة الصحية، ويتركز على ضمان دقة البيانات وسلامتها، وتنظيم الوصول إليها وفق أطر حوكمة واضحة. ويتم العمل حاليًا على تعزيز الأنظمة والسياسات بما يتماشى مع أفضل الممارسات، لضمان بيئة بيانات موثوقة تدعم اتخاذ القرار والتوسع في الحلول الرقمية.
العلاج في الخارج
• لماذا يلجأ بعض المواطنين للعلاج في الخارج رغم توفر الخدمات محليًا؟
معالي الوزير: من أبرز الدوافع هي التخصصات الدقيقة أو النادرة، وتوفر المعدات الحديثة، وسرعة الحصول على العلاج نتيجة ضغط قوائم الانتظار، مما يدفع المرضى للبحث عن علاج أسرع في الخارج، ورغبة بعض المرضى بالعلاج في مراكز دولية معروفة بخبرتها الواسعة في الإجراءات الطبية أو الجراحية، والحاجة إلى تقييم متعدد التخصصات في بعض الحالات المعقدة.
وتسعى الوزارة حاليًا إلى معالجة هذه الحالات من خلال: تقليص قوائم الانتظار وتوفير أغلب الأجهزة اللازمة محليًا، والتخطيط لتوطين الخدمات بحيث يتم استقطاب أغلب الخدمات الطبية إلى السلطنة بالإضافة إلى خدمة الطبيب الزائر لتغطية الحاجة إلى كوادر مهيأة ومتخصصة عند الضرورة، وتطوير الكوادر الوطنية في مجال العلاجات الدقيقة من خلال التأهيل، والتدريب، والتعليم المستمر، وتنفيذ برامج تدريب داخلي وخارجي لأطباء السلطنة بهدف رفع مستوى الخبرة المحلية وتقليل الحاجة للعلاج بالخارج.
واستعرض تقرير إحصائي حول حالات الإيفاد بالخارج خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث انخفض العدد من 779 حالة في عام 2023م إلى 398 حالة في عام 2025م، في المقابل ارتفع عدد الحالات الموفدة للعلاج داخل السلطنة من 536 حالة في عام 2023م إلى 1417 حالة في عام 2025م. ويعكس هذا التوجه توفير معظم التخصصات والعلاجات داخل السلطنة، وتنامي تدريجي لخدمات القطاع الخاص في توفير خدمات حديثة ومتقدمة، خصوصًا في مجالات العلاج الطبيعي، كما يظهر تحول في نوع الحالات المرسلة للخارج نحو العلاجات الدقيقة والعلاج المتخصص، والتي تتطلب خبرة وتقنيات غير متوفرة محليًا أو ما زالت في طور التوطين.
وشهدت تكلفة الإرسال للعلاج بالخارج تزايدًا خلال السنوات الماضية، حيث بلغت تكلفة الإيفاد في السنوات الأخيرة ما يقارب 10 ملايين ريال عماني، ويرتبط ذلك بطبيعة حالات الإيفاد لعلاجات حديثة ذات تكلفة عالية، وقد استدعى إيفاد العديد من المرضى لهذه العلاجات.
الجاهزية للطوارئ والأوبئة
• ما مدى جاهزية القطاع للطوارئ والأوبئة؟ وهل تم تحديث خطط الاستجابة مؤخرًا؟
معالي الدكتور: تتمتع المنظومة الصحية في سلطنة عُمان بمستوى متقدم من الجاهزية للتعامل مع الطوارئ الصحية والأوبئة، نتيجة التطوير خلال السنوات الماضية والاستفادة من الدروس المستفادة من جائحة كوفيد-19، والتي أسهمت في تعزيز منظومة الأمن الصحي الوطني.
وقد شمل هذا التطوير تحديث وتكامل أنظمة الترصد الإلكتروني، والتوسع في تطبيق الترصد القائم على الحدث إلى جانب الترصد المبني على المؤشرات، بما يعزز الاكتشاف المبكر للمخاطر الصحية والاستجابة السريعة لها. كما تم تعزيز الجاهزية المخبرية من خلال تطوير المختبرات المرجعية وتزويدها بأحدث التقنيات، إلى جانب الاستثمار في بناء القدرات الوطنية عبر برامج تدريبية متخصصة.
