روضة الصائم

الخيزران وزبيدة وولاية العهد

عندما تتكلم الوثائق

 

حظيت قضية ولاية العهد في التاريخ بأهمية خاصة، فهي موضوع حيوي وجدلي في الوقت ذاته، عند الحديث عن آلية انتقال السلطة السياسية، وتعد من أهم القضايا التي أثارت النقاش والجدل بين المؤرخين والباحثين، وكان لهذه القضية انعكاسات على مفهوم نظام الحكم وتداول السلطة في المجتمع الإسلامي بصفة عامة.


إن ولاية العهد وما تضمنته من حصر السلطة وتوريثها في أسرة واحدة كانت أحد الأسباب التي أدت إلى تدهور وسقوط الدول الإسلامية المختلفة، وقد سار العباسيون على نهج الأمويين في نظام التوريث، وتعد قضية ولاية العهد من القضايا المهمة التي أحدثت الشقاق في البيت العباسي؛ للدور الكبير الذي لعبته في سير الأحداث التاريخية، وكان للنساء في البلاط العباسي دور مهم تمثل في التدخل المباشر وغير المباشر لدى الخلفاء في اختيار ولاة العهد.


وسنرصد في هذا المقال أدوار شخصيتين نسائيتين كان لهما دور واضح ومؤثر في قضية ولاية العهد في العصر العباسي الأول (132-247هـ/750-861م)، وهما: الخيزران وزبيدة.


يظهر تدخل نساء البلاط العباسي بشكل مبكر في ولاية العهد منذ عهد الخليفة العباسي الأول أبي العباس السفاح (ت: 136هـ/754م)، الذي عهد قبل وفاته لأخيه أبي جعفر المنصور بالخلافة، ومن بعده إلى ابن أخيه عيسى بن موسى.

وكان في بادئ الأمر يميل إلى تعيين ابنه محمد وليًا للعهد، مدفوعًا بغريزة الأبوة، حيث حاولت أمه هند (أم سلمة) بنت يعقوب بن سلمة بن عبدالله بن الوليد بن المغيرة المخزومي تغيير وجهة نظر أبي العباس، واقترحت عليه: «ولِّ غيره واجعله ثانيًا»، وطلبت من إخوتها التدخل وإقناع أبي العباس بذلك، لكن أبا العباس كان رده: «أخاف أن يقصر عمر من أجعله قبله، فتدركه الخلافة وهو صغير، فيصير الأمر إليه قبل أن يستحقه»، ومما لا شك فيه أن هذه الحادثة تكشف تدخلًا مبكرًا لنساء البلاط العباسي منذ وقت مبكر في قضية ولاية العهد في الخلافة العباسية.


أما التأثير المباشر والقوي في ولاية العهد، فقد ظهر بشكل جلي في عهد المهدي، الخليفة العباسي الثالث، ممثلًا في زوجته الخيزران، وأم ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد.

حيث عقد المهدي ولاية العهد لابنه موسى الهادي، ثم خامرت المهدي فكرة تعيين ابنه الآخر من الخيزران، هارون الرشيد، وليًا ثانيًا للعهد، ولم يهتم المهدي بابنه الآخر علي، وهذا أثار الاستغراب؛ لأن أم ابنه علي عربية هاشمية عباسية، هي ريطة بنت أبي العباس، فتفضيل أولاد الخيزران يدل بوضوح على نفوذها القوي على الخليفة، فلم يكن هناك شك في تفوقها ومواهبها الاستثنائية بإجماع المؤرخين.

ويوضح المؤرخ الطبري دورها الكبير بقوله: «وكانت الخيزران هي الناظرة في الأمور».


لم تنته التدخلات في ولاية العهد في عهد الخليفة المهدي، الذي وقع ضحية بسبب ضعفه أمام زوجته الخيزران، صاحبة المطامع السياسية، فالخيزران كانت تفضل ابنها هارون على موسى، وكان موسى أكبر من هارون، وكانت تخشى على نفوذها السياسي من شخصية الهادي القوية، الذي يصفه الجاحظ: «شكس الأخلاق، صعب المرام، قليل الإغضاء، سيئ الظن».


لذلك سعت الخيزران لتقديم هارون على موسى في ولاية العهد، فتكشف الأحداث أن الخليفة المهدي غيّر رأيه فجأة، وقرر أن يضع هارون قبل موسى في ترتيب ولاية العهد سنة (169هـ/786م)، ورفض موسى أن يستجيب لطلب أبيه؛ لهذا قرر المهدي أن يجبره بالقوة على الرضوخ، إلا أن المهدي مات في ظروف غامضة في 22 محرم سنة (169هـ/785م)، وكان يبلغ من العمر 36 سنة.


