بريد القراء

هل نريد السعادة حقًا؟

 

منذُ نعومة أظفاري وأنا أسبح في ملكوت التأمل والتفكير، تتوارد الأسئلة على ذهني توارد النحل على الورود؛ كلما ظننتُ أنني فرغتُ من سؤالٍ، أطلّ عليّ سؤال آخر ليستنفرني، ويفتح في رأسي أبوابًا لا أعرف كيف أغلقها.


وكم تمنيتُ، حين كانت الأسئلة تنقضُّ عليّ من كل جانبٍ، أن أكون مثل أقراني ولداتي؛ أركض وألعب ولا ألوي على شيء، ولكن هيهات! فما كنتُ أتحايل على طنين الأسئلة بالانخراط معهم، حتى ينفض ذلك التلاحم، فأعود إلى نفسي، وتقتحمني الأسئلة كالموج الهادر، وتتوالى عليّ بلا انقطاع، وتفتح في رأسي أبوابًا لا أعرف كيف أغلقها: ما معنى القدر؟

وما المشيئة؟ وهل الإنسان مجبر أم مسيّر؟ ولماذا نولد؟ ولماذا نموت؟ ولماذا وُلد هذا فقيرًا وذاك غنيًا؟ ولماذا هذا طيبٌ سهلٌ، وذاك شريرٌ قاسٍ؟ ولماذا وُهب هذا جمالًا، وحُرم منه ذاك؟


ولعلّ أول سؤال من تلك الأسئلة التي بقيت معي طويلًا، لم يأتني من كتابٍ، ولم يُلقنه لي معلم؛ وإنما جاءني في صورة حكاية روتها لي جدتي، أذكر أنها حكت لي ذات مرة عن امرأة عُرفت بالطيبة والصلاح، تزوجت رجلًا شريرًا، جافَّ الطباع، صعبَ المراس، ومع ذلك عاشت معه، وأنجبت منه، وظلت تأمل أن يتغيّر يومًا ويستقيم حاله.


لم تمرّ الحكاية عليّ كقصة تُروى ثمّ تُنسى؛ فقد استقرت في ذاكرتي، وكلما عادت إلى ذهني عاد معها السؤال نفسه: كيف استطاعت امرأة عُرفت بالطيبة والصلاح أن تعيش مع رجلٍ شرير سيئ العشرة؟ ماذا كانت ترى فيه؟ وهل كانت ترى وراء قسوته وجهًا آخر لا يظهر للآخرين؟ أم كانت مُكرهة على العيش معه، لا تملك من أمرها شيئًا؟ أم كانت تؤمن أن الشرّ طارئ على الإنسان، وأن وراء كل قلبٍ قاسٍ بقيةً من خير يمكن أن توقظها المحبة؟


كنتُ صغيرًا يومها، ولم أكن أملك من المعرفة ما يُعينني على الإجابة، لكنني كنت أملك شيئًا آخر: الدهشة؛ تلك الدهشة التي كانت تسبق السؤال في داخلي، وتدفعني إلى البحث عن معنى لا أفهمه.


لم أكن أفهم كيف يمكن لشيء أن يجتمع ونقيضه في مكان واحد؛ الطيبة إلى جوار القسوة، والصلاح مع الشر، والمحبة مع النفور، وكنت أظن أنّ الناس كما الأشياء في خيال الطفل، ينبغي أن يكونوا واضحين؛ هذا طيب لأنه طيب، وهذا شرير لأنه شرير، ولم أكن قد أدركتُ بعد أن الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك، وأن الإنسان قد يحمل في داخله ما لا يظهر على وجهه، وأن القلوب لا تُقرأ دائمًا من أفعال أصحابها.


تعلّمت من هذه الحكاية، دون أن أُدرك يومها، أن الحياة لا توزع الأشياء كما نتوقع، وأن اجتماع المتناقضات فيها ليس استثناءً؛ فقد تجتمع الطيبة مع الشقاء، والصلاح مع الابتلاء، والمحبة مع الألم، وقد يجد الإنسان نفسه في حياة لم يخترها.