وعلى الصعيد المؤسسي، تم إنشاء مركز وطني لمراقبة الأمراض والوقاية منها ليكون الجهة المرجعية في قيادة جهود الترصد والاستجابة، مع تعزيز التنسيق والتكامل بينه وبين المركز الوطني لإدارة الطوارئ والمخاطر الصحية، بما يضمن توحيد الجهود وتسريع اتخاذ القرار وإدارة الأحداث الصحية بكفاءة عالية.
وحول تطوير خطط الاستجابة، تعمل الوزارة على تحديث خطط الطوارئ الصحية بشكل دوري، وتنفذ تمارين محاكاة وطنية، وترفع الجاهزية التشغيلية لمختلف المستويات الصحية، بما يضمن الاستعداد لمواجهة مختلف السيناريوهات المحتملة، وتواصل التعاون الإقليمي والدولي لتبادل المعلومات ومواءمة السياسات مع المعايير العالمية.
توزيع الأطباء الجدد
• ما آلية توزيع الأطباء الجدد وتأثيرها على الكفاءة والحماس؟
معالي الدكتور: إن توزيع الأطباء لا يتم بصورة اجتهادية أو آنية، وإنما وفق منظومة مؤسسية محوكمة تستند إلى قرارات وزارية ومعايير موضوعية، تحقق التوازن بين احتياج الخدمة في المحافظات، وعدالة وشفافية المفاضلة، ومراعاة ظروف الطبيب بقدر ما تسمح به متطلبات الخدمة، فالعملية منظمة بقرارات وزارية، والمفاضلة تتم وفق معايير قابلة للقياس تشمل أقدمية التخرج، والخبرة العملية، والتعليم المستمر، وفترات التدريب أو المراقبة الإكلينيكية، إضافة إلى مقابلة تقييمية يُشترط فيها الحصول على حد أدنى للنجاح. وتؤخذ في الاعتبار الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والصحية والمكانية عند المفاضلة، بما يحقق قدرًا من التوازن بين مصلحة الخدمة وظروف المرشح.
أما فيما يتعلق بحماس الطبيب ودافعيته، فإن الآلية في جوهرها لا تضعف حماس الطبيب، بل تمنحه مسارًا واضحًا منذ البداية؛ فالمعايير معلنة، والمفاضلة قائمة على نقاط، والاحتياج الخدمي محدد، كما أن هناك مسارات لاحقة للنقل بعد استيفاء المدد والضوابط المعمول بها.
كما أن الوزارة تدرك تحديات العمل في بعض المحافظات، ولذلك اتخذت إجراءات داعمة في بعض المواقع ذات الطبيعة الخاصة، مثل توفير بعض الحوافز التنظيمية واللوجستية، بما يساعد على الاستبقاء وتحسين جودة الحياة المهنية للطبيب.
وأصبح تعزيز بيئة العمل والتطوير المهني من أولويات الوزارة، لأن جودة الخدمة الصحية تبدأ من جودة بيئة العمل واستقرار الكادر الصحي وتمكينه.
ولذلك تعمل الوزارة على مسارات متكاملة تشمل التنظيم المؤسسي، والتخطيط للقوى العاملة، والتدريب والتأهيل، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتحفيز التطوير المهني. وقد انتقلت الوزارة من مفهوم إدارة الكوادر إلى تمكينها، عبر هيكلة جديدة وخطط تأهيل مرتبطة بالاحتياج، وبيئة عمل تصون استقرار الكادر الصحي وتعزز من تمكينه وتطويره، فهذه هي المُدخل المباشر لجودة الخدمة وسلامة المريض.
كما تعمل الوزارة على ربط التدريب والتأهيل بالاحتياج الفعلي للمؤسسات الصحية، بحيث توجه فرص الدراسة والتدريب في التخصصات الطبية والصحية والإدارية وفق الاحتياجات الحالية والتوجهات المستقبلية للنظام الصحي، بما في ذلك التخصصات الدقيقة.