إن التغير المفاجئ في رأي الخليفة المهدي، ثم وفاته في ظروف غريبة، يعتبران من الأحداث التاريخية الغامضة والمعقدة في تلك الفترة، وتختلف الروايات في بيان سبب الوفاة، فيذكر ابن قتيبة أن لموسى الهادي وأعوانه دورًا في إنهاء حياة الخليفة، فيذكر: «... دسّ على أبيه بعض الجواري المتمكنات منه بِسَمِّه».


وبعد وفاة المهدي المفاجئة، لم يحدث التغيير الذي كانت تنشده وتسعى إليه الخيزران، فتولى الهادي الخلافة ضمن الترتيب الأول لولاية العهد؛ الهادي ثم الرشيد. وتوفي الهادي أيضًا في ظروف غامضة، فقد كانت علاقته متوترة بأمه الخيزران التي كانت تفضل أخاه الرشيد عليه.


واستمر دور الخيزران في التأثير على ولاية العهد في عهد ابنها الرشيد، فلم يكن يحل ولا يربط إلا بأمرها، فكانت الآمرة الناهية في عهده حتى وفاتها في سنة (173هـ/788م)، وما هذا الدور إلا امتداد للدور الكبير والمحوري الذي لعبته الخيزران في عهد زوجها المهدي، وكان زوجها المهدي وابنها الهادي ضحايا ذلك الدور والطموح.


لم ينته بعد دور نساء البلاط العباسي في التأثير على ولاية العهد، فبعد وفاة الخيزران ظهر دور زبيدة، زوجة هارون الرشيد وأم ولده الأمين، فهي سيدة عباسية جليلة، ذات يد طولى في الحضارة والعمران والعطف على الأدباء والشعراء والأطباء، ومن ذوات العقل والرأي والفصاحة والبلاغة، كما يصفها المؤرخون.


تزوجها الرشيد، زبيدة، سنة (165هـ/780م)، في خلافة والده المهدي ببغداد، فولدت له محمد الأمين، فأحبته حبًا عظيمًا جعلها تهيئ له كل العوامل التي ترى أنها واصلة به إلى عرش الخلافة، «فلم تلد عباسية خليفة قط إلا هي».


ويظهر نفوذها من خلال تأثيرها في تولية ابنها محمد الأمين ولاية العهد بعد أبيه الرشيد، وفي ذلك يقول السيوطي: «وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد ولقبه الأمين وله يومئذ خمس سنين لحرص أمه زبيدة على ذلك».


فالرشيد وقع تحت تأثير زوجته زبيدة؛ لهذا عقد ولاية العهد الأولى لابنه محمد، وليس أدل على شدة حب الرشيد لزبيدة من أنه قبل التنازل عن ولاية العهد بشرط أن تبقى له زبيدة، وذلك عندما عزم أخوه الهادي على خلعه من ولاية العهد، وتقليد ابنه جعفر مكانه، وقد عبَّر الرشيد عن ذلك بقوله: «إذا نزلت على (الهنى والمرى) وخلوت بابنة عمي (يعني زبيدة) فما أريد شيئًا».


فإذا كانت زبيدة تعادل في نظر الرشيد الخلافة، أفلا يعدل رضاها ولاية العهد لابنها الأمين؟!
وقد تجاوز الرشيد في ولاية العهد كل من سبقه من خلفاء بني أمية أو من خلفاء بني العباس، وعيَّن ثلاثة من أبنائه؛ الأمين فالمأمون فالقاسم.

وقد راح الأمين ضحية لهذه الرغبة، فقُتل في حرب أخوية كانت نتيجة حتمية للصراع حول ولاية العهد، وتولى بعد مقتله الخلافة أخوه المأمون، وتوفيت أمه زبيدة في خلافة أخيه المأمون ببغداد في جمادى الأولى سنة 216هـ/831م.


وهناك المزيد من الخبايا والتفاصيل المثيرة في قضية ولاية العهد في العصر العباسي الأول، ويمكن قراءة المزيد حول هذه القضية التي تمت دراستها بشكل منهجي من خلال رسالة ماجستير أعددتها في عام 2012م، ونشرتها في عام 2020م في كتاب حمل عنوان: «ولاية العهد في العصر العباسي الأول (132-247هـ/750-861م): دراسة تاريخية».