أعمدة

عمليات تطهير..

تتقاسمنا مجموعة من النزاعات الذاتية؛ فتذهب بنا بعيدا عما يتوقعه الآخرون منا، مع أن الآخرين هم أيضا يمرون بالمعترك الذاتي نفسه، ولكن من طبيعة البشر نسيان حقيقة ما هو عليه من حالة مرتبكة، ويذهب بعيدا إلى الآخر، ليملي عليه مجموعة من الممارسات الخاطئة؛ هل ليبرئ نفسه؟ أم ليتناسى حقيقة نفسه؟ كل ذلك وارد، ولكن مع ذلك كله، وهب الله الإنسان القدرة على أن يقوم بعمليات تطهير ذاتية، لحظية «صناة اللحظة» أو يومية؛ عندما يتسع المجال قليلا، أو فترية؛ عندما تتأصل تجربته أكثر وأكثر، والمهم في هذه العمليات التطهيرية أنها تعيد الإنسان إلى حيث فطرته الأولى؛ إلى محاضن طفولته،

عندما لا يحمل بين جنباته بعد شيئا من الشح؛ من الحسد؛ من الأنانية؛ من الحقد؛ من الطمع؛ من مجسات النفس الذاهبة إلى التأثير على فطرته السليمة، ومع أن عمليات التطهير هذه موقوتة بظروف الإنسان ذاته -صفاء النفس أو كدرها- إلا أنها تظل مهمة جدا ليبقى الوجه الإنساني في الحياة مشرقا، وباهيا، وتكسوه النضارة إلى حد بعيد.

هل نخضع جميعنا لعمليات تطهير مستمرة، ووفق هذه الرؤية، بغض النظر عن مجموعة الظروف البيئة المحيطة بنا؛ فهناك في مكان ما بيئات حرب،

وفي مكان آخر بيئات فقر؛ وفي مكان ثالث بيئات تسلط سواء تسلط وجاهي؛ أو مالي؛ أو منصب؛ وفي مكان رابع بيئات تسلط جماعات مسلحة خارجة عن حاضنة القانون؟ أيضا؛ هل تحدث عمليات التطهير بإرادتنا الخالصة الخالصة؛ أم أن الأمر فارض نفسه بحكم الخوف من أمر ما؛ أو ترقب نتيجة ما؛ أو مستقبل ما؟ هل هي لحظات ضعف نقع فيها انعكاسا لموقف؛ لحادثة؟ هل لنمو العمر وتجربة الحياة دور في ذلك؟

تتدافع هذه الأسئلة؛ ليس لأن الصورة غير واضحة، ولكن لأن الناس متفاوتون في عمليات التطهير هذه، وهذا التفاوت تحكمه مجموعة من المؤثرات؛ بعضها: بفعل الفطرة، وبعضها بفعل المواقف الصادمة، وأخرى بفعل الوصول إلى قناعات معينة، وهي القناعات التي تلهم صاحبها أن لا مجال أوسع من ذلك، وعليك العودة إلى حيث الفطرة السليمة، والمسألة برمتها تذهب إلى ذلك الحوار الذاتي «المنولوجي» بين الإنسان ونفسه،

ومن ثم تظهر للعلن؛ كإعلان مبادئ يقرها الإنسان نفسه على نفسه، ويؤمن بها ويدافع عنها، ولذلك فلا عجب إطلاقا أن ترى فلانا من الناس وقد تغيرت سلوكياته على درجة مساحتها (36) درجة، فهذا تعرض لعمليات تطهير ذاتية قاسية أوصلته إلى هذا المستوى من السلوك السوي،

ولا تعجب كذلك إن رأيت شحيحا وذا مال وفير؛ وقد أطلق كلتا يديه للفئات المختلفة من المحتاجين، وآخر وجد نفسه في وسط إصلاح ذات البين، وثالث اختزل تسلطه وجبروته على امتداد مساحات التواضع، ورابع وجد بين زوايا المسجد الأربع المكان الذي أطبق عليه شآبيب الرحمة والصفاء الذاتي، وخامس تضاءلت أمامه جميع الصور الاحتفالية المبهرة في الحياة؛ فبدأ في احتساب خطواته المهرولة؛ حيث العودة إلى كثير من الهدوء.

لا شك؛ إن الأنا تمثل مركز كل العمليات الإنسانية التي نقوم بها، والأنا هي الأخرى التي يحتكم عليها في الزج بصاحبها إلى متون البيئات الموحلة في الذنب، أو الارتقاء بصاحبها إلى سماوات الفطر المشرقة بالمغفرة، وفي كلا الأحوال تحتاج المسألة في كلا الاتجاهين إلى إرادة من الإنسان نفسه، فكما الشر يحدث بإرادته،

كذلك الخير يحدث بإرادته، وهذه الإرادة ذاتها لا بد أن تصطدم بحاجز يعيد إليها ترتيب حياتها من جديد، ولذلك قيل: «لولا ثلاثة؛ لما طأطأ الإنسان هامته: الفقر والمرض والموت» فهذه الأعمدة المادية الثلاثة تعمل على تهذيب النفس فتطهر صاحبها، وتؤثر فيه أكثر من النصائح التي يقرأها في الكتب، ويسمعها من الناس؛ طوال حياته التي يبلغ فيها مرحلة العتي من العمر، والمهم في كل ذلك أن نتيح لأنفسنا الفرصة لعمليات التطهير هذه، فالمكابرة على الخطأ، أو القفز على مراحل عمليات التطهير؛ تجعل أنفسنا أكثر صحراوية، وإن تمظهرنا بأحسن الثياب، وبأنمق العبارات الرنانة.