كما عززت الوزارة الإطار التنظيمي للتطوير المهني وأقرت حوافز في شأن ضوابط صرف بدل الاستدعاء والمناوبة للأطباء، ومسارات مفاضلة تكافئ التطوير المهني والإنتاج البحثي وتقويم الأداء وتنظيم التعاقب الوظيفي للفئات الوظيفية للفئات الطبية والفئات الطبية المساعدة في الوظائف الإشرافية والإدارية، وضوابط صرف مكافأة تشجيعية للمشاركين في الفعاليات العلمية الدولية، بحيث يصبح التطوير المهني مُحفزًا هيكليًا وبشكل مؤسسي وليس استجابة لطلبات أو حالات فردية.
وتوضح مؤشرات القوى العاملة متانة التخطيط، وقد انعكس ذلك في ارتفاع نسب التعمين في عدد من الفئات. ففي عام 2025م بلغت نسبة التعمين الإجمالية في الوزارة 71.1%، وبلغت في فئة التمريض 59%، وفي الفئات الطبية المساعدة 76%، وفي الصيدلة والهندسة الطبية الحيوية 97.7%، مع وصول بعض الفئات الداعمة والإدارية إلى نسب تعمين شبه مكتملة.
هذه الأرقام تعكس أن التمكين الوطني لا يتم بمعزل عن الاحتياج، بل من خلال إحلال وتطوير تدريجي يحافظ على جودة الخدمة واستمراريتها، وبالتالي نمت القوى العاملة الصحية بنسبة 18% من 37,732 موظفًا عام 2021 إلى 44,534 عام 2025، فيما بلغت ميزانية الوزارة لعام 2026 نحو مليار ريال عُماني.
وأثر هذه الجهود انعكس على جودة الخدمات وسلامة المرضى، فقد نال 19 مستشفى و7 مراكز صحية اعترافًا دوليًا كمؤسسات لسلامة المرضى ضمن مبادرات منظمة الصحة العالمية، وهذا لم يكن ليتحقق لولا وجود كوادر بشرية مؤهلة وقادرة على رفع جودة الخدمات الصحية وتطوير بيئة العمل وفق معايير عالمية.
• معاليك، كيف ترى كفاءة الطبيب العُماني مقارنةً بنظرائه ونقاط تميّزه؟
أكد الوزير: الطبيب العُماني هو نتاج منظومة إعداد وتأهيل ناضجة، تبدأ من التعليم الطبي، ثم التدريب السريري، وصولًا إلى برامج الاختصاص والزمالات والتدريب المتقدم.
وعند الحديث عن كفاءة الطبيب العُماني لا ينبغي أن يكون حديثًا انطباعيًا، بل حديثًا يستند إلى مؤشرات ملموسة في جودة الإعداد والتدريب والممارسة. عليه، إن كفاءة الطبيب العُماني نتيجة موثقة لمنظومة إعداد خاضعة لمعايير دولية، تجعله ندًا لنظرائه في أرقى المراكز الصحية وفي مختلف المستويات الوظيفية.
كما أن برامج التدريب بعد التخرج تُدار عبر المجلس العُماني للاختصاصات الطبية الذي يشرف على برامج تخصصية متعددة، حيث يضم نحو 535 طبيبًا مقيمًا وقرابة 600 عضو هيئة تدريب عبر ستة مراكز رئيسة، إضافة إلى إمكانية أن يقوم خريجو البرامج المعتمدة بالاعتماد التخصصي المتقدم، والتقدم لمقاعد الزمالة في أرقى المؤسسات الصحية العالمية، أي أن كفاءتهم معترف بها للالتحاق بأرقى مراكز التدريب الفائق دوليًا. كما أن الزمالات الخارجية موجهة وفق احتياجات المؤسسات الصحية، تُربط بتخصصات دقيقة تتوافق مع احتياجات القطاع، فهي استثمار مخطط في فجوات محددة.