ثم كبرتُ، وبدأت أرى الحياة بعيني، فإذ بحكاية جدتي تتكرر أمامي في صور شتى، رأيت في الناس ما لم أكن أتصور أن يجتمع في الإنسان الواحد؛ رأيت الطيب مُبتلى، والشرير موفور الحظ، ورأيت الذكي يُصارع ضيق الحال، بينما يفتح الحظ أبوابه لمن لا يملك من أسباب النجاح مثل ما يملك غيره، ورأيت الجمال لا يضمن لصاحبه السعادة، ورأيت من حُرم منه مُحاطًا بالمحبة والطمأنينة.


وكانت قصص الحياة، كلما مرّت أمامي، توسّع السؤال الذي بدأ صغيرًا في ذهني، لم يعد الأمر يتعلق بامرأة صالحة ورجل سيئ العشرة، بل صار السؤال يتجاوز الأشخاص إلى الحياة نفسها: لماذا يولد هذا فقيرًا وذاك غنيًا؟ لماذا يُمنح هذا جمالًا ويُحرم منه ذاك؟ لماذا يموت شاب في مقتبل العمر، ويمتد العمر بآخر حتى يُخيّل إليّ أن الموت قد نسيه؟


وكلما رأيت صورة من هذه الصور عاد إليّ السؤال القديم الذي بدأ مع حكاية جدتي: لماذا لا تتوزع الأشياء كما نتصورها نحن؟


لم أكن أملك إجابة، لكنني كنت أملك السؤال، وربما كان السؤال وحده كافيًا لأن يجعلني أرى الحياة بعين مختلفة؛ لم أعد أكتفي بما يقع أمامي، بل صرت أبحث عن المعنى الكامن وراءه، ومع اتساع رؤيتي، أدركت أن أسئلتي الأولى لم تكن وليدة لحظة، وأن الحياة نفسها كانت تدفعني من سؤال إلى آخر؛ فما من تفصيل يمر أمامي إلاّ ويوقظ في داخلي سؤالًا جديدًا.


كنت أرى الناس يمضون في حياتهم مطمئنين إلى ما يفعلون، يدرسون ويعملون ويسعون إلى المال والمكانة، بينما كنت أتوقف أحيانًا متسائلًا عن الغاية التي نركض إليها، وعن تلك الرغبة التي تدفع الإنسان إلى المضيّ قدمًا، مع أنه يعرف أن الطريق، مهما طال، سينتهي.


كنت أحسد أولئك الذين يمضون في الحياة بلا حمولة من أعباء التفكير، تنوء بها كواهلهم، يعيشون يومهم كما يأتي، يفرحون حين يأتي الفرح، ويحزنون حين يأتي الحزن، ثم يمضون، لا يفتشون خلف كل شيء عن معنى، ولا يرهقون أنفسهم بملاحقة الأسئلة التي لا تنام.


وكم تمنيت، في لحظاتٍ كثيرة، لو أستطيع أن أخلع عن رأسي بعضًا من ذلك التفكير، وأن أمضي بخفة مثلهم، لكنني، كلما حاولت، أدركت أنني لا أستطيع أن أكون غير ما أنا عليه.


وظللت أتساءل: أترى الحياة التي يمضي فيها الآخرون، وقد تحرروا من ثقل التفكير، هي السعادة التي أبحث عنها؟ أترى أيكون الإنسان حين ينجو من وطأة السؤال، ويمضي في الحياة دون أن يفتش خلف كل شيء عن معنى؟
ظل هذا السؤال يرافقني طويلًا، حتى وجدت في عبارة لفولتير ما استوقفني؛ كأنها جاءت في موعدها لتلقي في قلبي معنى ظللت أبحث عنه: «لقد قلت لنفسي مائة مرة إنني سأصير سعيدًا لو كنتُ ببلاهة جارتي، ومع ذلك فإنني لا أرغب بسعادة كتلك».


ظلت عبارة فولتير عالقة في ذهني؛ فربما كانت السعادة في أن نتحرر من الأسئلة، لكنني لم أعد متأكدًا أنني أريد سعادة كهذه... ومنذ ذلك الحين، لم يعد سؤالي: هل نريد السعادة؟ بل: هل نستطيع أن نكون سعداء دون أن نتخلّى عن أنفسنا؟