بريد القراء

مَن الذي يتجسس على عقولنا؟!

 

قبل الشروع في كتابة هذا المقال، جال في لب عقلي أن أتحدث عن فزاعة الغرب والشرق أو بما تسمى «نظرية المؤامرة»، وكيف يمكن أن أطبقها على بعض الأشياء التي ترافقنا في مجالات حياتنا.


لكن سرعان ما تغير الاتجاه نحو الحديث عن علم له أهمية عظمى في استقاء المعلومات وجمع البيانات وتحديد الأهداف بدقة، إنه عالم «الجاسوسية» وتاريخها الطويل وشخصياتها على امتداد الزمن.


لقد قدم لنا الفن السابع العديد من الأفلام المتخصصة في شأن «الجاسوسية»، بالتزامن كذلك مع صدور العديد من الكتب التي تحدثت عن أبطال خارقين ومتخفين، كُتبت من سجلات الواقع وليست من الخيال الأدبي أو العلمي، وأتذكر أن أحد الكتب التي وقعت بين يدي كان عنوانه «العملية هيبرون»، وهو يحاكي صراع الاستخبارات بين أمريكا وإسرائيل، لكنني لم أكن أميل في تلك الفترة إلى هذه النوعية من الكتب، لذا لم أتعمق كثيرًا في القراءة أو أجد شغفًا في متابعته.


الجاسوسية تعد مهنة لها ارتباط وطيد بعالم الظلال والأسرار، وليست مجرد عمل استخباراتي يقوم به جهاز ما بهدف جمع المعلومات وتحليلها لمصلحة الدولة أو المؤسسات التابعة لها، وإنما هو أعمق من ذلك بكثير، كونه فنًا تتداخل فيه مجموعة من العناصر المهمة مثل: الذكاء، والتخفي، والقدرة على التكيف مع أخطر المواقف.


وبما أن هذا المجال بحره واسع ويحتاج إلى خبراء ومختصين للحديث عنه، فإن ما يشغل عقولنا أقل من ذلك بكثير، فربما سؤال وجيه يطرق أبواب العقل مفاده: هل هواتفنا الذكية تتجسس علينا؟
مرجعية السؤال تأتي بعد أن تفاجأت، وبشكل متكرر، بظهور إعلان أو مقطع مصور دعائي على أحد تطبيقات الهاتف، كنت قد تحدثت عنه بين أفراد عائلتي أو بعض أصدقائي في مجال العمل أو حتى في المقهى، وتكرر الأمر عدة مرات!


بالفطرة الإنسانية، من الطبيعي جدًا أن تشعر بالغرابة والدهشة، وربما يتعدى ذلك إلى الشعور بالخوف، خاصة عندما تجد منشورات أو فيديوهات على منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي تتطابق تمامًا مع ما كنت تفكر فيه أو تتحدث عنه قبل قليل!


عندما نجالس بعض المختصين في عالم الحاسوب وتقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي، نسمع منهم كلمة «الخوارزميات»، هي المتهم الأول والأخير في حدوث هذه الحالة الغريبة، ولكن الكثير منا لا يعرف عنها الكثير، وربما يكون الحديث تقنيًا أكثر من كونه تفسيرًا واضحًا وسلسًا يمكن أن نتدخل في إضافة بعض النقاط إلى المتحدث عنه.


عندما عدت إلى البيت، أول ما قمت به هو البحث عن معنى الكلمة، فوجدت تعريفات عدة، أبرزها أن «الخوارزميات هي مجموعة من التعليمات والخطوات الرياضية والمنطقية المتسلسلة والمحددة لحل مشكلة معينة أو أداء مهمة محددة».


ومن خلال التعريف البسيط الذي وجدته في أكثر من مكان، والكل يؤكد أن الخوارزمية تشبه وصفة الطبخ؛ تبدأ بمقادير (مدخلات)، وتمر بخطوات مرتبة لتصل إلى النتيجة النهائية (المخرجات).


لكن رغم ذلك، لم أصل بعد إلى الفهم العميق لما يدهشني حرفيًا عندما أتصفح بعض التطبيقات، فأجد كل ما أفكر فيه يظهر لي فجأة، وكأنني من قمت بالبحث أو طلبت تلك الأشياء!
في أكثر من مكان، وأيضًا من عدة أشخاص، يتفقون على رأي واحد في التفسير الحقيقي والمنطقي لظاهرة ظهور الأشياء بمجرد التفكير فيها، من خلال نفي فرضية أن ثمة حدوث «تجسس على الأفكار»، ويرجعون ذلك الظهور المفاجئ إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي شديدة الذكاء والآليات النفسية المشتركة بيننا كبشر.


وفي رد دقيق ومفصل، يفسر خبراء المعلومات ظهور موضوع كنت تفكر فيه، ثم فجأة تجده أمامك في سجلات البحث أو الإعلانات، يعود حرفيًا إلى التحليل الذكي للبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، وليس لأن الهاتف «يستمع» لأفكارك بالمعنى الحرفي.


ويشير بعض المختصين إلى نقطة مهمة، وهي أن الخوارزمية تفترض أن اهتمامات صديقك قد تهمك أيضًا، فتظهر لك نفس الموضوع في سجل البحث أو الإعلانات المقترحة، مما يجعلك تشعر أن الهاتف قرأ فكرك.


ولكن في بعض الأحيان، عندما نفكر في شيء ويظهر أمامنا مصادفة، تركز عقولنا على هذه الحادثة بالذات ونربط بينها، مما يعطينا شعورًا بأن الظاهرة تتكرر دائمًا وأن الفاعل في ذلك شخص خفي.


بالمقابل، نحن نفكر في آلاف الأشياء يوميًا ولا تظهر لنا في البحث، فننساها فورًا.


ومن خلال القراءة والبحث في هذا الموضوع، وجدت معلومة مهمة مفادها أن هناك نفيًا تامًا من الشركات الكبرى للتجسس الصوتي المستمر، لكن المختصين أكدوا أن بعض التطبيقات التي نمنحها إذن استخدام «المايكروفون» قد تلتقط كلمات مفتاحية معينة أثناء الحديث العابر مع الآخرين، وتترجمها فورًا إلى اقتراحات بحث!
أخيرًا، اقتنعت بأن الخوارزميات لا تقرأ ما يفكر فيه العقل البشري، لكنها تقرأ سلوكك بدقة متناهية، لذا يُخيَّل له بأنه مراقب.