فالقيمة الوطنية للطبيب العُماني لا تقتصر على كفاءته السريرية، فهو لا يمتلك المعرفة الطبية فقط، وإنما يفهم ثقافة المجتمع، واحتياجات المرضى، وطبيعة المؤسسات الصحية في السلطنة، وهذا عنصر مهم جدًا في جودة الرعاية وسلامة المريض واستمرارية العلاقة العلاجية، وتظهر ثمرة هذا الاستثمار في الكفاءات الوطنية من خلال قدرة الكفاءات الوطنية على تقديم خدمات نوعية ومتقدمة داخل السلطنة، والإسهام في تقليل الحاجة إلى الإحالة للخارج في عدد من الخدمات التخصصية، فضلًا عن مشاركتهم في برامج علاجية وجراحية متقدمة.
ومن أبرز الشواهد على ذلك ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من توطين خدمات كانت تحال سابقًا إلى الخارج، ومن بينها إجراء أول عملية زراعة قلب ناجحة خلال عام 2025، إلى جانب العديد من العمليات والإجراءات التخصصية المتقدمة التي نفذها أطباء عُمانيون تلقوا جزءًا أساسيًا من إعدادهم وتأهيلهم ضمن المنظومة الوطنية.
التحول الرقمي والتقنيات الحديثة
• كيف تنظر الوزارة إلى دور التكنولوجيا والتحول الرقمي في تطوير القطاع؟
الوزير: ينظر اليوم إلى التكنولوجيا والتحول الرقمي كركيزة أساسية لإعادة بناء المنظومة الصحية وتحويلها من نظام تقليدي يعتمد على الاستجابة للأمراض إلى نظام استباقي، وتنبؤي، ومرتكز حول المريض، مما يرفع من كفاءة المنظومة الصحية، بالإضافة إلى أنه لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتحقيق استدامة القطاع وتحسين جودة الحياة، ولذلك قامت الوزارة بمشاركة مختلف الجهات في القطاع الصحي بتجهيز الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية لتكون خارطة طريق ترسم معالم التحول الرقمي بالقطاع الصحي في السنوات القادمة بأحدث السياسات والأطر المنظمة لذلك.
وتستهدف الرؤية الحديثة العديد من المحاور أبرزها تحسين دقة التشخيص والطب الشخصي، فالذكاء الاصطناعي يُستخدم كأداة تشخيصية فائقة السرعة لتحليل الصور الطبية واكتشاف أمراض مثل السرطان بدقة تتجاوز الطرق التقليدية، والطب الرقمي يُمكّن الأطباء من تقديم علاجات مخصصة بناءً على البيانات الضخمة والملفات الجينية، مما يقلل من احتمالات الخطأ الطبي.
والعمل على تعزيز كفاءة العمليات والاستدامة عبر إدارة الموارد ومساهمة الأنظمة الرقمية في تتبع الأجهزة الطبية الحساسة، وإدارة المخزون، وتقليل الهدر المالي والزمني، بالإضافة إلى بناء منشآت تعتمد على الأتمتة الكاملة في جدولة المرضى وإدارة العمليات الجراحية الروبوتية، إلى جانب توسيع نطاق الوصول للرعاية والتطبيب عن بُعد، حيث أصبحت الاستشارات الافتراضية حلًا جذريًا للوصول إلى المرضى في المناطق النائية وتقليل الضغط على أقسام الطوارئ.
ويتم حاليًا استكمال تطوير الخدمات بالمركز الوطني للصحة الافتراضية الذي سيتم تدشينه رسميًا قريبًا ويعتبر نقلة نوعية في تعزيز الخدمات الصحية وتعزيز العدالة في الحصول على الخدمات ذات الجودة العالية.
كما سيقدم المركز استشارة افتراضية عن بُعد بأحدث التقنيات، مما يقلل من الحاجة للزيارات الحضورية بنسبة كبيرة وسهولة الوصول للخدمات الطبية للجميع. والاستراتيجيات الوطنية للصحة الرقمية وما تمثل من إطار وسياسات ستساهم في رفع كفاءة المنظومة الصحية وتقديم خدمات استباقية، ومبادرة الصحة الشاملة (مثل تطبيق 'شفاء') التي تتيح حجز المواعيد إلكترونيًا، والوصول إلى السجلات الطبية، وتقليل الوقت المهدر في الإجراءات الإدارية، وأنظمة دعم القرار السريري (CDSS) كأدوات رقمية تدمج بيانات المريض مع قواعد معرفية طبية لتنبيه الأطباء بالتداخلات الدوائية وتقليل الأخطاء الطبية.
