أصحاب المصالح كـ"المظلة" يختفون بمجرد تحسن الطقس
الجمعة / 6 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:04 - الجمعة 18 سبتمبر 2026 19:04
في البدء احترت كثيرا في اختيار الكلمة التي يمكن أن تنطبق على الأشخاص الذين تجمعهم حولنا ' المصلحة' ثم يتفرقون بعد انقضائها.
لنتفق على أنهم ليسوا أشخاصًا 'عاطفيين أو متضامين' مع ضحاياهم، وليسوا كما نتصور بانهم 'أصدقاء مخلصين' عندما يتوددون إلينا، وحتى لا يمكننا تسميتهم بـ'أصدقاء' لأن رباط الصداقة مقدس وأسمى من الناحية الإنسانية، فقدسية الأرواح لا تلوثها أيادي الغدر والخيانة والخذلان أو ترمى مخلفات قلة الأصل على الظروف، فالأشخاص الصادقون مع أنفسهم أولا والآخرين معدنهم النقي لا يعتريه الصدأ حتى لو توالت عليه السنون وعصفت به الأقدار.
عندما يتقلد أحد من الأقرباء منصبًا دنيويا رفيعا نفرح له وندعو الله أن يوفق في عمله، لكن خوفنا يتجاوز عتبات الفرح في بعض المرات، ومرجع ذلك هو ما يخبرنا عنه الواقع في أمرين: الأول البعض يغير جلدته بمجرد جلوسه على كرسي المسؤولية منذ اللحظة الأولى، والثاني: يزاد الأمر سوءًا وتعقيدا إذا التف حوله بطانة سيئة لا ترحم الصغير ولا توقر الكبير، ولا تراعي إلا مصالحها الخاصة!.
أضحكني تشبيه الكاتب الراحل جبران خليل جبران عندما تعرض إلى أصحاب المصلحة فهو ينصحنا بقوله: 'لا تطلق مسمى الصداقة على كل عابر يمر بحياتك، فصديق المصلحة كالمظلة، يختفي بمجرد أن يتحسن الطقس'.
'رفقاء الطرقات' ليسوا جميعهم أصدقاء لنا، كذلك 'زملاء العمل' ليسوا أيضا بأصدقاء يظلون على تواصل معنا حتى النهايات، باختصارٍ هم 'رفقاء مرحلة' ثم يندثرون أمامنا بمجرد قرب مدة انتهاء صلاحية إقامتنا في العمل، الصداقة أعمق بكثير من أي لفظ نسمعه، أو قول يتشدق به البعض، فالمصلحة هي من تجمع 'ذباب الأرض' حول الجيف الميتة، وهي تعرف متى تبدأ ومتى تنتهي من مصلحتها.
بعضنا بمجرد أن يهبط من مكانه الذي كان فيه، ينادي منادي بالنفرة من حوله، واعتباره شخصا لا فائدة ترتجى منه !.
وهذا يشبه تماما مرحلة التحلل الذاتي للجثث البشرية التي تغادرها الأرواح، الجسد لا قيمة له بعد الموت، ويصبح هدفا سهلا لكل الطامعين من الكائنات الحية التي تتغذى على الفرائس.
هذا هو أدق تشبيه يفعله ' أصحاب المصالح'،الذين يكشرون عن أنيابهم، ويغرسون مخالبهم في أجساد لم تصنع لهم مكروها أو ترفض لهم طلبا، لكن كل الخطأ الذي ارتكبته هو أنها صدقتهم وكذبت كل الشكوك والظنون بأنهم مجرد ظل سيغادر المكان بعد حين.
لا تعتقد يوما بأن من جمعتهم المصالح في مكان، هم أشخاص سذج أو غافلون أو مغامرون بعلاقاتهم، إنما يعرفون من أين تؤكل الكتف، عندما يعتلي شخص في منصبه، يتجمعون حوله ويحفونه باهتمام بالغ لدرجة أنه يعتقد أشياء لا تصدق.
يرى نفسه مختلفا عن بقية البشر، فالإطراء المبالغ فيه والاهتمام الذي يلقاه تجعله يدخل في عالم الأوهام.
هذه الحالة تجعله لا يعي أنه مجرد ورقة قابعة على غصن شجرة، ما أن تصفر حتى تسقط على الأرض لتذروها الرياح نحو البعيد.
بحسب ما قرأت حول مصير العلاقات القائمة على المصلحة وجدت أن من أجمل وأعمق ما قاله الفلاسفة والأدباء عن 'رفقاء المصلحة' مقولة قالها الفيلسوف اليوناني أرسطو:' أولئك الذين يحبون من أجل المنفعة، لا يحبون الشخص لذاته، بل لما يحصلون عليه منه من فائدة. لذلك، عندما تنتهي المصلحة، تنتهي الصداقة'.