• كيف تسهم المبادرات الرقمية الحالية في تحسين كفاءة الخدمات؟
معالي الدكتور: تؤثر المبادرات بشكل مباشر على جودة الخدمة من خلال تحسين الكفاءة التشغيلية وأتمتة المهام وتقليل الوقت المستغرق في التوثيق والجدولة، مما يرفع حجم المرضى الذين يمكن خدمتهم. وإدارة الموارد بتحسين تتبع المخزون الطبي وسلاسل التوريد لضمان توفر الأدوية والمستلزمات، والعمل على تقليل التكاليف بخفض النفقات التشغيلية للمؤسسات وتكاليف التنقل للمرضى. إلى جانب تعزيز سهولة الوصول بتجاوز الحواجز الجغرافية وتوفير الاستشارات التخصصية للمناطق النائية عبر منصات الطب الاتصالي، والتشخيص المبكر عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية (مثل شبكية العين والأشعة) عن بُعد، مما يسرع البدء في العلاج، والتمكين الذاتي للمريض باستخدام الأجهزة القابلة للارتداء لمراقبة الأمراض المزمنة (مثل السكري والضغط) من المنزل، مما يقلل زيارات الطوارئ غير الضرورية بنسبة تصل إلى 50%.


الاستثمار والمشاريع الصحية
• ما أبرز المشاريع الصحية الجاري تنفيذها حاليا في مختلف المحافظات؟
معالي الدكتور: تشهد مختلف المحافظات تنفيذ حزمة من المشاريع الصحية الاستراتيجية، ومستشفيات في مرحلة الإنشاء مثل مستشفى النماء بمحافظة شمال الشرقية، ومستشفى سمائل بمحافظة الداخلية، ومستشفى الفلاح بمحافظة جنوب الشرقية ومستشفى السلطان قابوس بمحافظة ظفار، إضافة إلى مشاريع أخرى في مراحل استشارية هندسية مثل مستشفى ضلكوت بمحافظة ظفار، ومستشفى الدقم بمحافظة الوسطى، ومستشفى ينقل بمحافظة الظاهرة، ومستشفى بهلا بمحافظة الداخلية. كما تشمل المشاريع توسعة المجمعات الصحية، وإنشاء مراكز صحية جديدة، إلى جانب تطوير خدمات تخصصية مثل وحدات غسيل الكلى، وإنشاء مرافق داعمة كالمخازن الإقليمية.
وهناك توجه للتوسع في إنشاء المراكز التخصصية، مثل مستشفى السيب المرجعي والمركز الوطني لصحة المرأة والطفل بمدينة السلطان هيثم بمحافظة مسقط، والمركز الوطني لطب العيون، والمركز الوطني للتأهيل، والمركز الوطني للجينوم والمركز الوطني لطب الأسنان وجراحة الفم والوجه والفكين.
وتشتمل الخطة الخمسية الحادية عشرة (2062-2030) على عدد المشاريع الصحية المقترحة والتوسع في مبادرات الرعاية المجتمعية مثل بيوت التعافي، حيث يتم إعداد هذه المقترحات وفق آلية تخطيطية ومنهجية معتمدة تستند إلى تحليل الاحتياج الصحي بمختلف المحافظات، وهذا التوجه يعكس تحولًا نحو تقديم خدمات صحية أكثر تخصصًا وتكاملًا، بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية.
وتخضع هذه المقترحات للمراجعة وإعادة التقييم بشكل سنوي ويتم رفع هذه الأولويات سنويًا إلى وزارة الاقتصاد لدراستها ثم تُرفع المشاريع ذات الأولوية إلى وزارة المالية للنظر في اعتمادها وفق الإجراءات والاعتمادات المالية.


وبالتالي تظل هذه المشاريع مشاريع مقترحة حتى تعتمدها وزارة المالية ومن ثم يتم البدء بمراحل الاستشارات الهندسية والإنشاء وتشغيل المشروع بصورته النهائية.
• كيف تدعم الوزارة الاستثمار وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص؟
معالي الوزير: تعمل الوزارة على تمكين الاستثمار الصحي من خلال التخطيط الاستباقي وتكامل السياسات وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة وشفافة، عبر دائرة تمكين الاستثمار، بالشراكة مع القطاع الخاص بما يخدم الأمن الصحي والأمن الدوائي، حيث عملت الوزارة على تنفيذ حزمة متكاملة من الإجراءات التمكينية للاستثمار بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، استهدفت هذه الإجراءات التمكينية: تهيئة بيئة جاذبة ومستقرة للصناعات الطبية والدوائية، من خلال تعزيز جاهزية المنظومة الرقابية وفق المعايير الدولية، وتوظيف الاتفاقيات ومذكرات التعاون الدولية لنقل المعرفة والتقنيات وبناء القدرات الوطنية.
كما شملت هذه الجهود إعداد الاستراتيجيات الوطنية للصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية، ودعم توطين الصناعات وتعزيز الأمن الدوائي، ورفع الجاهزية التنظيمية للانتقال إلى مستويات نضج متقدمة، إلى جانب تحديث سياسات الشراء والحوافز، واعتماد الشراء المسبق والأفضلية السعرية للمنتج المحلي، وتسهيل إجراءات تسجيل المنتجات وتحديث قوانين الملكية الفكرية، وتنظيم الموافقات الفنية لترخيص المصانع.
كذلك عملت الوزارة على تطوير البنية الرقمية والربط الإلكتروني بين الجهات ذات العلاقة، من خلال مشروع إعادة هندسة الخدمات الإلكترونية وربط قواعد البيانات ذات العلاقة، وتطبيق أرقام الترميز الجمركي للأدوية والأجهزة الطبية، والعمل على إعداد ترميز جمركي شامل لجميع المواد الخام والمدخلات الصناعية. وتشجيع الخدمات الاستشارية المتخصصة، وتنفيذ المسوح الصناعية، وتخصيص مجمعات صناعية للصناعات الدوائية، بما يسهم في رفع تنافسية القطاع، وتحسين تجربة المستثمر، وضمان استدامة ونمو الاستثمارات الطبية في سلطنة عُمان.
وتعمل الوزارة على التوسع في تطبيق نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال اعتماد نماذج تعاقدية مرنة ومناسبة للخصوصية الاقتصادية والتنظيمية في سلطنة عُمان، بما يتيح الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص، ونقل المعرفة، وتحسين جودة الخدمات الصحية، وتعزيز الاستدامة المالية والتشغيلية للمشروعات الصحية ذات الطابع الاستراتيجي.
وفي إطار توجه وزارة الصحة نحو تعظيم كفاءة الموارد وتعزيز جودة واستدامة الخدمات الصحية، تواصل الوزارة تنفيذ عدد من مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) بوصفها أداة استراتيجية لتطوير البنية الصحية، واستقطاب الخبرات والاستثمارات النوعية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمستفيدين.
ومن أبرز نماذج الشراكة مشروع مركز التعافي بصحار الذي بدأ استقبال المستفيدين في ديسمبر 2025 بعقد شراكة استراتيجية لمدة اثني عشر عاما، حيث بلغت القيمة الاستثمارية للمشروع نحو 29 مليون ريال عُماني وبسعة تشغيلية تبلغ 30 سريرًا لخدمات التأهيل و25 سريرًا لإزالة السموم، بما يسهم في تلبية الطلب المتنامي على خدمات العلاج والتأهيل المتخصصة.
وهناك مشاريع قيد الإنشاء والتنفيذ هي المشاريع الصناعية التي تم اعتمادها والبدء في تنفيذها فعليًا، وتشمل مراحل الإنشاء والتجهيز وتركيب المعدات واستكمال المتطلبات التنظيمية والفنية، دون أن تكون قد دخلت بعد مرحلة التشغيل أو الإنتاج التجاري الكامل، ويوجد نحو (18) مشروعًا صناعيًا في مراحل الإنشاء والتنفيذ، تشمل (11) مصانع أدوية، و(1) مصانع مواد خام دوائية، و(6) مصانع مستلزمات وأجهزة طبية.
وتخضع هذه المشاريع لمراحل تنظيمية وفنية متكاملة تبدأ بالإنشاء، مرورًا بتركيب المعدات، والتشغيل التجريبي، واستيفاء متطلبات ممارسات التصنيع الجيد، وصولًا إلى التشغيل التجاري. ويتركز التوزيع الجغرافي لهذه المشاريع في محافظتي شمال وجنوب الباطنة، تليهما محافظة الداخلية، إضافة إلى مشاريع في مسقط، بما يعزز التكامل الصناعي والتنمية المتوازنة.
أما مشاريع الشراكة فأبرزها مشروع شركة التقنيات الصحية الذي وقعته وزارة الصحة مع مجموعة إذكاء بهدف تطوير التقنيات الصحية، على أن يبدأ العمل بتطوير نظام المعلومات الصحية (الشفاء)، إضافة إلى تعزيز منظومة الرعاية الصحية عبر توظيف أحدث التقنيات الرقمية. وسيتم تنفيذ هذه المبادرات من خلال إنشاء كيان جديد مخصص لتنفيذ مشاريع الصحة الرقمية وفق نموذج تجاري مستدام.
ومشروع سلاسل الإمداد الدوائية يهدف إلى تطوير منظومة متكاملة لسلاسل الإمداد الدوائية وتعزيز الأمن الدوائي الوطني، حاليا جاري العمل على دراسة الخيارات المتاحة واختيار النموذج الأنسب للتنفيذ.
ومشروع مصنع النظائر المشعة والصيدلية النووية يهدف إلى إنشاء منشأة متخصصة لتصنيع النظائر المشعة من خلال عقد شراء خدمة، ويتضمن المشروع إنشاء معجّل نووي جديد بطاقة إنتاجية قادرة على تغطية الاحتياج الفعلي في سلطنة عمان وتجاوزه، تم الحصول على موافقة مجلس الوزراء على تنفيذ المشروع من خلال الإسناد المباشر، على أن تتولى وزارة الصحة تنفيذ الإجراءات المتعلقة بالمشروع.
ومشروع الغرف الخاصة في المستشفى السلطاني عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص بنظام البناء والتملك والتشغيل والنقل، ليضم نحو ٩٦ غرفة، للارتقاء بتجربة المرضى من خلال توفير بيئة علاجية أكثر خصوصية وراحة، وتلبية الطلب المتزايد على هذا النوع من الخدمات.
ومشروع تطوير الخدمات التشخيصية (الأشعة) الذي يهدف إلى تحديث وتطوير المراكز القائمة في مرافق الرعاية الصحية الأولية والثانوية والثالثية في محافظات مسقط، شمال الباطنة، وجنوب الباطنة، إضافة إلى تشغيل وصيانة البنية التحتية الداعمة، بما يسهم في تحسين كفاءة الخدمات التشخيصية.
كما تعمل وزارة الصحة، بالتعاون مع منصة 'استثمر في عُمان'، على تأطير وترويج عدد من الفرص الاستثمارية في القطاع الصحي، والتي تم إعدادها وفق أولويات القطاع واحتياجاته المستقبلية.
ومن أبرز هذه الفرص الاستثمارية، مركز الكشف المبكر يهدف إلى إنشاء مركز متخصص للفحوصات الوقائية والكشف المبكر عن الأمراض، بما يشمل الفحوصات الجينية المتقدمة وفحوصات الأمراض غير المعدية، بما يسهم في تعزيز الوقاية وتقليل الأعباء الصحية على المدى الطويل، ومستشفى خدمات إعادة التأهيل يهدف إلى تقديم خدمات إعادة التأهيل الطبي المتكاملة، بما في ذلك العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، وعلاج النطق، وخدمات الأطراف الصناعية، بما يسهم في تحسين جودة الحياة للمرضى وتقليل فترات الإقامة في المستشفيات.